Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

علم دراسة الأسانيد وخطوات دراسة الإسناد عمليًّا وأمثلتها تطبيقيًّا

الكاتب

أ. د/ ياسر محمد شحاتة

علم دراسة الأسانيد وخطوات دراسة الإسناد عمليًّا وأمثلتها تطبيقيًّا

دراسة الأسانيد هي تتبع سند الحديث والنظر في أحوال رجاله من حيث الجرح والتعديل، والتحقق من اتصال السند وسلامته من الشذوذ والعلة.

أولًا: التعريف بدراسة الأسانيد

مصطلح دراسة الأسانيد مركب من كلمتين هما: (دراسة)، و(أسانيد)، وقبل التعريف بهما جملة لابد من التعريف بمفرديهما كل على حدة.

أما (الدراسة) فمأخوذة من الفعل (درس)، قال ابن فارس: "الدال والراء والسين، أصل واحد يدل على خفاء وخفض وعفاء... ومن الباب: درست القرآن وغيره، وذلك أن الدارس يتتبع ما كان قرأ كالسالك للطريق يتتبعه". [معجم مقاييس اللغة ص: ٣٣٢، ٣٣٣].

وجاء (في المعجم الوسيط): "درس الكتاب ونحوه درسًا ودراسة: قرأه ليحفظه ويفهمه". [المعجم الوسيط ص ٢٧٩].

والخلاصة: أن الدراسة تعني تتبع الشيء والنظر فيه لفهمه، وإظهار ما يخفى من أمره.

وأما (الأسانيد): فجمع إسناد، وسند؛ والسند لغة: "ما ارتفع وعلا مِن سفح الجبل، وكل ما يُستند إليه ويُعتمد عليه مِن حائط وغيره". [المعجم الوسيط: ص ٤٥٣].

والسند عند المحدثين: "هو الطريق الموصلة إلى المتن؛ أي رواة الحديث الذين رووا لفظ الحديث، والمناسبة بين المعنيين ظاهرة؛ فإن الرواة للحديث هم الذين يعتمد عليهم المحدثون (في معرفة المقبول من المردود، والصحيح من غيره.   [الوسيط في علوم ومصطلح الحديث: ص ١٨].

وعليه فالمقصود من (دراسة الأسانيد) هو: تتبع السند والنظر في أحوال رجاله جرحًا وتعديلًا، وبيان ما في السند من اتصال، أو انقطاع، أو تدليس، أو شذوذ، أو عِلة أو غير ذلك، بغية الحكم علي الحديث بالقبول أو الرد.

خطوات دراسة الإسناد إجمالًا

الحديث المحتج به هو الحديث الذي توفرت فيه الشروط الخمسة التالية:

١-  اتصال الإسناد.

٢- عدالة الرواة.

٣- ضبط الرواة.

٤- السلامة من الشذوذ.

٥- السلامة من العلة القادحة.

ودراسة إسناد الحديث تتطلب البحث عن تحقق هذه الشروط الخمسة، أو نفي بعضها، حتى يحكم علي الحديث بما يستحق، ويتم ذلك باتباع الخطوات التالية:

١-    الخطوة الأولي: تمييز الراوي من غيره.

٢-    الخطوة الثانية: التحقق من عدالة الراوي وضبطه.

٣-    الخطوة الثالثة: التحقق من اتصال السند.

٤-    الخطوة الرابعة: التحقق من عدم الشذوذ، وعدم وجود علة قادحة.

٥-    الخطوة الخامسة: جمع طرق الحديث وشواهده التي يحتاج إليها في رفع درجة الحديث.

٦-   الخطوة السادسة: بيان درجة الإسناد على وجه التحديد من حيث مرتبته من الصحة والضعف. وإليك تفصيل هذه الخطوات:  

الخطوة الأولي: تمييز الراوي من غيره

 قد يُذكر الراوي (في السَّند مهملًا، أو بكنية، أو لقب، أو يُنسب إلى بلد، أو صنعة لا تميزه عن غيره، وقد يُذكر الراوي مبهمًا كأن يقال: "حدثني رجل". فهنا لابد من تمييز الراوي عن غيره حتى يمكن دراسته ومعرفة حاله، ويمكن تمييز الراوي بإحدى الطرق التالية:

١- جمع طرق الحديث: قال السخاوي: "ويزول الإشكال عند أهل المعرفة بالنظر". (في الروايات، فكثيرًا ما يأتي مميزًا (في بعضها). [فتح المغيث: ٣/٢٥].

