التصحيف والتحريف آفة تهدد دقة نقل الحديث الشريف، فيمثلان خطأً جسيمًا في قراءة أو كتابة المتون والأسانيد، مما يستدعي يقظة فائقة من طلبة العلم للحفاظ على السنة النبوية، وهذ ما سنتعرض له في هذا المقال.
التصحيف والتحريف آفة تهدد دقة نقل الحديث الشريف، فيمثلان خطأً جسيمًا في قراءة أو كتابة المتون والأسانيد، مما يستدعي يقظة فائقة من طلبة العلم للحفاظ على السنة النبوية، وهذ ما سنتعرض له في هذا المقال.
التّصحِيف والتّحرِيف هو: الخطأ في القراءة أو الكتابة، سواء كان ذلك التغير بالنقط أو الشكل، وعرّفه السخاوي بأنه: تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها.
وفرَّق الحافظ ابن حجر العسقلاني بين التّصْحيف والتّحْريف، بأنّ التغيير بالنقط هو التصحيف، والتغيير بالشّكل – أي: بالحركات والسكنات - هو التحريف.
ولقد حذّر أهل العلم من قراءة الحديث بلَحْن أو تصحيف أو تحريف، بحجة أن الأحاديث صدرت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على القواعد العربية الصحيحة السليمة، حتى قال الأصمعي: "إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [أخرجه البخاري في كتاب العلم، حديث رقم ١١٠، وكتاب الجنائز، حديث رقم ١٢٩١، ومسلم في المقدمة، حديث رقم ٤، ٥]، لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يلحن، فما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.
زاد الحافظ ابن الصلاح: "فحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به من شين اللحن والتحريف ومعرتهما".
وسبيل السلامة من التصحيف والتحريف هو الأخذ من أفواه أهل العلم أو الضبط، أمّا الأخذ من بطون الكتب، فمن شأنه التحريف والتصحيف، ولا يفلت الصُحُفي من التبديل والتصحيف، ولذلك انعدم التصحيف والتحريف في القرون الأولى الفاضلة، حيث كان الاعتماد فيها على التّلقي والسّماع، والأخذ من أفواه الأئمة والعلماء.
فإذا وقع (في السند أو المتن) خطأ (لحن: تصحيف أو تحريف)، فحينئذ ينبغي (على المذهب الراجح) أن يقوم بتغيير ما فيهما من الخطأ وإصلاحه وروايتهما على الصواب، روي ذلك عن الأوزاعي، وابن المبارك وغيرهما.
قال ابن الصلاح: "وهو مذهب المحصِّلين والعلماء من المحدثين".
وأما بالنسبة للإصلاح أو التغيير في كتاب من تصنيف غيره أو أصله، فالصّواب كما قال ابن الصلاح: "تركه وتقرير ما وقع في الأصل على ما عليه، مع التضبيب عليه وبيان الصواب خارجًا في الحاشية، فإن ذلك أجمع للمصلحة وأنفى للمفسدة".
وأكد الحافظ ابن الصلاح على أن المذهب الأفضل والأولى والأسلم هو سدُّ باب التغيير والإصلاح؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسنه، فيذكر ذلك عند السماع كما وقع، ثم يذكر وجه صوابه إما من جهة العربية أو من جهة الرواية.
وأصلح ما يُعتمد عليه في الإصلاح أن يكون ما يُصلح به الفاسد قد ورد في أحاديث أُخر.
وحُكي عن القاضي عياض أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم ولا يغيروها في كتبهم.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "كان إذا مر بأبي لحن فاحش غيره، وإذا كان لحنًا سهلًا تركه"، فأهل المعرفة ينبهون على الخطأ عند الرواية والسماع والقراءة وفي حواشي الكتب، مع تقريرهم ما في الأصول على ما بلغهم.
من أمثلة التّصْحِيف في الإسناد: أن "العَوَّام بن مُرَاجم" صحّفه يحيى بن معين فقال: "العوام بن مزاحم"، و"عتبة بن النُّدَر" بالدال المهملة صحّفه ابن جرير الطبري فقال: "عتبة بن البُذْر" بالذال المعجمة.
من أمثلة التّصحيف في المتن: في حديث أبي ذر -رضي الله عنه-: «تُعِينُ صَانِعًا» صحّفه هشام بن عروة فقال: «تُعِينُ ضَائِعًا».
ومنه ما جاء في الحديث: «أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ» صحّفه أبو موسى محمد بن المثنى فقال: «أَوْ شَاةٍ تَنْعَرُ».
وقد وقع في التصحيف والتحريف كبار العلماء والأئمة، فإنهم بشر غير معصومين، ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل: "ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟!"، والإكثار من ذلك هو المذموم والمعيب؛ لأنه يدل على عدم الضبط وسوء الحفظ.
وللأئمة والعلماء مصنفات كثيرة في هذا الباب للتنبيه على التّصحِيفَات والتّحْرِيفَات والتحذير منها لا للتشهير بمن وقع منه ذلك.
ومن المصنفات في هذا الباب:
- (تصحيف العلماء)، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت٢٧٦هـ).
-(التنبيه على حدوث التصحيف) لحمزة بن الحسن الأصفهاني (ت٣٦٠هـ) مطبوع بدمشق، سورية.
- (التنبيهات على أغاليط الرواة)، لأبي نعيم علي بن حمزة البصري (ت٣٧٥هـ).
- (تصحيفات المحدِّثين) لأبي أحمد الحسن ابن عبد الله العسكري (ت٣٨٢هـ) مطبوع بتحقيق الدكتور محمود أحمد ميرة.
-(شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)، للعسكري أيضًا، مطبوع بالقاهرة (١٣٨٣هـ/١٩٦٣م).
- (تصحيف المحدِّثين) للدارقطني (ت٣٨٥هـ).
- (إصلاح خطأ المحدِّثين) للخطابي (ت٣٨٨هـ) له أكثر من طبعة.
- (التصحيف والتحريف) لأبي الفتح عثمان بن عيسى الموصلي (ت٦٠٠هـ).
- (تصحيح التصحيف وتحرير التحريف)، لخليل بن أيبك الصفدي (ت٧٦٤هـ) وطبعت صورة لإحدى نسخه الخطية.
التحريف والتصحيف هما أخطاء في قراءة أو كتابة الحديث، سواء بتغيير النقط (تصحيف) أو الشكل (تحريف)، وقد حذَّر العلماء بشدة من ذلك ودعوا إلى تعلم النحو واللغة لتجنبه، مع تفضيل الأخذ عن العلماء مباشرةً لضمان السلامة.