علوم السُّنة النبوية من أشرف العلوم الشرعية، تميز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة وتوثق أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله، وقد مرّت بمراحل طويلة من التدوين والتصنيف، حيث سعى العلماء لحفظ السنة ونقد رواتها.
علوم السُّنة النبوية من أشرف العلوم الشرعية، تميز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة وتوثق أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله، وقد مرّت بمراحل طويلة من التدوين والتصنيف، حيث سعى العلماء لحفظ السنة ونقد رواتها.
علوم السنة كثيرة ومتنوعة غير أن العلماء حين عرضوا لهذه العلوم أرجعوها إلى علمين رئيسيين هما: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.
أما علم الحديث رواية: فهو العلم الذي يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: قولًا أو فعلًا، أو تقريرًا، أو صفةً، حتى الحركات والسكنات.
وعلم الحديث دراية: هو العلم الذي يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد، ويجمع هذا العلم: علم رجال الحديث وعلم مصطلح الحديث. [انظر: المبتكر في علوم الأثر ص ٥، ٨٦].
وعليه: فتاريخ علوم السنة يشمل تاريخ العلوم الثلاثة، وهاك تفصيلها، مع بيان المراحل التي مر بها:
أولًا: تاريخ علم الحديث رواية: لقد أخذ تدوين السنة النبوية أطوارًا بالنسبة لجمعها، وكيفية المجموع منها، وذلك من العصر النبوي إلى آخر عصر الرواية في حدود الثلاثمائة، وهذه هي أطوار تدوينها:
الطور الأول: التدوين الفردي للسنة:
وقد بدأ هذا التدوين منن عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - واستمر إلى آخر المائة الأولى ليشمل عصر الصحابة وكبار التابعين، وكان تدوين السنة في هذا الطور على شكل صحف خاصة مستقلة غير مرتبة كما قال الإمام الذهبي [تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦١]،
وأهم هذه الصحف في هذا الطور:
١ – كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن، كتبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل اليمن [انظر: سبل السلام (١/١٠٥)].
٢ - صحيفة قائم سيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- [انظر: جامع بيان العلم لابن عبد البر (١/٧١)]
٣ - كتاب الصدقات ومقاديرها، وكان عند أبي بكر، وكتبه أبو بكر - رضي الله عنه - لأنس بن مالك -رضي الله عنه - لما وجهه إلى البحرين عاملًا [انظر: نيل لأوطار (٣/١٣٤)]
٤- الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو ابن العاص -رضي الله عنهما- [تقييد العلم ص ٨٤، وجامع بيان العلم (١/٧٣).]
٥ - صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنهما - وهي في مناسك الحج [مشاهير علماء الأمصار ص١١، تذكرة الحفاظ (١/٤٣).]
٦ - الصحيفة الصحيحة التي يرويها همام ابن منبه عن أبي هريرة التي من حديثه [تضم هذه الصحيفة (١٣٨) حديثا، رواها الإمام أحمد في مسنده، وقد طبعت بتحقيق محمد حميد الله].
الطور الثاني: التدوين الرسمي:
وكان ذلك في عصر أوساط التابعين، حيث أمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة تدوينًا عامًا، وكتب بذلك إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية، فاستجاب العلماء لأمره، وقام كل واحد منهم بتدوين ما عنده من السنة، فكان أول من دونها: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفي سنة (١٢٤هـ)، ثم جد العلماء في تدوينها في كثير من الأمصار، ولكن التدوين في هذا الطور لم يكن مستوعبًا، لأن المنية عاجلت عمر بن عبد العزيز دون تحقيق ما أراد.
الطور الثالث: التصنيف العلمي لكتب السنة:
والتصنيف يختلف عن التدوين الذي سبق في الطورين السابقين، إذ التدوين: هو تقييد المتفرق المشتت وجمعه في ديوان أو كتاب تجمع فيه الصحف، أما التصنيف: فهو أدق من التدوين إذ هو ترتيب ما دون في فصول محدودة وأبواب مميزة.