مثال ذلك: ما أخرجه أبو داود في: (سننه) (ح ١٣٦-١/١٥٨ كما في عون المعبود) قال: حدثنا زيد - يعني ابن الحباب – قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثوبان قال: حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الأعرج عن أبي هريرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  توضأ مرتين، مرتين"؛ ففي هذا الإسناد (الأعرج)، وهو لقب يحتاج إلى معرفة صاحبه من يكون؟، وبتخريج الحديث والوقوف على طرقه الأخرى أمكن تمييز هذا الراوي والوقوف على اسمه، فقد أخرج الترمذي [في سننه ح٤٣-١/١٢٩ كما في: تحفة الأحوذي] من طريق زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال: حدثني عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن الهرمز هو الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  توضأ مرتين، مرتين".

٢- النظر في الطبقات: قال العراقي: "ومن المهمات معرفة طبقات الرواة، فإنه قد يتفق اسمان في اللفظ، فيظن أن أحدهما الآخر فيتميز ذلك بمعرفة طبقتهما ...".   [التبصرة والتذكرة: ٣/٢٧٤].

قال الذهبي في: (التمييز بين رواة السفيانين.. سفيان الثوري وسفيان بن عيينة): "أصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار لم يدركوا الثوري، فمتى رأيت القديم قد روى، فقال حدثنا سفيان، وأبهم فهو الثوري، وهُم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم، فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بيَّنه، فأما الذي لم يلحق الثوري، وأدرك ابن عيينة فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الالتباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس". [سير أعلام النبلاء: ٧/٤٦٦].

وكتب الطبقات متعددة منها: (الطبقات الكبرى) لابن سعد، و: (الطبقات) لمسلم، و: (طبقات المحدثين بأصبهان) لأبي الشيخ، و:(مشاهير علماء الأمصار) لابن حبان.

٣- النظر في شيوخ الراوي وتلاميذه: وتلك أيسر الطرق للباحث، حيث ينظر إلى شيخ هذا الراوي المذكور في السند، ثم يرجع إلى ترجمته باحثًا عن تلاميذه، فيعرف من التلاميذ اسم الراوي المراد تمييزه منسوبًا، أو ينظر في ترجمة تلميذ الراوي الذي يريد تمييزه، فيعرف في شيوخ هذا التلميذ الراوي المراد تمييزه وهذا في الغالب.

ومن أوسع الكتب التي عُنيت ببيان جُل شيوخ الرواة وتلاميذهم كتاب: (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) للمزي؛ مثال ذلك: سليمان بن مهران، عن شقيق، عن حذيفة بن اليمان  - رضي الله عنه - ؛ فلتعيين الراوي عن حذيفة بن اليمان  - رضي الله عنه -  يمكننا الرجوع إلى ترجمة حذيفة  - رضي الله عنه -  ومراجعة أسماء من روى عنه ممن يُسموَن شقيقًا، وبالرجوع إلى (تهذيب الكمال: ٥/٤٩٧) نجد أن المزيّ لم يذكر أحدًا روى عن حذيفة  - رضي الله عنه -  بهذا الاسم إلا شقيق بن سلمة الأسدي. وللتأكد من صحة هذا التعيين، يمكن الرجوع إلى ترجمة سليمان بن مهران، والبحث في أسماء شيوخه الذين روى عنهم ممن يسمون بهذا الاسم، وبالرجوع إلى ترجمته من (تهذيب الكمال: ١٢/٧٨) نجد أنه قد روى عن شقيق بن سلمة الأسدي، فهذا يؤكد البحث الأول ويؤيده.

 ٤- الرجوع إلى كتب الأطراف والتخاريج والشروح: إن الرجوع إلى كتب الأطراف والتخاريج والشروح قد يفيد في الوقوف على اسم الراوي، وتمييزه عن غيره، ومن أهم هذه المصادر:

(أ) - (تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف) للمزيّ.

