Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الغلط والغفلة والوهم في الرواية

الكاتب

أ. د/ موسى فرحات الزين

الغلط والغفلة والوهم في الرواية


اتفق المحدثون والفقهاء على أن الاحتجاج بالرواية يشترط توفر العدالة والضبط الكامل لدى الراوي، فنذكر شروط من يُحتج بحديثه، ثم نذكر أقوال العلماء في الغلط والوهم والغفلة، وحكم من يرجع عن غلطه، ومن يصر عليه، مع ذكر الأمور التي يُرد بها رواية الراوي.

شروط من يُحتج بروايته

أجمع الأئمة من المحدثين والفقهاء على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يرويه، وفُسِّر العدل: بأن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وفُسِّر الضبط: بأن يكون متيقظًا غير مغفل حافظًا إن حدَّث من حفظه، ضابطًا لكتابه من التبديل والتغيير إن حدَّث منه، فإن فُقِد شرط من هذه الشروط كأن يكون الراوي غير ضابط مثلًا بحيث يُكثِر الغلط، والغفلة، والوهم في روايته، فإنه يُترك حديثه ولا يُحتج به.

أقوال العلماء في الغلط والغفلة والوهم في الرواية

قال الإمام الشافعي: "ومن كَثُر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يُقبل حديثه، كما يكون مَن أكثر الغلط في الشهادة لم تُقبل شهادته".

وسُئل شعبة عن مَن يُترك الرواية عنه؟ فقال: "إذا أكثر من الرواية عن المعروف بما لا يُعرف، أو كثُر غلطه فبيَّن له فأقام على غلطه ولم يرجع".

وقال ابن المبارك: "يكتب الحديث إلا عن أربعة وذكر من بينهم رجل غلَّاط لا يرجع".

وسُئل أحمد بن حنبل عمن يُكتب العلم؟ فقال: "عن الناس كلهم إلا عن ثلاثة، وذكر منهم رجل يغلط فيُرد عليه فلا يَقبل".

الرجوع عن الغلط في الرواية

ومن خلال أقوال هؤلاء الأئمة الاعلام تبيَّن لنا أن مَن غلط في رواية حديث، وبُيِّن له غلطه فرجع عنه قُبل منه ذلك وصحت روايته، وقد فعله كثير من المحدثين.

روى الخطيب بسنده عن يحيى بن صاعد وأبي عروبة كلاهما عن أبي العالية إسماعيل بن الهيثم اليشكري قال: ثنا أبو عاصم عن عزرة بن ثابت عن علباء بن أحمر عن أبي زيد - رضي الله عنه - قال: «أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا أَبَا زَيْدٍ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا عِنْدِي إِلَّا خَلٌّ، قَالَ: هَاتِهِ فَنِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، قَالَ عُبَيْدٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّهُ مُنْذُ سَمِعْتُ أَبَا زَيْدٍ يَذْكُرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

وقال ابن صاعد: هذا حديث غريب الإسناد ما سمعناه إلا منه، وقال أبو عروبة: قال لنا أبو العالية حين حدثنا بهذا الحديث: قد رجعت عنه، وقال العلاء بن الحسين قال: ثنا سفيان بن عينية حديثًا في القرآن، فقال له عبد الله بن يزيد: ليس هو كما حدثتَ يا أبا محمد، قال: وما علمك يا قصير؟ قال: فسكتُ عنه هُنية، ثم قام إلى سفيان فقال: يا أبا محمد أنت معلمنا وسيدنا، فإن كنتُ أوهمتُ فلا تؤاخذني، قال: فسكتَ سفيان هنيهة، ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، قال: لبيك وسعديك، قال: الحديث كما حدثتَ أنت وأنا أوهمتُ.

وقال يحيى بن معين: حضرت نعيم بن حماد بمصر، فجعل يقرأ كتابًا من تصنيفه، قال: فقرأ منه ساعة ثم قال: ثنا ابن المبارك عن ابن عون، فحدث عن ابن المبارك عن ابن عون أحاديث، قال يحيى: فقلتُ له: ليس هذا عن ابن المبارك، فغضب وقال: ترد عليَّ؟ قال: قلتُ: إي والله أريد زينك، فأبى أن يرجع، وقام نعيم فدخل البيت فأخرج صحائف فجعل يقول وهي بيده: أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث؟ نعم يا أبا زكريا غلط، وكانت صحائف فخلطت فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون، وإنما روى هذه الأحاديث عن ابن عون غير ابن المبارك فرجع عنها.

٤رواية من أصر على غلَطِه في الرواية بعد البيان

وأما من أصر على غلطه بعد البيان فتسقط روايته ولا يُكتب عنه؛ لأن إصراره على الغلط يبطل الثقة بقوله.

سئل الدارقطني عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: "إن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط".

وقال ابن مهدي لشعبة: "من الذي تترك الرواية عنه؟ فقال: إذا تمادى على غلط مُجمَع عليه، ولا يتهم نفسه عند اجتماع الحفاظ على خلاف ما رواه أو رجل يتهم بالكذب".

الأمور التي يُرَدُّ بها حديث الراوي

وأما الغفلة التي يرد بها حديث الراوي: فهي أن يكون في كتابه غلط، فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه، ويُحدِّث بما قالوا أو يغيره في كتابه بقولهم دون مراجعة أو تحقيق فيصحف ذلك تصحيفًا فاحشًا يقلب المعنى.

ولذا فقد نهى السلف الصالح عن كتابة الحديث عن أهل الغفلة.

روى الخطيب بسنده عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لا يُكتب عن الشيخ المُغفَّل".

وقال أبو علي صالح بن محمد: "محمد بن خالد الطحان صدوق غير أنه مُغفَّل، كان أبوه خالد كتب أحاديث لم يسمعها، فجعل ابنه هذا يحدث بتلك الأحاديث حتى قيل له: إن هذه أحاديث لم يسمعها أبوك".

وقال أبو بكر الباقلاني: "من عُرف بكثرة السهو، والغفلة، وقلة الضبط رُدَّ حديثه".

ومن الأمور التي يرد بها رواية الراوي كذلك: كثرة الوهم في حديثه.

قال ابن مهدي - رحمه الله: "الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن فلا يُختلَف فيه، وآخر يَهِم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يُترَك حديثه، وآخر يَهِم والغالب على حديثه الوهم فهذا يُترَك حديثه"، والله أعلم.


مراجع للاستزادة:

الكفاية ص ١٤٢، التقييد والإيضاح، للعراقي، ص ١٥٥.

فتح المغيث، للعراقي، ص ٢٦٥.

فتح المغيث، للسخاوي، ص ٢٨٧.

تدريب الراوي، للسيوطي، ١/ ٢٣٩.

توضيح الأفكار، للأمير الصنعاني، ٢/٢٥٨.

الخلاصة

أجمع الأئمة والعلماء من المحدثين والفقهاء على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يرويه، أما من كَثُر غلطه ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يُقبل حديثه، ومَن غلط في رواية الحديث، وبُيِّن له غلطه فرجع عنه قُبل منه ذلك وصحت روايته، ولكن من أصر على غلطه بعد البيان فتسقط روايته ولا يُكتب عنه، ومنالأمور التي يُرَدُّ بها حديث الراوي أن يكون في كتابه غلط، فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه، ويُحدِّث بما قالوا أو يغيره في كتابه بقولهم دون مراجعة أو تحقيق، وكذلك: كثرة الوهم في الرواية، وكل ذلك من أجل النقل الصحيح للسنة النبوية الشريفة.

موضوعات مختارة