نقل الرواية عن الأب عن الجد في الحديث يُعد إحدى طرق الإسناد المشهورة، ويُشترط لصحة هذا النوع من الرواية أن يكون الراوي وكذلك الأب والجد من الثقات المعروفين بالعدالة، مع التأكد من وجود اتصال بينهم في سلسلة النقل.
نقل الرواية عن الأب عن الجد في الحديث يُعد إحدى طرق الإسناد المشهورة، ويُشترط لصحة هذا النوع من الرواية أن يكون الراوي وكذلك الأب والجد من الثقات المعروفين بالعدالة، مع التأكد من وجود اتصال بينهم في سلسلة النقل.
من المهم في هذا النوع ما إذا أُبْهِمَ اسم الأب أو الجد فلم يسم؛ بل اقتصر على كونه أبًا للراوي أو جدًا له، فيحتاج حينئذ إلى معرفة اسمه؛ لئلا يستغلق الأمر على أحد.
وينقسم ذلك إلى قسمين:
أحدهما: أن تكون الرواية عن أبيه فقط دون جده، وهو كثير: كرواية أبي العشراء الدارمي، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، وهي عند أصحاب السنن الأربعة، فإن أباه لم يُسَمَّ في طريق الحديث، واختُلف في اسم أبي العشراء واسم أبيه على أقوال، والأشهر أن اسمه: أسامة بن مالك بن قهِطم -بالهاء- أو بالحاء المهملة موضع الهاء، وقيل اسمه: عطارد بن برز، أو بلز - باللام مكان الراء المهملة.
والقسم الثاني: أن تكون الرواية عن أبيه عن جده، ثم تارة يراد بالجد أبو الأب، وتارة يراد به الجد الأعلى، فمنه ما يعود الضمير في قوله "عن جده" على الراوي نفسه، ومنه ما يعود الضمير فيه على أبيه.
فمثال ما يعود الضمير فيه على الراوي: رواية بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، فحكيم هو ابن معاوية بن حيدة القشيري، فالصحابي هومعاوية وهو جد بهز وأبوحكيم، وله بهذا الإسناد نسخة كبيرة حسنة.
ومثال ما يعود الضمير فيه على أبيه: رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، فشعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فالصحابي هو عبد الله بن عمرو وهو جد شعيب، فالمراد بالجد هنا: الجد الأعلى أي جد الأب.
وله بهذا الإسناد نسخة كبيرة أكثرها فقهياتٌ جيادٌ، واحتج بها أكثر أهل الحديث؛ حملًا لمطلق الجد فيه على الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص دون ابنه محمد والد شعيب، لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك.
ومن الطرائف في هذا: رواية أبي الفرج عبد الوهاب التميمي الفقيه الحنبلي، وكانت له ببغداد في جامع المنصور حلقة للوعظ والفتوى عن أبيه في تسعة من آبائه نسقًا.
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي: "حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي من لفظه قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب وقد سُئِل عن "الحنان المنان" فقال: "الحنان": الذي يقبل على من أعرض عنه، و"المنان" الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال"؛ [تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ترجمة عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث: ١١/٣٢ ترجمة (٥٧٠٤)]، وآخر الرواة هو أكينة - بالنون - وهو الذي سمع عليًا -رضي الله عنه.
قال العراقي: "وأكثر ما وقع لنا بتسلسل رواية الأبناء عن الآباء أربعة عشر رجلًا: من رواية أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب: وهو الحسن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسن بن الحسين بن جعفر بن عبد الله بن حسن الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- رواها الحسن عن آبائه نوعًا مرفوعًا بأربعين حديثًا منها: «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ»، [سنن أبي داود، كتاب الأدب، حديث (٤٨٦٩)، ومسند الفردوس للديلمي، ٤/ ٤٩١ حديث (٢٩٢٦)] وفي آبائه من لا يُعْرَف حالُه.
قال أبو القاسم منصور بن محمد العلوي: الإسناد بعضه عوالٍ وبعضه معالٍ، فقول الرجل: "حدثني أبي عن جدي" من المعالي.
١- من روى عن أبيه عن جده لابن أبي خيثمة، وهو جزء صغير [الرسالة المستطرفة للكتاني: ١٦٣].
٢- من روى عن أبيه عن جده للحافظ قاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفى سنة (٨٧٩هـ)، وهو مطبوع متداول في مجلد.
ومما يلتحق بهذا النوع أيضًا: رواية المرأة عن أمها عن جدتها، وهو نوع عزيز جدًا.
فمن ذلك: ما رواه أبو داود في سننه عن بندار قال: حدثنا عبد الحميد بن عبد الواحد قال: حدثتني أم جنوب بنت نميلة، عن أمها سويدة بنت جابر، عن عقيلة بنت أسمر بن مضرس، عن أبيها أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فبايعته فقال: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ له». [أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الخراج والإمارة والفيء، حديث: ٣٠٧١]
رواية الراوي "عن أبيه عن جده" تمثل نمطًا مهمًا في سلسلة الإسناد الحديثي، يتطلب دقة في معرفة الأسماء لتجنب الإبهام، وتنقسم إلى روايات عن الأب فقط، أو عن الأب ثم الجد، مع وجود فروق في تحديد معنى "الجد"، وقد تناولها العلماء في مؤلفات متخصصة، مع وجود أمثلة على تسلسل طويل في السند، مما يَعكس أهمية هذا النوع في حفظ ونقل الحديث الشريف بدقة وموثوقية.