(ب) - (إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة) لابن حجر.

(ج) - (نصب الراية) للزيلعي.

(د) - (فتح الباري) لابن حجر، وغيرها من الكتب الكثيرة.

ومن أمثلة ذلك: ما أخرجه البخاري في: (صحيحه) تعليقًا (٢ /٢٩٢): وقال إسماعيل: أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، لا أعلمه إلا عن أنس  - رضي الله عنه -  قال: ... وذكر حديثًا في تصدُّق أبي طلحة  - رضي الله عنه -  بحديقته.

وقد ذكر المزي هذا الحديث ضمن مسند أنس من: (تحفة الأشراف) (٨٤/١) وبيَّن أن إسماعيل هو ابن أبي أويس، قال: حديث: لما نزلت {لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ...} [البقرة: ٩٢] الآية والحديث خ في الوصايا (١٧ تعليقًا) وقال إسماعيل: هو ابن أبي أويس، أخبرني عبد العزيز بن أبي سلمة... إلخ.

٥- الرجوع إلى الفصول الملحقة بكتب التراجم والمميزة لشخص الراوي: (في كتب التراجم بعد حرف الياء فصول ملحقة تعرف بأصحاب الكُنى، والألقاب، والأنساب، ونحوها، ومن أهم هذه الكتب (تقريب التهذيب) للحافظ ابن حجر العسقلاني.

٦- الرجوع إلى الكتب التي صنفت في بيان شخص الراوي: وضابط ذلك أنه إذا كان الراوي المراد تمييزه قد ذكر بلقبه فالمصادر المعنية في ذلك هي كتب الألقاب، ككتاب: (كشف النقاب عن الأسماء والألقاب) لابن الجوزي، وكتاب: (نزهة الألباب في الألقاب) لابن حجر.

وإن كان الراوي ذكر بكنيته فالمصادر المعنية في ذلك هي كتب الكنى، ككتاب: (الكنى والأسماء) للإمام مسلم، و: (الكنى والأسماء) للدولابي.

وإن كان الراوي ذكر مبهمًا فالمصادر المعنية في ذلك هي كتب المبهمات، ككتاب: (المستفاد من مبهمات المتن والإسناد) لأبي زرعة العراقي.

ومثال ذلك: الأعمش عن أنس بن مالك  - رضي الله عنه - ، فبالرجوع إلى كتاب: (كشف النقاب) لابن الجوزي: ص٢٨، نجد ما يلي: (الأعمش): اسمه سليمان بن مهران، ويُكنى أبا محمد، رأى أنس بن مالك.

الخطوة الثانية: التحقق من عدالة الرواة وضبطهم

وقبل أن يتجه الباحث إلى كتب الجرح والتعديل للوقوف على حال الرواة عدالة وضبطًا، لابد أن يكون ملمًّا بأمرين:

الأول: مراتب الجرح والتعديل وأحكامهما؛ كما في المبحث الخاص بذلك.

والثاني: مَنازع العلماء في الجرح والتعديل. لمعرفة آثار هذه المنازع والاتجاهات في قبول قول الناقد، مثل كلام أهل الفرق المبتدعة بعضهم في بعض، وفي أهل السنة والجماعة.

كيفية البحث عن أحوال الرواة في كتب الجرح والتعديل:

الرواة من حيث الجرح والتعديل ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من اتفق قول الأئمة على توثيقه؛ مثل: سعيد بن المسيب، ومالك، وأحمد، وغيرهم؛ وهؤلاء لا ينبغي التوسع في ترجمتهم، بل يكفي فيهم ذكر ما قاله الذهبي في: (تذكرة الحفاظ)، أو: (سير أعلام النبلاء)، وكذلك ما قاله ابن حجر في: (تقريب التهذيب).

القسم الثاني: من اتفق الأئمة الحفاظ على تضعيفه؛ كمحمد بن سعيد المصلوب، وأبان بن أبي عياش، وغيرهما، فهؤلاء يكفي الباحث أن يعتمد في بيان حالهما على المراجع المختصرة كما سبق، ككتاب: (تقريب التهذيب) لابن حجر، وكتاب: (المغني في الضعفاء) للذهبي.

