Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

رواية الأكابر عن الأصاغر

الكاتب

أ. د/ مصطفى محمد محمود حسين

رواية الأكابر عن الأصاغر

رواية الأكابر عن الأصاغر هي مصطلح في علم الحديث يشير إلى رواية الشخص الأكبر سنًا أو قدرًا عن من هو أصغر منه، يُعد هذا النوع من الرواية دليلًا على تواضع طالب العلم وسمو همته، حيث لا يمنعه علو مكانته من طلب العلم ممن هم دونه، ومثال ذلك طلب النبي موسى عليه السلام العلم من الخضر، رغم أن موسى من أولي العزم من الرسل.

مفهوم رواية الأكابر عن الأصاغر

هذا النوع من الرواية نوع في غاية الأهمية تدعو إليه الهمم العلية والأنفس الذكية، ولذا قيل: لا يكون الرجل محدثًا حتى يأخذ عمن فوقه ومثله ودونه.

والأصل فيه ما جاء في سورة الكهف من قول نبي الله ورسوله موسى -عليه الصلاة والسلام- للخضر كما حكى القرآن: {قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا} [الكهف: ٦٦]، ولا ريب أن موسى -عليه السلام- أكبر مقامًا وأعلى قدرًا من الخضر، فإن موسى -عليه الصلاة والسلام- من الخمسة أولي العزم من الرسل.

قال الله - تعالى - في سورة الأحزاب: {وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} [الأحزاب: ٧].

وأخرج البخاري في كتاب العلم قصة الحر بن قيس وتماريه مع عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - في قصة موسى والخضر قال الإمام البخاري: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم-  يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى الله -عزوجل - إِلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ» الحديث. [صحيح البخاري كتاب العلم، حديث (٧٤)]

وقد علق الحافظ ابن حجر على ترجمة الباب بقوله: "هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم؛ لأن ما يغتبط به تحتمل المشقة فيه، ولأن موسى - عليه الصلاة والسلام - لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب العلم وركوب البر والبحر لأجله". [فتح الباري ١٦٨/١، حديث (٣١١٦)، وكتاب المناقب حديث (٣٦٤١) وكتاب التوحيد حديث(٧٤٦٠) صحيح مسلم كتاب الإمارة حديث (١٩٢٤)]

والأصل في هذا النوع من السنة أيضًا رواية النبي -صلى الله عليه وسلـم - حديث الجساسة الذي رواه عن تميم الداري كما في (صحيح مسلم) مما أخبر به عن رؤية الدجال في تلك الجزيرة التي في البحر. [صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث (٢٩٤٢)]

وروايته - صلى الله عليه وسلـم - عن مالك بن مزرد، وقيل: ابن مرارة، وقيل: ابن مرة الهراوي فيما أخرجه ابن منده في كتاب الصحابة بسنده عن زرعة بن سيف بن ذي يزن "أن النبي -صلى الله عليه وسلـم - كَتَبَ إليه كتابًا، ثُمَّ إِنَّ مَالِكَ بْنَ مُرَارَةَ الرَّهَاوِيَّ قَدْ حَدَّثَنِي أَنَّكَ قَدْ أَسْلَمْتَ مِنْ أَوَّلِ حِمْيَرَ، وَقَتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ.." الحديث، وكذا ما ثبت في صحيح البخاري من رواية معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهم - عن مالك بن يخامر عن معاذ - رضي الله عنـه - وهو قوله: "وهم بالشام" في حديث: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله» رواه الشيخان [صحيح البخاري كتاب العلم حديث (٧١)، وكتاب فرض الخمس (٧٤٦٠) صحيح مسلم كتاب الإمارة حديث (١٩٢٤)]

وقوله أيضًا: "حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّهُ مَا سَابَقَ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلا سَبَقَهُ بِهِ" أخرجه الخطيب في تاريخه. [تاريخ بغداد ٧٦/٥]

أهمية هذا النوع من الرواية

هذا النوع من الرواية نوع في غاية الأهمية تدعو إليه الهمم العلية والأنفس الذكية، ولذا قيل: لا يكون الرجل محدثًا حتى يأخذ عمن فوقه ومثله ودونه.

