مسألة نسيان الرواة للحديث بعد روايته، تطرح تساؤلات: حول صحة الرواية وقبولها، وآراء العلماء حولها، مع تقديم نماذج من الأحاديث، وتوضيح أهمية فهم طبيعة الرواية في علم الحديث.
مسألة نسيان الرواة للحديث بعد روايته، تطرح تساؤلات: حول صحة الرواية وقبولها، وآراء العلماء حولها، مع تقديم نماذج من الأحاديث، وتوضيح أهمية فهم طبيعة الرواية في علم الحديث.
إذا روى ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا فكذبه الشيخ المَرْوِي عنه صريحًا كقوله: (كذب علي) أو بأي نفي جازم فقد تعارض قولهما، فَيُرَدُّ ما جحده الشيخ لأنه هو الأصل والراوي عنه فرعه، ولكن لا يثبت كذب الراوي الفرع بتكذيب الشيخ له في غير هذا الحديث الذي نفاه بحيث يكون ذلك جرحًا للراوي الفرع، لأنه أيضًا مُكذب لشيخه في نفيه للحديث الذي يرويه عنه، وليس قبول جرح كل منهما بأولى من الآخر.
أمَّا إذا لم يكذبه الشيخ صريحًا، ولكن قال: (لا أذكره أو لا أعرفه)، ونحو ذلك مما يقتضي جواز أن يكون نسيه، فجمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين ذهبوا إلى قبول هذه الرواية، وأما نسيان الشيخ المَرْوِيِ عنه للرواية لا يُسقط العمل بما نسيه.
وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى إسقاط العمل بخبر الناسي، وبنوا عليه رد حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ». [سنن أبی داود کتاب الأقضية حديث (٣٦١٠)، وسنن الترمذي كتاب الأحكام، حديث (١٣٤٣)، وسنن ابن ماجه كتاب الأحكام، حديث (٢٣٦٨)]
زاد أبو داود في رواية: أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة – وهو عندي ثقة - قال: أَنِّي حدثته إياه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه، عن ربيعة، عنه، عن أبيه، ورواه أبو داود أيضًا من رواية سليمان بن بلال، عن ربيعة، قال سليمان: فلقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني، فإن قيل: إن كان الشيخ مُعَرَّضًا للسهو والنسيان، فالفرع الراوي عنه أيضًا كذلك، فينبغي أن يَسْقُطَا.
أجيب: بأن الشيخ ليس بنافٍ لوقوعه، بل هو غير ذاكر له، والراوي عن الشيخ جازمٌ مثبتٌ، فَقُدِّمَ عليه في قبول روايته.
وقد روى كثيرٌ من الأكابر أحاديثَ نَسَوْهَا بعدما حدثوا بها، وكان أحدهم يقول: حدثني فلان، عني، عن فلان بكذا، وقد روى عن الأعمش أنه قال: سمعت من أبي صالح ألف حديث ثم مرضت فنسيت بعضها.
ورُويَ أن رياح بن خالد قال لسفيان بن عيينة في المسجد الحرام: يا أبا محمد أبو معاوية يحدث عنك بشيءٍ ليس تحفظه، ووكيع يحدث عنك بشيء ليس تحفظه، فقال: صدقهم، فإني كنت قبل اليوم أحفظ مني اليوم.
وقد صنف الخطيب البغدادي كتابًا في هذا النوع وسماه: (أخبار من حدث ونسي)، وكذلك الدارقطني.
ومن ذلك:- ما رواه الخطيب من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أنس قال: حدثني ابناي، عني، عن النبي -صلى الله عليه وسلم: «أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ فَصَّ الْخَاتَمِ مِمَّا سِوَاهُ». [تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ترجمة محمد بن جعفر٢/ ١٣٤ ترجمة (٥٣١)]
- وما رواه الخطيب من طريق بشر بن الوليد قال: حدثنا محمد بن طلحة، حدثني روح أني حدثته بحديث عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله أنه قال: "إِنَّ هَذَا الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ". [المصنف، لأبي بكر عبد الله بن أبي شيبة، كتاب الزهد ٧/ ١٥٤، حديث (٣٤٨٠٢)]
- وروى الترمذي عن محمد بن حميد قال : حدثنا جرير قال : حدثنيه علي بن مجاهد، عني (وهو عندي ثقة) عن ثعلبة، عن الزهري قال: "إِنَّمَا كُرِهَ الْمِنْدِيلُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لأَنَّ الْوُضُوءَ يُوزن". [سنن الترمذي كتاب الطهارة، حديث (٥٤)]
ولأجل أن النسيان غير مأمون على الإنسان فيبادر إلى جحود ما روي عنه وتكذيب الراوي له، كره من كره من العلماء التحديث عن الأحياء، فقد رُوي عن الشعبي أنه قال لابن عون : لا تحدثني عن الأحياء.
وعن معمر أنه قال لعبد الرزاق : إن قدرت ألا تحدث عن رجل حي فافعل.
وعن الشافعي أنه قال لابن عبد الحكم : إياك والرواية عن الأحياء.
وفي رواية البيهقي في المدخل: لا تحدث عن حي، فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان، قاله له حين رَوى عن الشافعي حكاية فأنكرها ثم ذكرها.
إذا نفى الشيخ الحديث جزمًا كقوله "كذب علي" رُدّت الرواية لأنه الأصل، لكن لا يُحكم بكذب الراوي الفرعي خارج تلك الرواية، أما إن قال الشيخ "لا أذكره"، فقد أجاز جمهور العلماء قبول الرواية لاحتمال النسيان، فالمُثبت مُقدَّم على النافي غير الجازم، وبعض العلماء كرهوا التحديث عن الأحياء خشية الإنكار بسبب النسيان، وقد ألف الخطيب والدارقطني في كتب متخصصة.