القسم الثالث: من اختلف في شأنه الأئمة، فبعضهم وثقه، وبعضهم جرحه، وهذا النوع من الرواة لابد من بيان حاله مفصلًا للوصول إلى القول الراجح في حاله؛ وذلك وفق العناصر التالية:

١ - يذكر اسمه، واسم أبيه وجده ومنتهى نسبه.

٢ - يذكر طائفة من كبار شيوخه، والرواة عنه، وفيهم من هو في الإسناد المراد بالدراسة.

٣ - إن كان في الرواة عنه بعض الحفاظ الذين لا يروون إلا عن الثقات من شيوخهم فإنه يلزم بيان ذلك.

٤ - إن كان موصوفا بالجهالة فإنه يتعين ذكر جميع الرواة عنه؛ لأنه عنصر مهم في معرفة حاله.

٥ - ذكر من وثقه دون تكرار لعباراتهم فنقول مثل: وثقه أحمد، ويحيى بن معين، وأبو حاتم.

٦ - ذكر قول من جرحه، فإن كان الجرح بسبب الاختلاط فلابد من تحديد زمنه، ومعرفة من روى عنه قبل الاختلاط، ومن روى عنه بعده.

٧ - النظر في هذه الأقوال والموازنة بينها لمعرفة القول الراجح منها بالدليل، ويمكن الاستعانة بهذه القواعد في الترجيح:

(أ) - الجرح المفسر مقدَّم على التعديل.

(ب) - التعديل المعتبر مقدم على الجرح المبهم.

(ج) - إعمال الجرح المبهم في حالة عدم ورود التعديل المعتبر.

(د) - رد التزكية بالظاهر؛ كما هو مذهب ابن خزيمة، وابن حبان، وابن عبد البر.

(هـ) - عدم إجزاء التعديل على الإبهام.

(و) - عدم قبول كلام الأقران بعضهم في بعض.

فالراوي الذي اختلفت فيه عبارات النقاد والمعدلين إما أن يلحق بحيز التوثيق، أو يلحق بحيز التجريح، ولربما يدور الحكم بالتوثيق أو التجريح عليه بحسب روايته.

مثال ذلك: حماد بن نجيح، وثقه الجمهور، فقال أبو حاتم: "لا بأس به ثقة". وقال وكيع، وأحمد، وابن معين: "ثقة". زاد أحمد: "مقارب الحديث". وخالفهم عثمان بن أبي شيبة، فقال: "حماد بن نجيح ضعيف، ليس يروي عنه أحد".

والترجيح يقتضي رد جرح عثمان بن أبي شيبة، لأنه ورد مبهمًا غير مفسر السبب، ومن ثم فلا عبرة به، وأيضا لمخالفته الجمهور الذين وثقوا حماد بن نجيح.

الخطوة الثالثة: التحقق من اتصال السند

إذا نظر الباحث في عموم أسانيد الأحاديث يجد أن صيغ رواية الحديث لاسيما في عصر تدوين السنة تنقسم في الجملة إلى قسمين:

القسم الأول: صيغ صريحة في الاتصال مثل: "حدثنا، سمعت، أخبرنا"، ونحوها، ويبدأ الباحث بهذا القسم لسهولته، فيحكم للرواية التي فيها التصريح بالاتصال، ويفرغ منها، وهذا الحكم يكون بصورة مبدئية وهو الأصل والمعتمد حتى يثبت ما ينقضه، ذلك أن هذه الألفاظ مع كونها صريحة في الاتصال ربما يكتشف الباحث عكس ذلك، ولهذا صور نذكر منها:

١- أن يكون الراوي كذابًا فيقول: "حدثنا فلان"، وهو لم يسمع منه، وقد يكون لم يره أصلًا، وهذا يفعله كثير من الوضاعين لاسيما القصاص.

