تجريح الراوي هو رد روايته لعلة قادحة فيه أو في روايته، ويشترط في الجرح أن يكون صادرًا من إمام معتمد وغير متعنت.
تجريح الراوي هو رد روايته لعلة قادحة فيه أو في روايته، ويشترط في الجرح أن يكون صادرًا من إمام معتمد وغير متعنت.
مفهوم تجريح الراوي: هو رد رواية الراوي لعلةٍ قادحةٍ فيه، أو في روايته، من فسقٍ، أو كذبٍ، أو تدليسٍ، أو اختلاطٍ، أو سوء حفظٍ، ونحو ذلك.
يشترط أن يكون التجريح صادرًا من إمام معتمد في هذا الباب، وغير معروف بالتعنّت تجنبًا للتجني على الراوي أو الرواية.
وقد قيض الله تعالى أئمة كان كل هدفهم خدمة السنة النبوية الشريفة دون مجاملة أو محاباة، فأخلصوا النية وصدقوا القول وجعلوا خدمة الدين فوق كل العواطف والمصالح، فهذا علي بن المديني -رحمه الله تعالى- سئل عن أبيه فقال: سلوا عنه غيري فأطرق، ثم رفع رأسه، فقال: هو الدين، إنه ضعيف [فتح المغيث للسخاوى (۲۲۲/۳) مكتبة السنة بالقاهرة.]
وقال زيد بن أبي أنيسة لا تأخذوا عن أخي، يعني يحيى المذكور بالكذب. [فتح المغيث للسخاوى (۲۲۲/۳) مكتبة السنة بالقاهرة.]
وقال أبو عروبة الحراني عن الحسين بن أبي السّري العسقلاني: هو خال أمي، وهو کذاب [الميزان (٥٣٦/١)، في ترجمة حسين المذكور]
وروى الخطيب البغدادي بسنده عن أيوب السّختياني أنه قال: إن لي جارًا بالبصرة ما أكاد أقدم عليه بالبصرة أحدًا، لو شهد عندي على فلسين، أو تمرتين لم أجز شهادته [الجامع الأخلاق الراوي وآداب السامع ۱۳۹/۱].، ونحوه عن أيوب أيضًا في مقدمة صحيح مسلم [مقدمة صحيح مسلم (۲۱/۱)].
وقال مسلمة بن القاسم عن العباس بن محبوب المعروف بابن شاصونة ضعيف الحديث، لا يكتب حديثه، وكان لي صديقًا [السان الميزان (٢٤٤/٣) في ترجمة عباس المذكور.]
الجرح المبهم غير مقبول:
لا يقبل الجرح المبهم في الراوي الذي وثقه أحد من الأئمة، لأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، ومنه أسباب كثيرة غير قادحة، فلا بد من بيانه ليظهر أهو قادح أم لا، وهذا ظاهر ومقرر في الحديث والفقه والأصول، كما قال الحافظ ابن الصلاح [المقدمة ص (٥١) في النوع الثالث والعشرين، دار الكتب العلمية ببيروت ]، وهو مذهب الأئمة من حفاظ الحديث كالشيخين وغيرهما، كما قال الخطيب البغدادي [ الكفاية في علم الرواية ص ۱۰۸-۱۰۹]. وقد جزم الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - بعدم قبول تجريح من ثبتت عدالته، إلا إذا تأكد ثبوت ما جرح به، فقال: "كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه" [ نقلًا عن تهذيب التهذيب ۲۷۳/۷].، فهذا هو الصحيح كما قال الإمام ابن عبد البر [ نقلًا عن كتاب قاعدة في الجرح والتعديل، للسبكي ص ١٦].، وهو الصواب كما قال الإمام السبكي [المصدر السابق [ص ۱۳]. ، وتأتي أهمية هذا المبدأ انطلاقًا من الحرص على المحافظة على السنة.
قال الإمام السبكي: وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وطعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون [ المصدر السابق ص ١٣-١٤]. ، وقد سبقه الإمام ابن جرير الطبري إلى هذا المعنى وبين خطورة ذلك، حيث يلزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم أحد إلا وقد نسبه قوم إلى ما يُرْغَبُ به عنه [ راجع: هدي الساري ٢/١٥١-١٥٢ طبعة الريان ١٤٠٧هـ / ١٩٨٦م].فمن ثبتت عدالته لا يقبل فيه الجرح المبهم .
