تعددت
أنظار العلماء في بيان أصح كتب الحديث وترتيبها في ذلك، بحسب ما رأوه من توافر
شروط الصحة في كل منها دون أن يقصدوا التقليل من مكانة أي كتاب منها، وأهميته في
حد ذاته، ومجمل الأقوال في ذلك موضح فيما يلي:
صحيحا البخاري، ومسلم:
قال الإمام النووي في شرح مسلم: "اتفق العلماء - رحمهم الله -
على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان (البخاري، ومسلم) وتلقتهما الأمة
بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة..، وهذا الذي
ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري على صحيح مسلم وغيره هو المذهب المختار الذي قاله
الجماهير وأهل الإتقان". [طبقات الحفاظ، للسيوطي
١/ ٢٥٢، ٢٥٣، والنكت على مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٨، ومقدمة فتح الباري ١/ ٧، ٤٦٥،
٤٦٩، وشرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٤، وتاريخ بغداد ٢/ ١٤، وسير أعلام النبلاء ١٢/
٤٠٦، والرسالة المستطرفة ١/ ٤٢، وتوجيه النظر إلى أصول الأثر ١/ ٢٣٢]
ولكن هذا لا يعني التقليل من صحيح مسلم
في حد ذاته، فإن له مميزات متعددة، قال الحافظ ابن حجر: "حصل لمسلم في كتابه
حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن
إسماعيل، وذلك لما اختص به من جمع الطرق، وجودة السياق، والمحافظة على أداء
الألفاظ، كما هي من غير تقطيع ولا رواية بالمعنى، وقد نسج على منواله خلق من
النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه، وحفظت منهم أكثر من عشرين إمامًا ممن صنف المستخرج
على مسلم، فسبحان المعطي الوهاب) [راجع: تدريب الراوي
١/٩٤–٩٥، ٢/٢٦٢، والنكت على مقدمة ابن الصلاح ١/١٦٦-١٧١، ١/١٩٠، ١٩١، وتوضيح
الأفكار ١/٥٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ١/٢٣، وسير أعلام النبلاء ١٢/٥٨٠، والإرشاد
٣/٨٢٥، والرسالة المستطرفة ١/١١، والشذا الفيّاح ١/٨٢، ٧٣٥، وتوجيه النظر إلى أصول
الأثر ١/٢١٤، وصيانة صحيح مسلم ١/٦٧–٧٢، ومقدمة فتح الباري ١/٩، ١٠]
الموطأ للإمام مالك
من العلماء من قدمه في الصحة على صحيحي البخاري
ومسلم، فقال عبد الرحمن بن مهدي: ما نعرف كتابًا في الإسلام بعد كتاب الله - تعالى
- أصح من موطأ مالك [ينظر: البحر الذي زخر، للسيوطي ٢/٧٨٤–٧٨٥، وتدريب
الراوي ١/٩٥]،
ونحو ذلك جاء عن الإمام الشافعي [التدريب ١/٩٦]، ومن تاريخ وفاة كل من ابن مهدي (١٩٨هـ)،
والشافعي (٢٠٤هـ) يتضح أن قولهما هذا كان قبل وجود الصحيحين، فيحمل قولهما بالأصحّية
على ما كان في وقتهما من المؤلفات الحديثية غير الموطأ.
فالراجح ما تقدم من كون صحيح البخاري
مقدم في الصحة، ويليه صحيح مسلم، أما الموطأ فمع تقدمه في الزمن إلا أنه اشتمل مع
الأحاديث الصحيحة على مراسيل ومنقطعات ذكرها الإمام مالك محتجًا بها في الجملة،
فلأجل ذلك جعلت منزلته في الصحة عقب مستدرك الحاكم رغم تساهله كما سيأتي؛ وذلك
لكون الحاكم ربط كتابه بشرط صحيحي البخاري، ومسلم وهم أعلى درجات الصحة، كما تقدم.
صحيح ابن خزيمة
للإمام المحدث الكبير أبي بكر محمد بن
إسحاق بن خزيمة، كان إمام أهل المشرق في زمانه علمًا وإتقانًا ومعرفة، قال ابن أبي
حاتم عنه: "وهو ثقة صدوق" روى عنه جماعة من مشايخه الذين اختلف إليهم
وأخذ العلم عنهم، منهم محمد بن إسماعيل البخاري.
وقال الحاكم: "قد رأيت في كتاب
مسلم بن الحجاج بخط يده: حدثني محمد بن إسحاق أبو بكر صاحبنا".
قال السيوطي: "صحيح ابن خزيمة
أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان، لشدة تحريه، حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في
الإسناد، فيقول: إن صح الخبر أو إن كذا أو نحو ذلك ثبت".
توفي ابن خزيمة سنة إحدى عشرة
وثلاثمائة [المقتنى في سرد الكنى ١/١٢٢، والتقييد ١/٣٦، والجرح والتعديل ٧/١٩٦]
صحيح ابن حبان
للإمام المحدث الحافظ أبي حاتم محمد بن
حبان البستي، المتوفي سنة (٣٥٤هـ) تلميذ ابن خزيمة، ويسمى كتابه هذا: التقاسيم
والأنواع.