وقد مر التصنيف في السنة بعدة مراحل:
الأولى: وكانت في عصر أواخر التابعين ومعهم كبار أتباع التابعين، حيث ظهر في هذا العصر المبكر أنواع من المصنفات الجامعة، أطلق على بعضها اسم (المصنف) كمصنف شعبة بن الحجاج (ت١٦٠هـ)، ومصنف الليث ابن سعد (ت١٧٥هـ)، وعلى بعضها الآخر اسم (الجامع) كجامع معمر بن راشد (ت١٥٤هـ) الذي لازال مخطوط في تركيا، وعلى البعض الآخر اسم (الموطأ) كموطأ ابن أبي ذئب، وموطأ مالك بن أنس، ولم تكن هذه المصنفات قاصرة على أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل ضمت إلى ذلك أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
الثانية: وكانت في عصر أتباع التابعين، وفي ذلك العصر ألف العلماء المسانيد، وقصدوا من تدوينها جمع السنة النبوية فقط خالصة من أقوال الصحابة والتابعين وفتاويهم، وأول من ألف تلك المسانيد أبو داود الطيالسي (ت٢٠٤هـ)، وعبيد الله بن موسى العبسي (٢١٣هـ) وعلي بن موسى المديني (٢٣٤هـ)، ومن الطبقة التي تليهم: ابن راهويه (٢٣٧هـ)، وأحمد بن حنبل (٢٤١هـ)، وعثمان ابن أبي شيبة (٢٣٩هـ)، ومن كانت وفاته من هؤلاء بعد العشرين والمائتين فهو من أتباع أتباع التابعين ومن تلامذة أتباع التابعين.
الثالثة: وكانت في عصر أتباع أتباع التابعين ممن عاصر البخاري، وفي ذلك العصر ازدهر تدوين السنة، فدونت السنة الصحيحة ورتبت على الأبواب، وكانت ثمرة التدوين في هذا العصر ظهور الكتب الستة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي.
الرابعة: عصر المتأخرين عن عصر الرواية، وفيه رتبت كتب المتقدمين وهذبت واختصرت وشرحت، ومن المؤلفات في هذا العصر ما يعرف بالجوامع، كالجمع بين الصحيحين للحميدي، وجامع الأصول لابن الأثير، وجمع الجوامع للسيوطي، ومنها ما يعرف بالزوائد ككتب نور الدين الهيثمي، ومنها كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)، ومنها ما يعرف بالأطراف كأطراف الصحيحين لأبي مسعود الدمشقي. و(تحفة الأشراف) للمزي... إلخ). [انظر: المبتكر للشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف، وتدوين السنة للدكتور محمد بن مطر الزهراني].
وفي مناهج المحدثين تفصيل لكل طور من هذه الأطوار.
ثانيًا: تاريخ علم رجال الحديث: لقد نشأ علم الرجال في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث عدَّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وجرح، وكان ذلك سنة تبعها أصحابه - رضي الله عنهم - فتكلم في الرجال منهم ابن عباس وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعائشة - رضي الله عنهم - ثم تبعهم جماعة من كبار التابعين منهم: الشعبي وابن المسيب وابن سيرين - رحمهم الله - وكان القول في التجريح قليلًا:؛ لأن الرواة من الصحابة جميعهم عدول، وكبار التابعين أغلبهم عدول، ولم يكن للقول فيهم مجال إلا من ناحية ضبطهم، وقل أن يوجد فيهم متهم بالكذب إلا ما كان من مثل الحارث الأعور والمختار الكذاب وقلة غيرهم.
ولما كان عهد أوساط التابعين وجد جماعة يرفعون الموقوف، ويرسلون كثيرًا، ومنهم من يغلط مثل أبي هارون العبدي، فكان القول في الرجال أيضًا من قبل التحمل والضبط وكان قليلًا.
فلما كان آخر عصر التابعين بعد منتصف المائة الثانية ظهرت من الرواة أمور تسلب منهم العدالة، وظهر الكذب في كثير من الرواة، وأخذت العصبية بين الفرق السياسية والمذهبية تزيد، فاضطر العلماء إلى إكثار القول وإمعان النقد في الرجال، فتكلم من العلماء شعبة بالعراق، وهو أول من تكلم في الرجال، ومالك والثوري والأوزاعي والأعمش والليث من طبقة مالك، ثم اتسع الأمر وكثرت المحن والفتن، وعمت العصبية فتكلم في الرجال طبقة بعد طبقة بعد مالك، مثل يحيى ابن سعيد القطان، وهو أول من جمع قوله في الرجال، فكان زعيم هذه الطبقة هو وابن مهدي، ويلي هؤلاء تلامذتهم مثل: يحيى بن معين، وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل، ثم تلامذة هؤلاء مثل: أبي زرعة وأبي حاتم والبخاري ومسلم، ثم تلامذة هؤلاء كالنسائي والترمذي، وهكذا إلى آخر عصر الرواية.
