وينقسم هذا النوع من
علوم الحديث إلى أقسام:
الأول: أن يكون الراوي
أكبر سنًا وأقدم طبقة من المروي عنه كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري في
روايتهما عن الإمام مالك بن أنس، وكالأزهري أبي القاسم عبيد الله بن
أحمد في روايته عن تلميذه أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي
وهو إذ ذاك شاب.
وقد روى عن مالك
من شيوخه خلق غير الزهري ويحيى حتى أفردهم بالتصنيف الرشيد العطار في مصنف
سماه (الإعلام بمن حدث عن مالك بن أنس الإمام من مشايخه السادة الأعلام).
كما أفردهم بالتصنيف قبل
الرشيد العطار الإمام محمد بن مخلد الدوري.
الثاني: أن يروى
الحافظ العالم عمن هو أصغر منه قدر فقط دون السن، كرواية مالك وابن أبي ذئب
عن شيخهما عبد الله بن دينار وأشباهه، وكرواية أحمد بن حنبل وإسحاق ابن
راهويه عن شيخهما عبيد الله بن موسى، مع كون المروي عنه دون الراوي في
الحفظ والعمل؛ لأجل رواياتهم، وذلك كثير جدًا، فكم من حافظٍ جليلٍ أخذ عمن دونه في
اللقي خاصة دون السن أيضًا.
الثالث: أن يكون الراوي
أكبر من المروي عنه من الوجهين معًا (قدرًا وسنًا) كرواية كثير من الحفاظ والعلماء
عن أصحابهم وتلاميذهم مثل عبد الغني بن سعيد عن محمد بن علي الصوري، والخطيب عن أبي
نصر بن ماكولا في نظائرهما، وحاصلهما يرجع إلى رواية الراوي عمن دونه في اللقي أو في
السن أو في المقدار.
ومن هذا القسم الثالث
رواية الصحابة عن بعض التابعين كرواية العبادلة الأربعة وعمر وعلي وأنس ومعاوية
وأبي هريرة - رضي الله عنهم - عن كعب الأحبار، في أشباه لذلك أفردها
الخطيب في جزء (رواية الصحابة عن التابعين).
قال الصنعاني [توضيح الأفكار ٤٧٤/٢]: "ومما هو داخل في رواية الأكابر عن
الأصاغر رواية الصحابة عن التابعين، وكثيرٌ من أهل الحديث يجعلونه
نوعًا مستقلًا ويفردونه ببحث لأمرين:
الأول: أنه طريق قد
يتوهم عدم وجوده.
الثاني: للرد على من
زعم من العلماء أنه لا وجود له".
وذهب إلى تعليل ذلك بأن الصحابة إنما رووا عن
التابعين الإسرائيليات ولا يعقل رجوعها إلى الصحابة، والأصل وتعليله خطأ، فإن ذلك
موجود حتى في الصحيحين، وقد جمع فيه الحافظ الخطيب وجمع الحافظ العراقي
من هذا النوع نحو عشرين حديثًا ومن هذه الأحاديث حديث السائب بن يزيد الصحابي
-رضي الله عنـه - عن عبد الرحمن بن عبد القاري التابعي عن عمر بن الخطاب
- رضي الله عنـه - عن النبي - صلى الله عليه وسلـم - أنه قال - صلى الله
عليه وسلم- : «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ
فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا
قَرَأَهُ بِاللَّيْلِ»، وهو من أحاديث مسلم. [صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين
وقصرها حديث (٧٤٧)].
مثال ما رواه الصحابي عن
التابعي [فتح المغيث
١٣٨/٣]، ومن أمثلته ما أخرجه الترمذي في
جامعه من حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن مروان بن الحكم، عن
زيد بن ثابت: «أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم- أملى عليه: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ} [النساء:
٩٥]،
فجاءه ابن أم مكتوم، ...الحديث"، وقال عقبه: "وهذا الحديث
يرويه رجل من الصحابة - وهو سهل - عن رجل من التابعين وهو مروان" [سنن الترمذي، أبواب تفسير القرآن،
حديث (٥٠٢٤)]
مثال آخر: ويلتحق بذلك
ما في صحيح البخاري من رواية معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما -، عن مالك
بن يخامر، عن معاذ رضي الله عنه لزيادة: "وهم بالشام" في حديث: «لَا
تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» [صحيح البخاري كتاب العلم حديث
(٧١)، وانظر بقية تخريجه في هامش (٦)]، فمالك بن يخامر المذكور كما قال أبو
نعيم: لا يثبت كونه صحابيًا، ورواية الصحابة عن التابعين، وكذا الآباء عن
الأبناء، والشيخ عن التلميذ.
ومن
هذا القسم الثالث أيضًا: رواية التابعي [الوسيط لأبي شهبة ص٥٥٠] عن تابع التابعي: كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري
عن مالك، وكعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ليس تابعيًا،
وروى عنه منهم - أي التابعين – أكثر من عشرين نفسًا فيما جمعهم الحافظ عبد الغني
بن سعيد في جزء له، بلغ بهم تسعة وثلاثين، وقيل: أكثر من سبعين: قاله الحافظ أبو
الفضل الطبسي، وعدهم الحافظ أبو الفضل العراقي فبلغ بهم نيفًا وخمسين، وذكرهم
عنه صاحب (التدريب).
وما جزم به ابن الصلاح وتبعه النووي من كون عمرو بن شعيب ليس
تابعي تبع فيه الحافظ عبد الغني بن سعيد، وأبا بكر النقاش المفسرـ، رده الحافظ العراقي
في (التقييد والإيضاح على مقدمة ابن الصلاح) وقبله المزي الحافظ الكبير
وقال: "قد سمع من غير واحد من الصحابة منهم زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت
معوذ بن عفراء، وهما صحابيتان".
ومن فوائد هذا النوع [فتح المغيث ١٣٩/٣] وما أشبهه: التنويه من الكبير بذكر الصغير وإرشاد الناس
إليه في الأخذ عنه، وقد قال التاج السبكي بعد إفادته: "إن إمام
الحرمين نقل في الوصية عن تلميذه أبي نصر بن أبي القاسم القشيري، وهذا
أعظم ما عظم به أبو نصر، وهو فخارٌ لا يعدله شيء"، وكذا نقل الجمال الأسنوي
في المهمات وغيرها عن العراقي صاحب الألفية في المصطلح واصفًا له بحافظ
العصر، مع كون العراقي من تلامذة جمال الدين الأسنوي، وهذا وأمثاله
مما يعد في مفاخر كل من المروي والمروي عنه.