فائدة معرفة هذا النوع وضبطه

قال الإمام السخاوى [فتح المغيث ١٣٦/٣]: "وفائدة ضبطه الخوف من ظن الانقلاب في السند مع ما فيه من العمل بقوله - صلى الله عليه وسلـم -: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»، وإلى ذلك أشار ابن الصلاح بقوله: "ومن الفائدة فيه ألا يتوهم كون المروي عنه أكبر وأفضل، نظرًا إلى أن الأغلب كون المروي عنه كذلك فتجهل بذلك منزلتهما".

وفي مقدمة صحيح مسلم تعليقًا قال "وذُكِرَ عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" [صحيح مسلم، المقدمة، ص ٦]، ورواه أبو داود في (سننه) [سنن أبي داود، كتاب الأدب، حديث (٤٨٤٢)]، وفي سنده انقطاع.

أقسام رواية الأكابر عن الأصاغر

وينقسم هذا النوع من علوم الحديث إلى أقسام:

الأول: أن يكون الراوي أكبر سنًا وأقدم طبقة من المروي عنه كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري في روايتهما عن الإمام مالك بن أنس، وكالأزهري أبي القاسم عبيد الله بن أحمد في روايته عن تلميذه أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وهو إذ ذاك شاب.

وقد روى عن مالك من شيوخه خلق غير الزهري ويحيى حتى أفردهم بالتصنيف الرشيد العطار في مصنف سماه (الإعلام بمن حدث عن مالك بن أنس الإمام من مشايخه السادة الأعلام).

كما أفردهم بالتصنيف قبل الرشيد العطار الإمام محمد بن مخلد الدوري.

الثاني: أن يروى الحافظ العالم عمن هو أصغر منه قدر فقط دون السن، كرواية مالك وابن أبي ذئب عن شيخهما عبد الله بن دينار وأشباهه، وكرواية أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه عن شيخهما عبيد الله بن موسى، مع كون المروي عنه دون الراوي في الحفظ والعمل؛ لأجل رواياتهم، وذلك كثير جدًا، فكم من حافظٍ جليلٍ أخذ عمن دونه في اللقي خاصة دون السن أيضًا.

الثالث: أن يكون الراوي أكبر من المروي عنه من الوجهين معًا (قدرًا وسنًا) كرواية كثير من الحفاظ والعلماء عن أصحابهم وتلاميذهم مثل عبد الغني بن سعيد عن محمد بن علي الصوري، والخطيب عن أبي نصر بن ماكولا في نظائرهما، وحاصلهما يرجع إلى رواية الراوي عمن دونه في اللقي أو في السن أو في المقدار.

ومن هذا القسم الثالث رواية الصحابة عن بعض التابعين كرواية العبادلة الأربعة وعمر وعلي وأنس ومعاوية وأبي هريرة - رضي الله عنهم - عن كعب الأحبار، في أشباه لذلك أفردها الخطيب في جزء (رواية الصحابة عن التابعين).

قال الصنعاني [توضيح الأفكار ٤٧٤/٢]: "ومما هو داخل في رواية الأكابر عن الأصاغر رواية الصحابة عن التابعين، وكثيرٌ من أهل الحديث يجعلونه نوعًا مستقلًا ويفردونه ببحث لأمرين:

الأول: أنه طريق قد يتوهم عدم وجوده.

الثاني: للرد على من زعم من العلماء أنه لا وجود له".

 وذهب إلى تعليل ذلك بأن الصحابة إنما رووا عن التابعين الإسرائيليات ولا يعقل رجوعها إلى الصحابة، والأصل وتعليله خطأ، فإن ذلك موجود حتى في الصحيحين، وقد جمع فيه الحافظ الخطيب وجمع الحافظ العراقي من هذا النوع نحو عشرين حديثًا ومن هذه الأحاديث حديث السائب بن يزيد الصحابي -رضي الله عنـه - عن عبد الرحمن بن عبد القاري التابعي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنـه - عن النبي - صلى الله عليه وسلـم - أنه قال - صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ بِاللَّيْلِ»، وهو من أحاديث مسلم. [صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٧٤٧)].

مثال ما رواه الصحابي عن التابعي [فتح المغيث ١٣٨/٣]، ومن أمثلته ما أخرجه الترمذي في جامعه من حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت: «أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم- أملى عليه: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: ٩٥]، فجاءه ابن أم مكتوم، ...الحديث"، وقال عقبه: "وهذا الحديث يرويه رجل من الصحابة - وهو سهل - عن رجل من التابعين وهو مروان" [سنن الترمذي، أبواب تفسير القرآن، حديث (٥٠٢٤)]

مثال آخر: ويلتحق بذلك ما في صحيح البخاري من رواية معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما -، عن مالك بن يخامر، عن معاذ رضي الله عنه لزيادة: "وهم بالشام" في حديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» [صحيح البخاري كتاب العلم حديث (٧١)، وانظر بقية تخريجه في هامش (٦)]، فمالك بن يخامر المذكور كما قال أبو نعيم: لا يثبت كونه صحابيًا، ورواية الصحابة عن التابعين، وكذا الآباء عن الأبناء، والشيخ عن التلميذ.