٢- قد يقول بعض الرواة: "أخبرنا، أو قال لنا فلان"، أو نحو ذلك؛ ويقصد عموم أهل بلده، وهو لم يسمع منهم؛ مثل قول الحسن البصري: "خطبنا زياد". وهو يقصد أنه خطب أهل البصرة - وهذا ليس بالكثير.

٣- بعض الرواة يدلِّس القطع، وهو أن يقول: "حدثنا". ثم يسكت قليلًا ثم يقول: "فلان"، وهو لم يسمعه منه؛  وهذ ليس بالكثير أيضًا.

٤- بعض الرواة لكونه ليس بحافظ يخطئ على شيخه، أو من فوقه، فيستبدل صيغة (عن) بصيغة (حدثنا)، يقع منه ذلك على سبيل الخطأ، بل قد يقع هذا من مثل بعض الثقات.

٥- في المخطوطات، وكذا في المطبوعات أخطاء في الأسانيد، فيقع استبدال صيغ الأداء وخاصة أن هذه الصيغ تختصر. فكل هذه الأمور وأمثالها توجب على الباحث أن يدقق في الإسناد وألا يكتفي بظاهره.

القسم الثاني: صيغ محتملة للاتصال والانقطاع، مثل: "عن فلان" و:"أن فلانًا"، و: "قال فلان". ونحو ذلك. وهذا القسم الأصل فيه أن يحمل على الاتصال كذلك؛ لكن كَثُرَ من الرواة أمور ثلاثة جعلت هذه الصيغ تحتاج إلى بحث وتتبع وهذه الأمور هي:

 ١ - الإرسال الجلي: وهو رواية الراوي عمن لم يدرك زمانهم.

 ٢ - الإرسال الخفي: وهو رواية الراوي عمن أدرك زمانه لكنه لم يلقه.

 ٣ - التدليس: وهو رواية الراوي عن أحد شيوخه الذين سمع منهم حديثا لم يسمعه منهم بصيغة توهم السماع منهم.

ولكلٍ حال، فللحكم على الإسناد بالاتصال أو الانقطاع خطوتان:

الخطوة الأولى: التحقق من سماع الراوي ممن روى عنه؛ وسبيل تحقق الباحث من سماع الراوي ممن روى عنه هو الرجوع إلى:

١- كتب الجرح والتعديل: حيث ينص العلماء على أسماء شيوخه أو بعضهم، فإذا كان الراوي من رجال الكتب الستة؛ فالأمر في ذلك سهل؛ حيث إن المزي في (تهذيب الكمال) جمع ما وقف عليه من أسماء تلامذة وشيوخ كل راوٍ، ومن المهم معرفته هنا أن المزي ربما اكتفي لبيان أن هذا الراوي قد روى عن ذاك في إحدى الترجمتين.

مثال ذلك: رواية الأسود بن يزيد النخعي عن عبد الله بن مسعود  - رضي الله عنه -  هذه الترجمة من تراجم الكتب الستة، فينظر الباحث ترجمة الأسود بن يزيد النخعي في: (تهذيب الكمال) للمزي، فسوف يجد فيها: روى عن بلال بن رباح ( س )، وحذيفة بن اليمان (خ س )، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود ( ع)....

فدل هذا على أن رواية الأسود بن يزيد عن ابن مسعود في الكتب الستة – البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، فالرمز(ع) يشير إلى الكتب الستة، وهذا معناه أن الشيخين قد احتجا برواية الأسود عن ابن مسعود؛ فهو دليل على الاتصال.

فإذا لم يكن الراوي ولا من روى عنه من رواة الكتب الستة فإن الباحث يستعين بكتب الجرح والتعديل الأخرى التي تذكر الشيوخ والتلاميذ مثل: كتاب الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، والمجروحين والثقات، لابن حبان، وتاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، وميزان الاعتدال، للذهبي.

 ٢ - الكتب التي عُنيت بقضية الاتصال والانقطاع؛ كالـ(مراسيل) لابن أبي حاتم، و: (جامع التحصيل) للعلائي. مثال ذلك: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال ابن أبي حاتم في كتابه: (المراسيل): "سألت أبي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن جدته أم سليم، هل سمع منها؟ قال: هو مرسل، وعكرمة بن عمار يُدخل بين إسحاق وأم سليم أنسًا".

