Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تخريج الأحاديث نشأته وأهميته

الكاتب

أ. د/ ياسر محمد شحاتة

تخريج الأحاديث نشأته وأهميته

يُقصد بالتخريج الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية مع بيان درجة صحته أو ضعفه، ويُعتبر التخريج من أهم العلوم الشرعية التي تساعد في التحقق من صحة الأحاديث وفهم سلاسلها الإسنادية.

مفهوم التخريج

أولًا: تعريفه:

التخريج لغة: من الخروج وهو في أهل اللغة ضد الدخول ثم يستعمل في عدة معان كلها يدور حول البيان والظهور، يقال: خرجت خوارج فلان: إذا ظهرت نجابته، وتوجه لإبرام الأمور وإحكامها، ومنه قول الخطَّابي في تعريف الحديث الحسن: (وهو ما عرف مخرجه) أي موضع خروجه، وهم رواة إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم، ومنه قول المحدثين عن الحديث: (أخرجه البخاري) أي أبرزه للناس وأظهره لهم ببيان مخرجه، وذلك بذكر رجال إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم، ومما جاء بهذا المعنى قوله تعالى: {ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ} [ق: ٤٢]  أي يوم البعث حيث يخرج ويبرز الناس فيه من الأرض، وقال تعالى: {وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا} [النازعات: ٢٩]  أي أبرز وأظهر نهارها ونورها [انظر : لسان العرب، مادة: خرج، وتاج العروس، مادة: خرج، والمعجم الوسيط ٢٢٣/١ — ٢٢٤، تفسير البغوي (٤٤٥/٤)].

 التخريج عند المحدثين:

 يطلق التخريج عند المحدثين على عدة معان:

 ١ - فيطلق على أنه مرادف ل (الإخراج)، أي إبراز الحديث للناس بذكر مخرجه، أي رجال إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم، فيقولون مثلًا: هذا حديث أخرجه البخاري، أو خرّجه البخاري، أي رواه وذكر مخرجه استقلالًا.

 قال ابن الصلاح: وللعلماء بالحديث في تصنيفه طريقتان:

 إحداهما: التصنيف على الأبواب، وهو تخريجه على أحكام الفقه وغيرها.

 والثانية: تصنيفه على المسانيد... [مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٨]، فالمراد بقوله: (تخريجه) أي إخراجه وروايته للناس في كتابه.

 ٢ - ويطلق على معنى رواية المصنف الحديث من المستخرجات، والمستخرجات هي: أن يعمد الحافظ إلى كتاب مسند لغيره، فيخرج أحاديثه - أي يرويها -بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، بحيث يجتمع معه في شيخه.. شيخ صاحب الكتاب - أو شيخ شيخه وهكذا، على أن يكون من حديث الصحابي نفسه.

 قال الزركشي في ذلك: "حقيقته - أي الاستخراج - أن يأتي المصنف إلى كتاب البخاري أو مسلم، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق البخاري أو مسلم، فيجتمع إسناد المصنف مع إسناد البخاري أو مسلم في شيخه أو من فوق" [النكت على مقدمة ابن الصلاح (٢٢٩/١)].

وقد جاء التعبير عن المستخرجات بلفظ (التخريج) في كلام المحدثين، ومنهم:

ابن الصلاح، حيث يقول: "التخاريج المذكورة على الكتابين - يعني الصحيحين - يستفاد منها فائدتان:

 إحداهما: علو الإسناد، والثانية: الزيادة في قدر الصحيح لما يقع فيها من ألفاظ زائدة وتتمات في بعض الأحاديث يثبت صحتها بهذه التخاريج لأنها واردة بالأسانيد الثابتة في الصحيحين أو أحدهما، وخارجة من ذلك المخرج الثابت" [مقدمة ابن الصلاح ص ١٢ ط: دار الكتب العلمية].

 ٣ - ويطلق بمعنى إخراج المحدث المتأخر أسانيد مروياته من بطون المصنفات والأجزاء والمشيخات الحديثية.

 قال السخاوي: "والتخريج: إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين.." [فتح المغيث (٣/٣١٨)].

 ومن الكتب المؤلفة في ذلك:

 أ - حديث أبي العشراء الدارمي، تخريج الحافظ أبي القاسم: تمام بن محمد الرازي.

