قامت التيارات والجماعات الإسلامية في الثمانين عاما
الماضية بصناعة فكر سقيم، تحاول فيه أن تستخرج وتصنع تصورًا عن عدد من المسائل
والقضايا الكبيرة، رغم افتقاد تلك التيارات للأدوات الصحيحة في فهم الشرع،
بالإضافة إلى جو نفسي متأزم ومختنق ومتوتر، سيطرت عليه أزمات انهيار الخلافة
الإسلامية، واحتلال فلسطين، والضغوط النفسية للسجون، فتولد عندهم فقه في غاية
التشوه، جعل الصورة المستقرة في أذهانهم لعدد من القضايا والمسائل صورة منحرفة،
ومختزلة، ومبتورة.
ومن تلك القضايا الحساسة والخطيرة، التي صنعوا فيها صورة
معكوسة ومشوهة قضية الوطن، فلو أننا قمنا بالغوص داخل عقل تلك الجماعات، ورأينا
المفردات والمكونات التي تصنع صورة الوطن في أذهانهم، لوجدنا صورة مركبة من عدد من
المبادئ الغريبة، حيث تتركب صورة الوطن
داخل تلك العقلية من عدد من الأمور، وهي:
- الوطن حفنة تراب لا قيمة لها.
- حب الوطن انفعال بشري سخيف، لابد من مقاومته والبراءة
منه، مثل ميل الإنسان للمعاصي.
- رفض فكرة الوطن؛ لأنها في نظرهم مقابل الخلافة أو
الأمة.
- الأوطان حدود جغرافية صنعها الاستعمار فلا نحبها ولا
نتعامل معها.
- الأوطان هي المساكن التي ترضونها، والتي ذمها الله.
- ليس في الشرع آية ولا حديث تدل على حب الوطن.
- الحديث المتعلق بحب النبي لمكة فيه خصوصية لمكة وحدها،
فلا نقيس بقية الأوطان عليها.
وهذا تعليق سريع على كل فكرة، ننتقل بعده إلى جولة في
كلام العلماء الكبار، من المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، والأولياء، والأدباء،
التي نرى فيها مقدار رعاية الشرع الشريف لفكرة الوطن، وكيف أن الشرع غرس في نفس
الإنسان حب وطنه، وزكى فيه دوافعه الفطرية النبيلة في الانتماء للأوطان وحبها
والدفاع عنها، حتى أشار الشرع الشريف إلى نبل انتماء الإنسان لوطنه في عدد من
الآيات والأحاديث النبوية.
يقول سيد قطب في: (ظلال القرآن): (إن راية
المسلم التي يحامي عنها هي عقيدته. ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام
شريعة الله فيه، وأرضه التي يدفع عنها هي «دار الإسلام» التي تتخذ المنهج الإسلامي
منهجاً للحياة، وكل تصور آخر للوطن هو تصور غير إسلامي، تنضح به الجاهليات، ولا
يعرفه الإسلام) [ في ظلال القرآن: ٢ / ٧٠٨].
وقال أيضا: (ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح
الهابطة صخورًا متردية، هنا وهناك، من الدهاء، والمراء، والسياسة، والكياسة،
والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة.. إلى آخر
الأسماء والعنوانات.. فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها.. الدود..!!) [ في ظلال القرآن: ٢ / ٧٥٣].
ويقول أيضا: (إن الناس يقيمون لهم اليوم آلهة يسمونها
«القوم» ويسمونها «الوطن» ، ويسمونها «الشعب» .. إلى آخر ما يسمون. وهي لا تعدو أن
تكون أصنامًا غير مجسدة كالأصنام الساذجة التي كان يقيمها الوثنيون. ولا تعدو أن
تكون آلهة تشارك الله- سبحانه- في خلقه، وينذر لها الأبناء كما كانوا ينذرون
للآلهة القديمة!) [ في ظلال القرآن: ٣ / ١٤١٣].