الخطوة الثانية: النظر في التدليس؛ ويراعى فيه الأمور التالية:

١- إن كان في الإسناد راوٍ وُصِف بالتدليس وقد عنعن فلا يرد حديثه بمجرد العنعنة؛ لأن العنعنة غالبًا ما تكون من تصرف الرواة.

٢- التأكد من وصف ذلك الراوي بالتدليس، هل هو ثابت عنه أم لا؟

٣- ينظر هل هو مكثر من التدليس أم لا؟ فإن كان مقلًا فالأصل قبول عنعنته حتى يثبت خلافه.

 ٤- ينظر هل هو موصوف بالتدليس على الإطلاق، أم هو يدلس عن شيوخ بأعيانهم؟ أم أنه لا يدلس إلا عن الثقات؟ ونحو ذلك.

فإن كان لا يدلس إلا عن شيوخ بأعيانهم فلا يصح تعميم الحكم في غيرهم.

٥- النظر إلى القرائن الأخرى من استقامة المتن والإسناد، فإذا وجد في الخبر نكارة أو مخالفة فهذه قرينة على تدليس الراوي.

مثال ذلك: رواية ابن جريج عن عطاء، والأعمش عن أبي صالح، فعنعنة ابن جريج، والأعمش عن شيخيهما محمولة على السماع؛ لأن كل واحد منهما يروي عن شيخ أكثر من صحبته ولازم السماع منه، بل كان من المقدمين في هذا الشيخ.

ومن الكتب التي عُنيت بالمدلسين وطبقاتهم كتاب الحافظ ابن حجر: (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس).

الخطوة الرابعة: التحقق من عدم الشذوذ وعدم وجود علة قادحة

وهذه الخطوة هي أصعب بكثير من البحث في عدالة الرواة وضبطهم واتصال السند، ومع ذلك فإن الباحث مطالب بذلك بقدر الإمكان، ومما يُعِين الباحث في التأكد من سلامة الحديث من الشذوذ والعلة القادحة:

١- جمع طرق الحديث وما جاء في الباب، قال علي بن المديني في ذلك: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه".  [الجامع للخطيب: ٢/٢١٢]

     وقال يحيي بن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه".   [تاريخ الدوري :٤٣٣٠].

٢- مراجعة الكتب المؤلفة في علل الأحاديث؛ كـ (علل ابن أبي حاتم)، و: (علل الدارقطني).

٣- أن يحكم على صحة الحديث أحد من الأئمة ممن له رسوخ في هذا الفن، والكتب التي تساعد في ذلك كتب التخريج؛ كـ (نصب الراية) للزيلعي، وكتب الشروح كـ (فتح الباري) لابن حجر.

مثال عملي: أخرج أبو إسحاق الفزاري في: (السير) (٦٣٥) عن موسى بن أبي عائشة عن أنس بن مالك قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -  توضأ وخَلَّل لحيته وقال: «بهذا أمرني ربي». ومن طريق أبي إسحاق أخرجه الحاكم (١/١٤٩)، وبتتبع طرق هذا الحديث نجد أن ابن عدي قد أخرجه في (الكامل: ٢/٥٦١) من طريق: أبي الأشهب، عن موسى بن أبي عائشة، عن زيد الجزري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، به.

قال ابن عدي: "أبو الأشهب؛ هو جعفر بن الحارث، وزيد الجزري؛ هو زيد بن أبي أنيسة".

وأخرجه ابن أبي شيبة: (٢٠/١) عن وكيع، عن الهيثم، عن حماد، عن يزيد، عن أنس، به.

فمِن جَمْعِ هذه الطرق نجد أنه قد اختُلف في هذا الحديث على موسى بن أبي عائشة، وأن المتابعات تدل على أن الحديث إنما هو حديث موسى بن أبي عائشة، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبان الرقاشي؛ لا سيما وقد توبع عليه موسى؛ كما عند ابن أبي شيبة.