لا يقبل الجرح إلا إذا كان قادحًا أو مؤثرًا: هناك تجريح لم يعتبره العلماء قادحًا، وفي هدي الساري للحافظ ابن حجر فصل كبير تناول فيه جملة كبيرة من رواة الصحيح ممن طعن فيهم، ومعظمهم مجرحون بجرح غير مؤثر، وقد رتبهم على حروف المعجم وتناولهم بشيء من التفصيل والتوضيح، وفي الاطلاع عليهم فوائد حديثية هامة [راجع المصدر السابق ٤٨٤-٤٨٨].، ثم عاد في فصلٍ لاحق، في القسم الثاني منه، فحصر من الرواة السابقين من ضُعِّف بأمرٍ مردود، كـالتحامل، أو التعنت، أو عدم الاعتماد على المُضعِّف لكونه من غير أهل النقد، ولكونه قليل الخبرة بحديث من تكلَّم فيه أو بحاله، أو لتأخُّر عصره، ونحو ذلك...وساق أسماءهم على الترتيب السابق وبدون تفصيل، فقال “:أحمد بن شَبِيب الحَبَطِيُّ: تكلَّم فيه الأزدي، وهو غير مرضي.
أحمد بن صالح المصري: تحامل عليه النسائي، ولم يصح طعن يحيى بن معين فيه
أحمد بن عاصم البلخي: جهَّله أبو حاتم؛ لأنه لم يُخبَر حاله.
أحمد بن المقدام العِجْلي: طعن فيه أبو داود لمزاحه.
أحمد بن واقد الحَرَّاني: تكلَّم فيه أحمد لدخوله في عمل السلطان.
أبان بن يزيد العَطَّار: نقل الكُدَيْمي تضعيفه، والكُدَيْمي واهٍ... إلخ." [هدي الساري ٤٠٣-٤٨٢].
لا يقبل الجرح من ضعيف ولا من متعنت له معارض معتبر:
بيَّن الأئمة والعلماء أن هناك جرحًا يُرَدُّ ولا يُقبَل، كأن يكون الجارح نفسه مجروحًا، ولم يوافقه أحد من الأئمة، نحو أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فمعروف أنه يُسرف في الجرح، كما قال الحافظ الذهبي.
[الميزان [٥/١] في ترجمة أبان بن إسحاق المدني)، و"غير مرضي"، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [تهذيب التهذيب ٣٦/١] في ترجمة سفيان بن عيينة.. وقال أيضًا: لا يعرج على قوله. [هدي الساري [ص] [۳۸۹] طبعة بولاق، في ترجمة أيوب بن سليمان بن بلال.].
وقال أيضًا: والأزدي قد قررنا أنه لا يعتد به. [ هدي السارى [ص [۳۹۹] ط بولاق]، وأيضًا: إذا كان الجارح متعنتًا في الغالب نحو يحيى بن سعيد القطان، فقد قال الحافظ الذهبي متعنت جدًا في الرجال [ هدي الساري [ص [۳۹۹] ط بولاق] ، وقال ابن حجر العسقلاني: شديد التعنّت في الرجال لاسيما من كان من أقرانه [ هدي الساري [۱۷/۲] في ترجمة سفيان بن عيينة. ]، ونحو ابن حبان، فقد قال ابن حجر العسقلاني: ابن حبان ربما جرح الثقة حتى كأنه لا يدرى ما يخرج من رأسه [ القول المسدد في الذب عن مسند أحمد ص ۳۳ ، ونحوه في الميزان [٢٧٤/١]، والرفع والتكميل ص ١٧٦-١٧٨.] ونعته الحافظ الذهبي بأنه خساف متهور [ میزان الاعتدال ٨/٤ في ترجمة عارم: محمد بن الفضل السدوسي]، ونحو أبو الحسن بن القطان، فقد ترجم له الحافظ الذهبي في الميزان، وبعد مدحه قال: ولكنه تعنّت في أحوال الرجال فما أنصف، بحيث إنه أخذ يليّن هشام بن عروة وغيره، واعتبر قوله في هشام خبطًا وخلطًا لا عبرة به. [راجع الميزان ٣٠١/٤-٢٠٢ ترجمة هشام بن عروة].
والجوزجاني أيضًا متعنّت وخاصة في الكوفيين، قال الحافظ ابن حجر: الجوزجاني لا عبرة بحطّه على الكوفيين. [تهذيب التهذيب ۹۳/۱]
ولا يُلْتَفَتُ إلى ابن سعد، والواقدي إذا انفردا مع وجود معارض معتبر لاعتماد ابن سعد على الواقدي غالبًا، والواقدي ضعيف.
قال ابن حجر: ولا يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا، فإن مادته من الواقدي في الغالب والواقدي ليس بمعتمد[ هدي الساري ص ۳۸۹ في ترجمة عبد الرحمن بن شريح بن عبد الله.] .