وصحيح ابن حبان ترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على
المسانيد، ولهذا سماه التقاسيم والأنواع، والكشف في كتابه عسر جدًّا، وقد نسبوا
لابن حبان التساهل في التصحيح إلا أن تساهله أقل من تساهل الحاكم، وعلى كل حال ينبغي
تتبع صحيحه والبحث عمّا فيه، وكذلك صحيح ابن خزيمة فكم فيه من حديث حكم له بالصحة
وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن [تدريب الراوي ١/١٠٩، وتوجيه النظر إلى أصول الأثر
١/٣٤٥]
المستدرك على الصحيحين، للحاكم أبي عبد
الله المتوفي سنة ٤٠٥هـ
فقد ذَكر في مقدمة كتابه هذا أنه سيخَرّج
فيه أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان – رضي الله عنهما – أو أحدهما، ثم
قال: وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء الإسلام... [ينظر المستدرك ١/٣]، وبمقتضى هذا الشرط كان كتاب المستدرك
يستحق أن يكون في المرتبة الثالثة بعد صحيحي البخاري ومسلم، ولكن عند مراجعة
المستدرك نجد أنه أخرج فيه ما صححه على شرطهما أو شرط أحدهما، وما صححه باجتهاده
هو غير مقيد بشرطهما ولا بشرط أحدهما، كما أخرج فيه بعض أحاديث نبه نفسه على
ضعفها، ثم إن العلماء من بعده تتبعوا أحاديث الكتاب، فوجدوا أنه تساهل في الحكم
بالصحة على ما لم يصل رواته إلى درجة الثقة، وصرح في مقدمة كتاب معرفة الصحابة من
المستدرك بأنه سيخرج في التعريف بهم من طريق الواقدي وأمثاله [المستدرك ٣/٦١]، وقد لخّص الذهبي المستدرك، وتعقبه في
كثير من الأحاديث، تارة بعدم مطابقة شرط الشيخين أو أحدهما، وتارة بالتضعيف، وتارة
بالوضع ولخّص – أيضًا - درجة أحاديث الكتاب
عمومًا، فقال: ففيه جملة وافرة على شرطهما، وجملة كثيرة على شرط أحدهما، لعل مجموع
ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء، أوْ له علة، وما
بقي وهو نحو الربع، فهو مناكير وواهيات لا تصح، وفي بعض ذلك موضوعات [السير ١٧/١٧٥، والتدريب
١/١١٣]؛
ولأجل هذا جُعلت مرتبة المستدرك متأخرة عن كل من ابن خزيمة، وابن حبان [تدريب الراوي ١/١٣٣]، ومن العلماء من قدّم كتاب المختارة،
للضياء المقدسي على المستدرك، كما سيأتي.
المختارة
كتاب الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في
الصحيحين أو أحدهما.
مؤلفه: الضياء المقدسي، وهو الإمام العالم
الحافظ الحجة محدث الشام شيخ السنة ضياء الدين، أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد
بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي الحنبلي صاحب التصانيف، ولد سنة تسع وستين وخمسمائة،
رحل وصنف، وليّن وجرّح وعدّل، وكان المرجوع إليه في هذا الشأن، جبلًا ثقةً دينًا
زاهدًا ورعًا. مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة. [طبقات الحفاظ ١/ ٤٩٧،
٤٩٨]
تصحيح الضياء المقدسي أعلى مزية من تصحيح
الحاكم، وتصحيحه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبان، والغلط في المختارة قليل،
والكتاب مع أنه التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها إلا أنه
انتقد على الكتاب تصحيح أحاديث لا تبلغ رتبة الصحة، بل ولا رتبة الحسن؛ فلذلك
اختلف في تقديمه على المستدرك وتأخيره عنه كما تقدم، والكتاب مرتب على المسانيد
على حروف المعجم لا على الأبواب [تدريب الراوي ١/١٤٤، والرسالة
المستطرفة ١/٢٤، وتوجيه النظر إلى أصول الأثر ١/٣٤٦].
ومن الكتب المؤلفة في الصحيح المجرد:
- السنن
الصحاح، لسعيد بن السكن. [توجيه النظر إلى أصول الأثر ١/٣٤٦]
- صحيح
أبي عوانة. [مقدمة في أصول الحديث ١/٩٣]
- المنتقى،
لابن الجارود. [مقدمة في أصول الحديث ١/٩٤]
تنبيه:
ينبغي أن نأخذ الصحيح – أيضًا - مما نص على صحته
إمام معتمد كأبي داود، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، والخطابي، والبيهقي،
وغيرهم من أصحاب الكتب الشهيرة فيها، وكذا في غيرها إذا صح الطريق إليهم. [فتح المغيث، للسخاوي ١/٣٥]