غلب
على المشتغلين بعلم الحديث الاهتمام بدراسة الأسانيد وتخريج الألفاظ وجمع المتون
والحكم عليها، ولكن أساطين هذا العلم جمعوا مع ذلك الاعتناء بفقهه واستخراج كنوزه
ودرره، ولم يكونوا زوامل للأخبار يحفظون ما لا
يفهمون، ويروون ما لا يعقلون، ويتحملون ما لا يعلمون كما اتهم البعض المحدثين
بأنهم لا فقه عندهم.
والغالب
على الفقهاء أيضًا أنهم لا يتعمقون في دراسة علم الحديث ولا يراعون قواعده في
مؤلفاتهم، والحقيقة أن المحدث أحوج ما يكون للفقه في الحديث، والفقيه أحوج ما يكون
لدراسة علم الحديث، فالفقه ثمرة علم الحديث وقوام الشريعة ولا ثمرة بدون أصل، كما
أن الفقيه يستنبط الأحكام من الحديث والثمرة إذا لم تبن على أصل صحيح كانت فاسدة،
فكل فريق في حاجة ماسة إلى علم الآخر؛ ليكمل به ما عنده فلابد للفقيه من الحديث
فإن جل أحكام الفقه ثابتة بالسنة، ولابد للمحدث من الفقه حتى يعي ما يحمله، ولا
يكون مجرد ناقل، أو يفهمه على غير وجهه، وهذا يحتاج إلى فقه عميق ونظر دقيق ودراسة
مستوعبة للنصوص وإدراك بصير لمقاصد الشريعة وحقيقة الدين، وإلا كان ضرره أكبر من
نفعه، ولذلك كان لابد للمجتهد من دراسة علم الحديث ليحسن استنباط الأحكام، وقد
أدرك المحدثون أهمية الفقه بالنسبة لهم، ونبهوا طلاب الحديث إلى ذلك.
قال
سفيان بن عيينة: "لوكان الأمر بيدنا لضربنا بالجريد كل محدثٍ لا يشتغل
بالفقه، وكل فقيه لا يشتغل بالحديث". وقال أيضا:" يا أهل الحديث تعلموا
معاني الحديث فإني تعلمت معاني الحديث ثلاثين سنة".
وقال
سليمان بن حيان: "كنا نصحب سفيان الثوري قد سمعنا ممن سمع منه إنما
نريد منه تفسير الحديث" [حلية الأولياء لأبي نعيم٦/٣٣٦].
وقال
الفضل بن دكين: "كنت أمر على زفر فيقول لي: تعال حتى أغربل لك ما
سمعت، فكنت أعرض عليه الحديث، فيقول: هذا ناسخ٠. هذا منسوخ ٠. هذا يؤخذ به ٠. هذا
يرفض "٠ [تاريخ الإسلام للذهبي
١٧٨/٦]
وقال
وكيع لتلاميذه: "أي الإسنادين أحب إليكم؟ الأعمش عن أبي وائل عن عبد
الله؟ أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي
وائل عن عبد الله فقال: يا سبحان الله الأعمش شيخ - أي محدث قليل الدراية بالفقه -
وأبو وائل شيخ وسفيان فقيه ومنصور فقيه وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه وحديث يتداوله
الفقهاء خير من أن يتداوله الشيوخ" [راجع: معرفة علوم الحديث للحاكم ص ١ ١]٠
ولذلك قال الإمام ابن أبي حاتم
الرازي:" كان حديث الفقهاء أحب إليهم من حديث المشيخة" [الجرح
والتعديل ٠٢٥/١].
ولذلك
قال الإمام أحمد: "إذا كان يعرف الحديث ومعه فقه أحب إليّ من حفظ
الحديث ولا يكون معه فقه"، ولذلك عندما لامه إنسان في حضوره مجلس الشافعي،
وتركه مجلس سفيان بن عيينة قال له أحمد: "اسكت فإن فاتك حديث بعلو
تجده بنزول ولا يضرك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف ان ألا تجده [تدريب الراوي للسيوطي ١ /٨].
وقال
علي بن المديني: "أشرف العلم الفقه في متون الأحاديث ومعرفة أحوال الرواة
"[منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٠١١٥/٤].
ولكنه
ظهرت ناشئة في العصور الأخيرة جعلوا همهم مجرد الرواية والنقل، واعتنوا بالجمع دون
الفهم، فأساءوا إلى السنة من حيث أرادوا نفعها.