وبمراجعة كتب (العلل) نجد أن ابن أبي حاتم قد ذكر هذا الحديث في كتابه (العلل: ١٦) وقال: "سألت أبي عن حديث رواه مروان الطاطري، عن أبي إسحاق الفزاري، عن موسى بن أبي عائشة، أنه سمع أنسًا. قال: "رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -  توضَأ فخَلَّل لحيتَه"، قال أبيّ: "الخطأ من مروان"، موسى بن أبي عائشة يحدث عن رجل عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فدل هذا على أن المحفوظ الرواية الزائدة، لا الرواية الناقصة، فالرواية الزائدة مُعلة للرواية الناقصة.

الخطوة الخامسة: جمع طرق الحديث، وشواهده، التي يحتاج إليها في رفع درجة الحديث

مما تحتاج إليه دراسة الأسانيد: النظر في المتابعات، والشواهد، لتقوية الحديث ورفع درجته.

والمتابع هو: الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظًا ومعنى، أو معنى فقط مع الاتحاد في الصحابي.

والمتابعة نوعان: تامة، وقاصرة، حسب موضع المشاركة للراوي؛ فإن حصلت المشاركة للراوي نفسه؛ فهي المتابعة التامة؛ وإن حصلت لشيخه فمن فوقه؛ فهي القاصرة.

والشاهد هو: ما يروى من حديث صحابي آخر يوافق الحديث في لفظه، ومعناه، أو في معناه فقط.

وعلى الباحث أن يبحث أولًا في المتابعات ثم الشواهد، وبعد ذكرها ينظر هل هي قوية أم لا؟، فإن كانت قوية ارتقى الحديث من الضعف إلى الحسن، أو من الحسن إلى الصحة.

مثال ذلك: أخرج الترمذي (٢١٦٥) من طريق النضر بن إسماعيل، حدثنا محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: "يا أيها الناس إني قد قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا فقال: «أُوصِيكُم بِأصْحَابي، ثُمَّ الَّذِين يَلونَهُم... الحديث». وبدراسة هذا السند نجد أن النضر بن إسماعيل، ضعيف متكلم فيه، يروي أحاديث مناكير، قال عنه ابن حجر في: (التقريب) (ص ٥٦١): "ليس بالقوي". وعليه فالحديث ضعيف.

وبتتبع روايات هذا الحديث نجد أن الإمام أحمد قد أخرجه في: (المسند) (١/١٨) من طريق عبد الله بن المبارك، أنبأنا محمد بن سوقة.

فهذه متابعة تامة للنضر بن إسماعيل، وابن المبارك من كبار الحفاظ، ومن أئمة المسلمين وأعلامهم. وأخرجه ابن أبي عاصم في: (السنة) (٨٧) والآجري في: (الشريعة) (٤) من طريق: عاصم بن أبي النجود عن زرِّ بن حبيش، عن عمر بن الخطاب مختصرًا.

فهذه متابعة قاصرة للنضر بن إسماعيل، ولعبد الله بن المبارك.

ومما سبق يتبين أن رواية النضر بن إسماعيل قد تقوت برواية عبد الله بن المبارك، وبرواية عاصم بن أبي النجود، وعليه يصير حديثه حسنًا لغيره بمتابعتهما له. 

الخطوة السادسة: بيان درجة الإسناد، وعلى وجه التحديد من حيث مرتبته من الصحة والضعف

كأن يقال: "إسناد صحيح"، أو: "صحيح لغيره"، أو: "حسن"، أو: "حسن لغيره"، أو: "ضعيف"، أو: "موضوع". وهذه الخطوة إنما هي ثمرة التحقق من الشروط السابقة كلها.

الخلاصة

دراسة الأسانيد هي تتبع سند الحديث والنظر في أحوال رجاله من حيث الجرح والتعديل، والتحقق من اتصال السند وسلامته من الشذوذ والعلة، بهدف الحكم على الحديث بالقبول أو الرد. تتم هذه الدراسة عبر عدة خطوات تبدأ بتمييز الرواة والتحقق من عدالتهم وضبطهم، ثم التأكد من اتصال السند، وسلامته من الشذوذ والعلل، مع جمع الطرق والشواهد، وتنتهي بتحديد درجة الحديث من حيث الصحة أو الضعف.

موضوعات مختارة