إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، فعند الجمع بين هذه الأسانيد لمتنٍ واحد، فإن المحدثين يكتبون عند الانتقال من إسنادٍ إلى آخر ما صورته: (ح) ونتناول آراء المحدثين حول رمزية الحاء المفردة، وصيغ النقل عند تعدد الأسانيد.
إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، فعند الجمع بين هذه الأسانيد لمتنٍ واحد، فإن المحدثين يكتبون عند الانتقال من إسنادٍ إلى آخر ما صورته: (ح) ونتناول آراء المحدثين حول رمزية الحاء المفردة، وصيغ النقل عند تعدد الأسانيد.
أولًا: التحويل في الإسناد: جَرَت عادة أهل الحديث وكُتّابه أنَّه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، وجمعوا بين الإسنادين - أو الأسانيد - لمتنٍ واحد، فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسنادٍ إلى آخر ما صورته: (ح)، وهي حاءٌ مفردةٌ مهملة. ولم يُعرَف عن الأئمة بيانٌ لهذه الحاء. [راجع مقدمة ابن الصلاح (ص (۹۹) في النوع الخامس والعشرون كتابة الحديث وضبطه وتقييده في التفريع الخامس عشر، وفتح المغيث للعراقي (ص ٢٥٢)، مكتبة السنة بالقاهرة].
قال الحافظ ابن الصلاح: ولم يأتِنا عن أحدٍ ممَّن يُعتَمد بيانٌ لأمرها، غير أني وجدتُ بخط الأستاذ الحافظ أبي عثمان الصابوني، والحافظ أبي مسلم عمر بن علي الليثي البخاري، والفقيه المُحدِّث أبي سعد الخليلي - رحمهم الله - في مكانها بدلًا عنها: "صح صريحة"، وهذا يُشعِر بكونها رمزًا إلى "صح"، وحَسُنَ إثبات "صح" ههنا لئلا يُتوهَّم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يُركَّب الإسناد الثاني على الإسناد الأول فيُجعلا إسنادًا واحدًا. [المقدمة لابن الصلاح ص (۹۹)]
ثم نقل الحافظ ابن الصلاح عن بعض رفقائه في الرحلة إلى خراسان أنها (حاء) مهملة من التحويل، أي: من إسنادٍ إلى آخر. [راجع: المقدمة (ص ۹۹-۱۰۰)].
ونقل أيضًا عن بعض أهل الحديث أنها (حاء) مهملة، إشارة إلى قولنا: «الحديث» وأهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث راجع: المقدمة (ص ۹۹-۱۰۰).
ثم قال: وسألتُ أنا الحافظ الرحّال أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الرُّهاوي - رحمه الله - عنها، فذكر أنها (حاء) من (حائل)، أي: تحُول بين الإسنادين. قال: ولا يُلفَظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة، وأنكر كونها من "الحديث" وغير ذلك، ولم يُعرَف غير هذا عن أحدٍ من مشايخه، وفيهم عددٌ كانوا حُفّاظ الحديث في وقته. [المقدمة (ص ١٠٠)].
واختار الحافظ ابن الصلاح وغيره أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: "حا" بالقصر ويمرّ، فإنه أحوطُ الوجوه وأعدلُها. [المقدمة (ص ۱۰۰)، وراجع تدريب الراوي (۱۳۸/۲)، مطبعة حسان بالقاهرة، وتوزيع مؤسسة الرسالة ببيروت]
ثانيًا: التحويل في المتن: وصورته أن يكون المتن مرويًا بأكثر من إسناد، فيُروى المحدث الحديث بإسناد، ثم يتبعه بإسناد آخر - أو أكثر -، ويقول عند انتهائه من كل إسناد: "مثله"، أو "نحوه". فهذه إحالة بمتن ما يذكره من الأسانيد على متن حديث الإسناد الذي بدأ به، وقد يسوق جزءًا من متن الحديث الثاني ويحيل ببقيته فقط على المتن الأول. [وفي صحيح الإمام مسلم كثير من ذلك، يُنظَر مثلًا كتاب الإيمان باب...قول الله تعالى: {وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ}[الشعراء: ٢١٤] ١٩٢ /١ ۱۹۳ حدیث (۳٥۱) و (٣٥٢) و (٣٥٣) و (٣٥٤) وكتاب الإيمان ١٧٤/١ - ١٧٥ حديث (۳۱۰) و (۳۱۱)].
وقد تكون أسانيد الحديث مختلفة في جميع رواته، فحينئذٍ لابد من أن يسوق كل إسنادٍ بتمامه، ويقول في آخره: "نحوه" أو "مثله". وقد تلتقي الأسانيد عند راوٍ معين ويتفق باقي السند، فحينئذٍ يذكر أول الإسناد حتى هذا الراوي، أي حتى يلتحق الإسناد بما قبله، ثم يقول عقبَه: "بالإسناد"، أو "به" أي بالإسناد السابق نفسه.
وبعضهم كان يسوق كل إسنادٍ بتمامه مع المتن، ويوجد هذا في كثير من الأصول القديمة، وذلك أحوط كما قال الحافظ ابن الصلاح. [المقدمة (ص ١١٤) في النوع السادس والعشرين: صفة رواية الحديث ... التفريع الرابع عشر، وانظر أيضا عنده التفريعين: الخامس عشر والسادس عشر (ص ١١٤-١١٥)].
فإذا أراد راو أو محدث - سمع ذلك أو قرأه - أن يقتصر على الإسناد الثاني مثلًا ويسوق لفظ الحديث المذكور عقب الإسناد الأول، ففي المسألة ثلاثة أقوال: [راجع المصدر السابق (ص ١١٥-١١٦) في التفريع السادس عشر، وفتح المغيث للعراقي (ص ٢٧٥-٢٧٦)، والكفاية في علم الرواية (ص۳۱۹-۳۲۱) باب ما جاء في المحدث يروى حديثا ثم يتبعه بإسناد آخر طبعة دار الكتب الحديثة بالقاهرة (١٤١٠هـ / ١٩٩٠م): وفتح المغيث للسخاوى (۱۹۸/۳) مكتبة السنة بالقاهرة].
(الأول) وهو أظهرها: المنع من ذلك، قاله ابن الصلاح، وقال شعبة: فلان عن فلان "مثله" لا يجزئ، وقول الراوي: "نحوه" شك.
والثاني: جواز ذلك إذا عُرف أن الراوي لذلك ضابطٌ متحفظٌ يذهب إلى تمييز الألفاظ وعد الحروف، حكاه الخطيب عن بعض أهل العلم ومنهم سفيان الثوري.
والثالث: أنه يجوز في قوله: (مثله) ولا يجوز في قوله: "نحوه"، قاله يحيى بن معين، ويدل عليه كلام الحاكم، وقال الخطيب: وهذا على مذهب من لم يجز الرواية على المعنى.
يتناول المقال مسألتين دقيقتين من علوم الحديث: التحويل في الإسناد، والتحويل في المتن.
وقد اختلف العلماء في دلالة الحاء المفردة، وأفضل ما قيل فيها أنها رمز لـ"تحويل" بين الأسانيد، ويُلفظ بها اختصارًا، أما التحويل في المتن، فالأرجح المنع إلا مع وجود ضابط حافظ مميز، حفاظًا على دقة الرواية وصحة النقل.