 ب - الفوائد لأبي عمرو عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده، تخريج أخيه، أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد.

 ومما يلحق بذلك: ما يعمد إليه عدد من المحدثين الحفاظ وطلاب العلم في العصور المتأخرة من رواية كتب الحديث بالإسناد إلى أصحابها، إبقاء لفضيلة الرواية بالإسناد، التي تميزت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم [انظر بحث "التخريج عند المحدثين" للدكتور دخيل بن صالح اللحيدان ص ٩٥ بمجلة جامعة الإمام، العدد (٢٨) شوال ١٤٢٠هـ].

 ٤ - ويطلق على معنى الدلالة، أي الدلالة على مصادر الحديث الأصلية وعزوه إليها، وذلك بذكر من رواه من المؤلفين.

 قال العراقي في مقدمة كتابه: تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي: "ذكرت في هذه الأوراق الأحاديث التي ضمنها قاضي القضاة ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي.. ذكرًا من خرجها من الأئمة وصحابي كل حديث، أو من رواه مرسلًا، مع التنبيه على صحتها وضعفها على سبيل الاختصار"[ص ٣٣].

وقال المناوي في: (فيض القدير) عند قول السيوطي: "وبالغت في تحرير التخريج: بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث، من الجوامع والسنن والمسانيد، فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه، ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله - وإن جل - كعظماء المفسرين" [فيض القدير (٢٠/١)].

والمعنى الأخير هذا للتخريج: هو الذي شاع واشتهر بين المحدثين، وكثر استعمال هذا اللفظ فيه، ولا سيما في القرون المتأخرة، بعد أن بدأ العلماء بتخريج الأحاديث المبثوثة في بطون بعض الكتب لحاجة الناس إلى ذلك [أصول التخريج للدكتور الطحان ص ١٠].

تعريف التخريج اصطلاحًا: عرف الدكتور محمود الطحان التخريج بقوله: "هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده، ثم بيان مرتبته عند الحاجة" [أصول التخريج للدكتور الطحان ص ١٠].

ثم قال في تفسير قوله: (ثم بيان مرتبته عند الحاجة): (أي بيان رتبة الحديث من الصحة والضعف وغيرها إذا دعت الحاجة لذلك، فليس بيان المرتبة إذن شيئًا أساسيًا في التخريج، وإنما هو أمر متمم يؤتى به عند الحاجة إليه) [أصول التخريج للدكتور الطحان ص ١٤].

إلا أن العلامة الدكتور محمد أبو شهبة عرفه بقوله: "عزو الأحاديث إلى من ذكرها في كتابه من الأئمة وبيان درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف" [حاشية كتاب "الوسيط في علوم ومصطلح الحديث" ص ٣٥٣].

وعرفه الأستاذ صبحي السامرائي فقال: "هو عزو الحديث إلى مصدره أو مصادره من كتب السنة المشرفة وتتبع طرقه وأسانيده وحال رجاله وبيان درجته قوة وضعفًا" [مقدمة تحقيقه لتخريج أحاديث مختصر المنهاج للحافظ العراقي].

فالدكتور أبو شهبة والأستاذ السامرائي أدخلا في التعريف (بيان درجة الحديث من الصحة أو الحسن أو الضعف) دون تقييده (عند الحاجة) كما ذكر الدكتور الطحان.

 والمطلع على كتب التخريج يرى أن المخرجين يبينون درجة الحديث من حيث القوة والضعف، فمنهم من يبينه اختصارًا كما هو الحال في تخريج العراقي لأحاديث (إحياء علوم الدين) للإمام الغزالي وتخريجه لأحاديث (المنهاج) للبيضاوي.

 ومنهم من يبينه تفصيلًا، بعد عرض لأقوال العلماء ومناقشتها، كم هو الحال في تخريج الحافظ الزيلعي لأحاديث (الهداية) للمرغيناني، وتخريج الحافظ ابن حجر لأحاديث (شرح الوجيز الكبير) للرافعي.