ومن هذا القسم الثالث أيضًا: رواية التابعي [الوسيط لأبي شهبة ص٥٥٠] عن تابع التابعي: كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك، وكعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ليس تابعيًا، وروى عنه منهم - أي التابعين – أكثر من عشرين نفسًا فيما جمعهم الحافظ عبد الغني بن سعيد في جزء له، بلغ بهم تسعة وثلاثين، وقيل: أكثر من سبعين: قاله الحافظ أبو الفضل الطبسي، وعدهم الحافظ أبو الفضل العراقي فبلغ بهم نيفًا وخمسين، وذكرهم عنه صاحب (التدريب).

وما جزم به ابن الصلاح وتبعه النووي من كون عمرو بن شعيب ليس تابعي تبع فيه الحافظ عبد الغني بن سعيد، وأبا بكر النقاش المفسرـ، رده الحافظ العراقي في (التقييد والإيضاح على مقدمة ابن الصلاح) وقبله المزي الحافظ الكبير وقال: "قد سمع من غير واحد من الصحابة منهم زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت معوذ بن عفراء، وهما صحابيتان".

ومن فوائد هذا النوع [فتح المغيث ١٣٩/٣] وما أشبهه: التنويه من الكبير بذكر الصغير وإرشاد الناس إليه في الأخذ عنه، وقد قال التاج السبكي بعد إفادته: "إن إمام الحرمين نقل في الوصية عن تلميذه أبي نصر بن أبي القاسم القشيري، وهذا أعظم ما عظم به أبو نصر، وهو فخارٌ لا يعدله شيء"، وكذا نقل الجمال الأسنوي في المهمات وغيرها عن العراقي صاحب الألفية في المصطلح واصفًا له بحافظ العصر، مع كون العراقي من تلامذة جمال الدين الأسنوي، وهذا وأمثاله مما يعد في مفاخر كل من المروي والمروي عنه.

الإمام البخاري وتقسيمه لطبقات هذا النوع من الرواية

وممن [توجيه النظر ١٧٦ الطبعة الأولى الخانجي] جرى على ذلك الإمام البخاري فقد ذكروا أن الذين كتب عنهم وحدث عنهم ينقسمون إلى خمس طبقات:

الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين مثل محمد بن عبد الله الأنصاري، فإنه حدثه عن حُميد ومثل مكي بن إبراهيم فإنه حدثه عن يزيد بن أبي عبيد، ومثل أبي نعيم فإنه حدثه عن الأعمش.

الطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكنه لم يسمع من ثقات التابعين، كسعيد بن أبي مريم، وأيوب بن سليمان.

الطبقة الثالثة: وهي الوسطى من مشايخه: من لم يلق التابعين لكن أخذ عن كبار أتباع التابعين كسليمان بن حرب، وعلي ابن المديني، ويحيى بن معين، وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم.

الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلًا، كأبي حاتم الرازي وعبيد بن حميد وأحمد بن النضر، وإنما يخرج عن هؤلاء ما فاته عن مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم.

الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد سمع منهم للفائدة كعبد الله بن حماد الآملي، وعبد الله بن أبي العاص الخوارزمي، وحسين بن محمد القباني، وقد روى عنهم أشياء يسيرة، وعمل في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع أنه قال: "لا يكون الرجل عالمًا حتى يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه".

ومما روى عنه نفسه أنه قال: "لا يكون المحدث كاملًا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه".

الخلاصة

رواية الأكابر عن الأصاغر، هذا النوع من الرواية له أهمية كبيرة في إبراز التواضع العلمي، والتثبت في نقل الحديث، وقد اهتم به العلماء كالبخاري وغيره، وقسموه إلى أقسام بحسب السن والرتبة العلمية، وفائدته حفظ مراتب العلماء وضبط الأسانيد وعدم الوقوع في توهم الانقلاب أو التقديم والتأخير في الطبقات.

موضوعات مختارة