من المهم جدًا فهم ألفاظ الجرح والتعديل ومعرفة أغراض الأئمة منها، فقد ذكر الحاكم أن ابن معين إذا قال عن راو: "ليس بشيء"، فهو يعني أن الراوي قليل الحديث [ المدخل للحاكم [ ص [٦٠٤] في ترجمة شنظير]. وذكر ابن القطان أنه يعني أن أحاديثه قليلة جدًا [هدي الساري [ص [٤١٩] ط. بولاق، في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري].
وحكى ابن الصلاح وابن كثير عن ابن معين قوله : إذا قلت: ليس به بأس فهو حلقة [المقدمة [ص ٥٩] دار الكتب العلمية، اختصار علوم الحديث [ ص ١٠٦]. مكتبة ومطبعة محمد على صبيح بالقاهرة، الطبعة الثالثة].
وأطلق بعضهم مصطلح منكر الحديث، أو حديثه منكر ونحو ذلك - على الحديث الذي يتفرّد به الراوي سواء كان ثقة وغير ثقة .
قال الحافظ ابن حجر: المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له [ هدي الساري [ص [٤٣٦] ط. بولاق، في ترجمة محمد بن إبراهيم]، وقال ابن حجر أيضًا: فمذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة [هدي الساري ص [٤٥٥] في ترجمة يونس بن القاسم الحنفي].
قلت: وكذا المنكر عند أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين اتضح ذلك من خلال تحقيقنا لكتاب علل الحديث لابن أبي حاتم، هذا وللمنكر عند البخاري معنى آخر حيث قال البخاري - رحمه الله تعالى -: كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحلّ الرواية عنه [نقلًا عن الميزان [۱/٦]، [۲۰۲/۲]
للعلماء اجتهادات في مراتب التجريح [ وراجع مراتب الجرح عند الأئمة في مقدمة ابن الصلاح [ص ٥٩] في النوع الثالث والعشرين، دار الكتب العلمية ببيروت، وميزان الاعتدال المقدمة حيث مراتب التجريح عند الذهبي، والجرح والتعديل [۳۷/۱/۱] حيث مراتب التجريح عند ابن أبي حاتم، ومقدمة تقريب التهذيب لابن حجر [ ص ٥٨-٦٠] بتحقيق الشيخ محمد عوامة، وفتح المغيث للسخاوى [۱۲۰/۲-۱۳۰] مكتبة السنة بالقاهرة ط ١ - ١٤١٥هـ / ١٩٩٥م]، وفتح المغيث للعراقي [١٧٦/١-١٧٧] مكتبة السنة بالقاهرة، وتوضيح الأفكار [٢٦٨/٢-٢٧١].ومن خلال تأمّل مصطلحات التجريح يمكن تصنيف هذه المصطلحات على ست مراتب هي:
الأولى : لين الحديث، فيه لين، فيه مقال ليس بذاك، ليس بالمتين، ليس بمرضي للضعف ما هو تكلموا فيه طعنوا فيه فيه ضعف، في حديثه ضعف، ليس بذاك القوي ليس بالقوي، سيء الحفظ.
الثانية : ضعيف، واهي الحديث.
وهاتان المرتبتان يكتب حديث أصحابهما للاعتبار، ويعد من الضعيف القابل للترقي إلى درجة الاحتجاج بما يعضّدُه من مُتَابعٍ، أو شاهدٍ مثله أو أقوى منه.
الثالثة : رد حديثه، ردوا حديثه، مردود الحديث، طرحوا حديثه، ليس بشيء لا يساوى شيئًا، ليس بحجة، متروك، متروك الحديث، مجمع على تركه تركوه، ضعيف جدًا، واه بمرة، هالك، ساقط الحديث، لا يعتبر به غير ثقة ولا مأمون، وأصحاب هذه المرتبة مختلف في درجة ضعفهم، كما سيأتي في مبحث الواهي من الأحاديث.
الرابعة: متّهم بالكذب، مُتّهم بالوضع.
الخامسة: كذّاب، يَكْذب، وضّاع، يَضَعُ الحديث..
السادسة: أكْذّب الناس إليه المنتهى في الكذب، ونحو ذلك.
والمراتب الثلاث الأخيرة لا يلتفت إلى المتصفين بها، ولا يعرّج على رواياتهم.
والخامسة والسادسة منهم يكون ما تفرد به أحدهم موضوعًا، مكذوبًا.
التجريح في علم الحديث هو رد رواية الراوي لعلة قادحة، ويشترط لقبول الجرح أن يكون صادرًا من إمام معتمد وغير متعنّت. يُصنف التجريح إلى ست مراتب، تتراوح بين "لين الحديث" و"أكذب الناس"، وتختلف معاملة الرواة وفقًا لتلك المراتب. يُعدُّ فهم مصطلحات التجريح ضروريًا لضمان صحة الحديث.