 وأهمية كتب التخريج تأتي أولًا من بيان حال الأحاديث المخرجة من الصحة والضعف ويظهر تمكن مؤلف (التخريج)في الحديث رواية ودراية، من بحثه في بيان درجة الحديث، من خلال استيفاء الكلام على طرقه، والكشف عن علله، والتحقيق في رجاله جرحًا وتعديلًا.

 ولذا فإن قول الدكتور الطحان: (ثم بيان مرتبته عند الحاجة) يرده واقع الحال في كتب التخريج التي ذكرت مرتبة الحديث بعد ذكر مخرجيه، إما نصًا، وإما إشارة، كذكر أحد رواته بالضعف، أو ما يشير إلى قبول الحديث أو رده [أسباب اختلاف المحدثين لخلدون الأحدب ٠٧٠٦/٢].

وعليه فيمكن القول في تعريف التخريج اصطلاحًا هو:

(عزو الحديث إلى مصدره أو مصادره الأصلية مع بيان درجته والحكم عليه).

شرح التعريف:

 ١ - عزو الحديث: معناه نسبة الحديث إلى من أخرجه من الأئمة، وله صورتان:

 الأولى: العزو الإجمالي، وذلك بأن يقتصر على مجرد الإحالة إلى من أخرج الحديث أو ذكر اسم المصدر الذي يروي فيه الحديث، كأن يقال مثلًا: (أخرجه البخاري في صحيحه) أو (أخرجه الترمذي في سننه) أو (أخرجه الطبراني في معجمه) ونحو ذلك من العبارات، وهذه طريقة المتقدمين في الغالب لاكتفائهم بذلك في معرفة موضع الحديث.

 الثانية: العزو التفصيلي، وللمتأخرين فيه عدة مسالك، منها: أن يزاد على ما سبق بذكر ترجمة الكتاب التفصيلي، وترجمة الباب، ورقم المجلد والصفحة والحديث.

 ٢ - مصادر الحديث الأصلية هي:

 المصادر المسندة، وتشمل:

 أ - كتب السنة التي جمعها مؤلفوها عن طريق تلقيها عن شيوخهم بأسانيد إلى النبي - صلي الله عليه وسلم - ، (الكتب الستة) و(موطأ مالك) و(مسند أحمد) و(ومستدرك الحاكم) و(معاجم الطبراني) و(مصنف عبد الرزاق) وغيرها.

 ب - كتب السنة التابعة للكتب المذكورة في الفقرة السابقة، ولكنها لا تقوم مقامها، بل تعتبر مصدر ثانويًا كالمصنفات التي جمعت بين عدد من كتب السنة السابقة بأسانيدها، مثل: كتاب (الجمع بين الصحيحين للحميدي)، أو المصنفات التي جمعت أطراف بعض الكتب، مثل: كتاب (تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف) للمزي.

 ج - الكتب المصنفة في الفنون الأخرى - كالتفسير والفقه والتاريخ — التي تستشهد بالأحاديث لكن بشرط أن يرويها مصنفها بأسانيدها استقلالًا، أي أن لا يأخذها من مصنفات أخرى قبله، ومن هذه الكتب: (تفسير الطبري) وتاريخه، وكتاب (الأم) للشافعي، والرسالة له أيضًا، وكتاب (المُحلى) لابن حزم الظاهري، فإن هذه الكتب لم يصنفها مؤلفوها على أنها كتب لجمع نصوص السنة، وإنما صنفوها في فنون أخرى، لكن استشهدوا بنصوص الأحاديث ضمن أبحاثهم في تفسير الآيات، أو بيان الأحكام، أو غير ذلك، لكنهم عندما يستشهدون بتلك الأحاديث يروونها عن شيوخهم بالأسانيد الى النبي - صلي الله عليه وسلم -، ولا يأخذونها من مصنفات أخرى تَقَدّمَتْهُم، فهذه هي مصادر الحديث الأصلية.

 وأما العزو إلى الكتب التي جمعت بعض الأحاديث لا عن طريق التلقي عن الشيوخ، وإنما من المصنفات السابقة لها، فلا يعتبر العزو إليها تخريجًا على الاصطلاح في فن التخريج، وإنما هو تعريف القاري بأن هذا الحديث مذكور في كتاب كذا، وهذا النوع من العزو يلجأ إليه العاجز عند معرفة مصادر الحديث الأصلية فينزل في عزوه نزولًا غير مستحسن وهو غير لائق بأهل العلم لاسيما أهل الحديث.