وكانت العلوم في ذلك العصر قد دونت ووضعت الاصطلاحات العلمية فوضعت علوم الحديث أيضًا، ولم تدون كتب الرجال وحدها إلا في أواخر القرن الثاني، وكان ما دون قليلًا، وقليل الأنواع، فلما كان القرن الثالث وما بعده ألف العلماء في جميع أنواعه، فكتب يحيى بن معين (٢٣٤هـ) في تاريخ الرجال، ومحمد بن سعد (٢٣٠هـ) في الطبقات، وأحمد بن حنبل ( ٢٤١هـ) في العلل ومعرفة الرجال، والبخاري (٢٥٦هـ) ألف تواريخه الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، ومسلم (٢٦١هـ) في الكنى والطبقات، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وأبو حاتم بن حبان (٣٥٤هـ) في الثقات والمجروحين، والعجلي وابن شاهين في الثقات، والنسائي والدارقطني وقبلهم البخاري في الضعفاء، وأبو أحمد العسكري وابن قانع وأبو نعيم وابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر في الصحابة، وأبو حاتم وابن منده في طبقات التابعين، والذهبي والسيوطي في طبقات الحفاظ، والمعزي والذهبي وابن حجر والخزرجي في رجال الكتب الستة، وعبد الغني بن سعيد في (مشتبه الأسماء) والدارقطني في (المؤتلف والمختلف)، والخطيب والذهبي وابن حجر في (المتشابه) وهكذا تعددت المؤلفات، وشمل التدوين كل علوم الرجال. [انظر: المبتكر للشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف، وعلم الرجال للدكتور محمد بن مطر الزهراني.]
وسيأتي أيضًا في مناهج المحدثين تفصيل أكثر.
ثالثًا: تاريخ مصطلح الحديث: إن قواعد مصطلح الحديث، والتي منها ما يتعلق بالرواية، ومنها ما يتعلق بالدراية كانت ثمرة لتطور التدوين في متون السنة والتصنيف في علم الرجال وجهود السلف في ذلك.
وقد مر التصنيف في مصطلح الحديث بعدة مراحل:
المرحلة الأولى: عندما كانت قواعده تتناقل إما مشافهة وإما منثورة في مصنفات شتى، وذلك طيلة القرون الثلاثة الأولى، إذ لم يوجد - فيما أعلم - مصنف واحد يجمع تلك القواعد في هذه القرون الثلاثة، وإنما وجد بعضها منثورًا في مثل (الرسالة) للإمام الشافعي، وكتاب (التمييز) للإمام مسلم، وكذلك في مقدمة صحيحه، وكتاب (العلل الصغير) للإمام الترمذي، وفي كتب معرفة الرجال والعلل، وكتب الجرح والتعديل المختلفة وغيرها.
المرحلة الثانية: محاولة جمع هذه القواعد في كتاب واحد أو في كتب، وهذه المرحلة امتدت من أوائل القرن الرابع إلى نهاية القرن الخامس تقريبا، ومن أهم هذه الكتب:
١ – (المحدث الفاصل) لأبي محمد بن خلاد الترمذي (ت٣٦٠هـ).
٢ – (معرفة علوم الحديث) لأبي عبد الله الحاكم (ت٤٠٥هـ).
٣ – (الكفاية) لأبي بكر الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ)، وغيره من الكتب الأخرى.
وتميزت هذه المؤلفات بسرد الروايات والأسانيد، ثم استخلاص القواعد منها، وذكر من قال بها أو ذهب إليها من السلف.
المرحلة الثالثة: ما بعد القرن الخامس، وهي مرحلة جمع القواعد من كتب من تقدم من الأئمة بدون ذكر الأسانيد أو الروايات، ثم محاولة إعادة ترتيبها وتهذيبها، ومن أبرز المؤلفات في ذلك كتاب (مقدمة في علوم الحديث) للحافظ أبي عمرو بن الصلاح (٦٤٣هـ) وما تفرع منها من اختصارات، كاختصار النووي وابن كثير، أو تنكيت كنكت العراقي والزركشي وابن حجر، أو نظم كنظم العراقي والسيوطي، أو شرح ككتاب (محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح) لسراج الدين البلقيني (٨٠٥هـ)، أو تهذيب وترتيب كما صنع ابن جماعة في (المنهل الروي)، والطيبي في (الخلاصة)، وابن دقيق العيد في (الاقتراح)، والذهبي في (الموقظة)، وابن حجر في (نخبة الفكر وشرحه)، وغير ذلك.
علوم السنة النبوية تنقسم إلى ثلاثة علوم رئيسية: علم الحديث رواية، وعلم رجال الحديث، وعلم مصطلح الحديث (دراية)، وقد بدأ التدوين في عهد الصحابة والتابعين ثم انتقل إلى التدوين الرسمي في عهد عمر بن عبد العزيز، ووصل ذروته في عصر البخاري ومسلم، وعلم الرجال يقيّم الرواة من حيث العدالة والضبط، بينما علم مصطلح الحديث يضع القواعد المنهجية لقبول الأحاديث، وقد تطور عبر الزمن ليشمل مؤلفات منظمة كمقدمة ابن الصلاح.