 ومن تلك الكتب التي لا تعتبر مصدرًا أصليًا من كتب السنة، الكتب التي جمعت أحاديث الأحكام مثل كتاب (المنتقى من أحاديث الأحكام) لابن تيمية، وكتاب (بلوغ المرام من أدلة الأحكام) لابن حجر وكذلك الكتب التي جمعت الأحاديث على ترتيب أحرف المعجم ككتاب (الجامع الصغير) للسيوطي، ثم باقي الكتب الأخرى التي جمعت الأحاديث من كتب السنة المتقدمة على أي شكل كان، مثل: (الأربعين النووية) و (رياض الصالحين) كلاهما للنووي، وغيرهما من الكتب الأخرى الكثيرة، لكن هذه الكتب تعتبر دليلًا على مصادر الحديث الأصلية، لذا يستعان بها في ذلك [أصول التخريج للدكتور الطحان (١٠ - ١٢) ].

 ٣ - بيان درجة الحديث، يراد بها: الحكم على الأسانيد ببيان مراتبها من حيث الثبوت وعدمه، وتعرف درجة الحديث بعدة سبل منها:

 أ - أن يكون الحديث معزوًا إلى الصحيحين أو أحدهما، إذ الأصل فيما احتجا به الصحة، وأما ما سواهما من المصادر التي اشترط أصحابها الصحة لكن لبعض العلماء انتقاد في بعضها، وذلك كصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، والمنتقى لابن الجارود، فإنه ينبغي الإشارة إلى ذلك خصوصًا إذا كان معروفًا بالتساهل كالحاكم، فالرجوع إلى تعقبات الذهبي عليه متعين ليقف الباحث على درجة الحديث.

 ب - أن يكون الحديث من الأحاديث المتواترة، حيث أفردت بمؤلفات، مثل: كتاب: (قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) للحافظ السيوطي، وكتاب: (نظم المتناثر الحديث المتواتر) للكتاني.

 قال الحافظ ابن حجر: "المتواتر ليس من مباحث علم الإسناد، إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه، ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال، وصيغ الأداء، والمتواتر لا يبحث من رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث" [النكت على نزهة النظر ص ٦٠].

 ج - النقل عن الأئمة السابقين لدرجة الحديث تصحيحًا أو تحسينًا أو تضعيفًا، أو بنقل كلامهم في الرجال فيقال مثلًا: السند فيه فلان وقد يكون هذا الرجل ضعيفًا أو كذابًا، أو يقال فيه: فلان قد عنعن ويكون ذلك الراوي قد عُرف بالتدليس، أو يقال: الحديث رجاله ثقات أو رجاله رجال الصحيح، وقد أكثر الهيثمي في كتابه (مجمع الزوائد) من ذلك.

 د - دراسة إسناد الحديث ومتنه دراسة وافية، إذا كان الباحث على دراية كافية بها، يقول الحافظ ابن حجر في ذلك: "إن كان متأهلا لمعرفة الصحيح من غيره، فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال إسناده وحال رواته" [النكت على كتاب ابن الصلاح ص ١٤٩].

نشأة التخريج ودواعيه

من المعلوم أن القرن الثالث الهجري هو عصر التدوين، وهو عصر السنة الذهبي أيضًا، حيث بلغ تدوين السنة فيه ذروته اتساعًا ودقة منهج، وما أن انتصف القرن الخامس الهجري حتى انقطعت فيه رواية الحديث بالسند من المحدث إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم من غير واسطة أجزاء أو كتب قبله، وإن وجد بعد هذا، فهو قليل نادر.

 وهذا يعني أن حديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قد جمع ودون في الجوامع والمصنفات والمسانيد والسنن والمعاجم في تلك الفترة.

وقد نشأ علم التخريج أولًا: بعد زمن انقطاع الرواية واستقرار تدوين السنة وبلوغه أميز مراحله وأنضجها.

 وثانيًا: بعد ما بدأت حركة التصنيف في علوم الشريعة كلها من فقه، وأصول، وتفسير، وعلم قرآن، وعقائد، وغيرها، حيث استدل هؤلاء المصنفون في مصنفاتهم بحديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم -باعتبار أن السنة المشرفة هي المصدر الثاني في التشريع بعد كتاب الله تعالى.

 بيد أن هؤلاء المصنفين ذكروا ما ذكروا من حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم دون عزوه إلى مصادره من كتب السنة التي أخرجته، وإن عزاه بعضهم لم يذكر درجته حيث القوة والضعف، والبعض الآخر- على قلة - استشهد بنصوص على أنها من حديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهي ليست منه، كأن تكون قاعدة فقهية، أو قولًا لفقيه، وذلك لقلة اطلاع ومعرفة بالسنة وعلومها، مما دعا بعض علماء الحديث إلى تخريج هذه الأحاديث وبيان مراتبها من حيث القبول والرد، تنقية للسنة أولًا من الدخيل عليها، وبيانًا لحال تلك الروايات حتى تطمئن نفس القارئ للدليل الذي استدل به، وبالتالي لمعرفة أصحية ما بنى عليه أو استنبط منه ثانيًا.

ومن دواعي نشأة علم التخريج والتصنيف فيه: ما يلاقيه كثيرٌ من طلبة العلم – وخاصة في زماننا -فضلًا عن غيرهم من الوقوف على مصادر الحديث إذا ما رغبوا بمعرفة مكان وجوده عند قراءتهم له في مصنف من مصنفات العلوم الشرعية أو غيرها، فضلا عن أن يميزوا بين القوي والضعيف منه، فألفت هذه الكتب حتى تيسر وتسهل لطالب العلم الوقوف على أماكن وجود الحديث في كتب السنة وبيان درجته من القوة والضعف [انظر: أصول التخريج ص ١٣، أسباب اختلاف المحدثين ص ٧٠٧ —٧١٠].

أهمية التخريج

لا شك أن معرفة التخريج من أهم ما يجب على كل مشتغل بالعلوم الشرعية أن يعرفه، ويتعلم قواعده وطرقه ليعرف كيف يتوصل إلى الحديث في مواضعه الأصلية.

 ذلك أنه لا يليق بمسلم - فضلًا عن طالب علم - أن يستشهد بأي حديث أو يرويه إلا بعد معرفة من رواه من الأئمة، وما درجته من الصحة أو الحسن أو الضعف ويؤكد ذلك عدة أمور:

 أولها: قول الله تعالى: {وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} [الإسراء: ٣٦]، فمن نسب الحديث إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - دون تخريج ومعرفة بمرتبته فقد قفا ما ليس له به علم، ومن ثم وقع في المحذور.

 وثانيها: ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه من حديث سمرة بن جندب والمغيرة ابن شعبة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حَدَّث عني بحديثٍ يرى أنَّه كَذِبٌ، فهو أحَدُ الكاذِبِينَ» [أخرجه مسلم في المقدمة، حديث رقم ١، والترمذي في كتاب العلم، حديث رقم ٢٨٧٤].

وما رواه مسلم أيضًا في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: «كَفى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ» [أخرجه مسلم في المقدمة، حديث رقم ٧].

والحديثان أخرجهم ابن حبان في صحيحه، وترجم لهما بقوله: (فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى - صلي الله عليه وسلم - وهو غير عالم بصحته) [الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٢٢/١)]، فمن نسب الحديث إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهولا يعلم مرتبته فإنه يستحق دخول النار، ومعلوم أن من يستحق دخول النار هو تارك الواجب أو مرتكب الحرام.

 وثالثها: القاعدة الشرعية المشهورة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) وعدم الكذب على رسول الله - صلي الله عليه وسلم - واجب، ولا يتم ذلك إلا بتخريج الحديث ومعرفة مرتبته، وعليه فتخريج الحديث واجب.

ورابعها: أن تخريج الحديث يعد أمانةً علميةً أيضًا، إذ أنه - كما هو مقرر في المنهجية العلمية - يتعين على الباحث نسبة الأقوال إلى أصحابها، وذكر المصادر والمراجع المعتمدة في نقل تلك الأقوال.

فإذا كان هذا مطلوبًا في حق أقوال عامة الناس، فما بالنا بالنسبة لمن أقواله تشريع؟ فمن الأمانة العلمية: أن نخرج الحديث، ونبين مرتبته مع ذكر المصادر والمراجع المعتمدة في ذلك، وإذا كان في عصور الرواية لا ينسب الحديث إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - إلا بذكر إسناده، واشتهرت في تلك العصور المقولة الآتية: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ففي عصرنا يعتبر تخريج الحديث هو إسنادنا، ولذا فما أحوجنا في هذا العصر إلى المقولة الآتية: (تخريج الحديث من الدين، ولولا التخريج لقال من شاء ما شاء).

طرق التخريج

تنحصر طرق التخريج في خمس طرق هي.

 الطريقة الأولى: تخريج الحديث عن طريق معرفة الراوي الأعلى للحديث، وتعتمد هذه الطريقة على معرفة الراوي الأعلى للحديث، والراوي الأعلى للحديث قد يكون صحابيًا إذا كان الحديث متصلًا، وقد يكون تابعيًا إذا كان الحديث مرسلًا.

والمصادر المستخدمة في هذه الطريقة على نوعين:

 ١ - المصادر الأصلية وتشمل:

 أ- المسانيد، كمسند أحمد وابن يعلى والحميدي وأبي داود الطيالسي.

 ب- المعاجم، كمعاجم الطبراني الثلاثة الكبير والأوسط والصغير.

 ٢ - المصادر الفرعية وتشمل:

 أ - كتب الأطراف، ككتاب (تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف) للمزي.

وكتاب (إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة) لابن حجر.

 ب - كتب الجوامع، كالجامع الكبير أو جمع الجوامع للسيوطي، فقد رتب فيه أحاديث الأفعال على حسب الراوي الأعلى.

الطريقة الثانية: تخريج الحديث عن طريق معرفة أول لفظ من متن الحديث.

وتعتمد هذه الطريقة على معرفة مطلع الحديث، أي أول لفظ منه، شريطة أن يتيقن الباحث من مطلع الحديث الصحيح.

والمصادر المستخدمة في هذه الطريقة تشمل:

 أ - الجوامع، وهي الكتب التي تجمع الأحاديث من مصادر السنة المختلفة دون ذكر أسانيدها، وتكون الأحاديث فيها مرتبة على مطلع الحديث وذلك ككتاب (الجامع الصغير) و(الجامع الكبير) كلاهما للسيوطي وكتاب (الجامع الأزهر من حديث النبي الأنور) و(كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق) كلاهما للمناوي.

 ب - كتب الأحاديث المشتهرة على الألسنة، حيث إن الأحاديث ترتب فيها على حسب مطلع الحديث، ككتاب (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة) للسخاوي، وكتاب (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس) للعجلوني.

 الطريقة الثالثة: تخريج الحديث بحسب لفظة من ألفاظه.

 وتعتمد هذه الطريقة على أخذ لفظة من ألفاظ الحديث على أن تكون من الأسماء أو الأفعال، أما الحروف فلا، والبحث عنها، وكلما كانت اللفظة غريبة كلما كان التخريج سهلًا وأكيدًا.

 والمصدر المستخدم في هذه الطريقة هو كتاب: (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) وقد ألفه مجموعة من المستشرقين.

 الطريقة الرابعة: تخريج الحديث بحسب موضوعه.

 وتعتمد هذه الطريقة على موضوع الحديث، أي ما يشتمل عليه الحديث من أحكام مثل الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو المعاملات أو الأخلاق والآداب.

 والمصادر المستخدمة في هذه الطريقة تشمل:

 أ - كل كتب السنة المرتبة أحاديثها حسب الكتب والأبواب الفقهية كالكتب الستة، وموطأ مالك، ومصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.

 ب - مفتاح كنوز السنة لفنسنك، حيث رتب فيه أحاديث أربعة عشر كتابًا من كتب السنة على حسب الموضوعات الفقهية مرتبًا إياها على حروف الهجاء.

 ج - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي الهندي، حيث رتب فيه أحاديث الجامع الصغير وزياداته وأحاديث الجامع الكبير وكلها للسيوطي على حسب الموضوعات الفقهية، مرتبًا إياها على حروف الهجاء.

 الطريقة الخامسة: تخريج الحديث عن طريق النظر في حال الحديث متنًا وسندًا.

 وتعتمد هذه الطريقة على النظر في صفات خاصة يحملها الحديث في السند أوفي المتن، وذلك كالوضع أو الإرسال أو التواتر أو كون الحديث حديثًا قدسيًا.

 والمصادر المستخدمة في هذه الطريقة متعددة ومتنوعة وتشمل:

 أ - كتب الأحاديث الموضوعة، ك (الموضوعات) لابن الجوزي، و (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) للسيوطي، و (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة) لابن عراق.

 ب - كتب الأحاديث المرسلة ككتاب (المراسيل) لأبي داود السجستاني.

 ج - كتب الأحاديث المتواترة، ككتاب (قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) للسيوطي، و(نظم المتناثر الحديث المتواتر) للكتاني.

 د - كتب الأحاديث القدسية، ككتاب (الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية) للمناوي، و(الأحاديث القدسية) للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، و(الجامع في الأحاديث القدسية) لعصام الدين الضابطي، و(معجم الأحاديث القدسية الصحيحة) لكمال بسيوني.

نماذج من المؤلفات في التخريج

لقد عني العلماء بهذا العلم وألفوا فيه عشرات من المصنفات، من أهم هذه المصنفات:

 ١ - تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الكشاف للحافظ جمال الدين الزيلعي (٧٦٢هـ).

 ٢ - الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ).

 ٣- تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي لابن همان (١١٧٥هـ).

 ٤ - الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي لعبد الرؤوف المناوي (١٠٣١هـ).

 ٥ - كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح للحافظ محمد بن إبراهيم السلمي المناوي (٨٠٣هـ).

 ٦ - هداية الرواة في تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة للحافظ ابن حجر.

 ٧ - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي.

 ٨ – الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر.

 ٩ - البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي، لسراج الدين عمر بن الملقن (٨٠٤هـ).

 ١٠ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر.

 ١١ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

 ١٢ - تخريج الأحاديث النبوية الواردة في مدونة الإمام مالك بن أنس للدكتور الطاهر محمد الدردري. ١٣ - هداية الرشد لتخريج أحاديث بداية ابن رشد للشيخ أحمد بن محمد الصديق الغماري.

 ١٤ - تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب لابن كثير.

 ١٥ – المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر لبدر الدين الزركشي (٧٩٤هـ).

 ١٦ - موافقة الخبر الخبر بتخريج أحاديث المنهاج والمختصر لابن حجر العسقلاني.

 ١٧ - تخريج أحاديث مختصر المنهاج للحافظ العراقي (٨٠٦هـ).

 ١٨ - تخريج أحاديث شرح العقائد للحافظ السيوطي (٩١١هـ).

 ١٩ - مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا للقاضي عياض، للسيوطي.

 ٢٠ - المغني عن حمل الأسفار في الأسفار لتخريج ما في الإحياء من الأخبار للحافظ العراقي.

 ٢١ — نتائج الأفكار بتخريج أحاديث الأفكار للحافظ ابن حجر.

 ٢٢ - تخريج الأحاديث والآثار التي وردت في شرح الكافية في النحو لعبد القادر البغدادي (١٠٩٣هـ).

الخلاصة

التخريج هو عزو الحديث إلى مصدره أو مصادره الأصلية مع بيان درجته والحكم عليه،وقد نشأ علم التخريج أولًا: بعد زمن انقطاع الرواية واستقرار تدوين السنة وثانيا: بعد ما بدأت حركة التصنيف في علوم الشريعة كلها، ولا شك أن معرفة التخريج من أهم ما يجب على كل مشتغل بالعلوم الشرعية أن يعرفه وله خمس طرق هي تخريج الحديث عن طريق معرفة الراوي الأعلى للحديث وتخريج الحديث بحسب لفظة من ألفاظه تخريج الحديث عن طريق معرفة أول لفظ من متن الحديث، تخريج الحديث بحسب موضوعة و تخريج الحديث عن طريق النظر في حال الحديث متنًا وسندًا.

موضوعات مختارة