ويقول أيضا: (إن الجاهليات تجعل الرابطة آنًا هي
الدم والنسب وآنًا هي الأرض والوطن، وآنًا هي القوم والعشيرة، وآنًا هي اللون
واللغة، وآنًا هي الجنس والعنصر، وآنًا هي الحرفة والطبقة! تجعلها آنًا هي المصالح
المشتركة، أو التاريخ المشترك. أو المصير المشترك.. وكلها تصورات جاهلية- على
تفرقها أو تجمعها- تخالف مخالفة أصيلة عميقة عن أصل التصور الإسلامي) [ في ظلال القرآن: ٤ / ١٨٨٦].
أولًا: الوطن حفنة تراب لا قيمة لها، قال سيد قطب في:
(ظلال القرآن): (والذين يبحثون عن مبررات للجهاد الإسلامي في حماية «الوطن
الإسلامي» يغضون من شأن «المنهج» ويعتبرونه أقل من «الموطن» ! وهذه ليست نظرة
الإسلام إلى هذه الاعتبارات، إنها نظرة مستحدثة غريبة على الحس الإسلامي، فالعقيدة
والمنهج الذي تتمثل فيه والمجتمع الذي يسود فيه هذا المنهج هي الاعتبارات الوحيدة
في الحس الإسلامي، أما الأرض- بذاتها- فلا اعتبار لها ولا وزن!) [ في ظلال القرآن: ٣ / ١٤٤١] .
التعليق:
هذا تصوير اختزالي للوطن، حيث إن الوطن في الحقيقة ليس
حفنة تراب، بل هو شعب، وحضارة، ومؤسسات، وتاريخ، وانتصارات، وقضايا، ومكانة
إقليمية ودولية، وتأثير سياسي وفكري في محيطنا العربي والإسلامي، ورجال عباقرة
صنعوا تاريخ هذا الوطن في مجال العلم الشرعي، وفي التاريخ الوطني الحافل بالنضال
لحماية هذا الوطن، وفي التاريخ الاقتصادي، والتاريخ العسكري، والديبلوماسي،
والأدبي، والفني، وغير ذلك من المجالات التي نبغ فيها العباقرة من أبناء هذا
الوطن.
فتجاهل كل هذه المكونات التي تصنع مفهوم الوطن،
واختزالها في حفنة تراب، يمثل عقوقًا وطنيًا، وفهمًا مجتزئًا ومشوهًا، وتحقير لأمر
عظيم.
ثانيًا: حب الوطن انفعال بشري سخيف، لابد من مقاومته والبراءة
منه، مثل ميل الإنسان للمعاصي.
التعليق:
هذا فهم سقيم، وخلط غريب بين المشاعر الخبيثة الآثمة،
التي أمرنا الله تعالى أن نتنزه ونتسامى عليها، وبين المشاعر النبيلة، والدوافع
الفطرية الراسخة، التي اكتفى الله تعالى بها، واعتمد الشرع على شدة ثباتها في
النفس الإنسانية، وأنه بسبب استقرارها وثباتها في النفس فإن الشرع لا يحتاج إلى
تقنين تشريع لها؛ لأن دوافع الطباع تكفي لتوجيه الإنسان فيها إلى المسار الصحيح،
ومن هذه الدوافع النبيلة الانتماء والوفاء للوطن.
وهذا المعنى
قد أشار إليه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، حيث قال
في كتاب: (الوسيط) في فقه السادة الشافعية: (ولكن في بواعث الطباع مندوحة عن
الإيجاب؛ لأن قوام الدنيا بهذه الأسباب، وقوام الدين موقوف على قوام أمر الدنيا
ونظامها لا محالة) [الوسيط في المذهب: ٧ /٧]
فهذا هو
العقل المنير، الذي استنار بنور الشرع، وفهم عن الله مراده، واهتدى إلى أن الشرع
يكتفي في عدد من المسائل بثبات دوافع الطباع، فلا يأتي فيها الشرع بتشريع أو أمر
معين، مطمئنًا إلى أن الطبع السليم كفيل بتوجيه الإنسان.
ومن هذه
الأمور التي ينتجها الطبع السليم حب الوطن والانتماء إليه والوفاء له، وقد روى الدينوري
في كتاب: (المجالسة) من طريق الأصمعي قال: سمعت أعرابيًا يقول: (إذا أردت
أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه) [ المجالسة وجواهر العلم: ١ / ٦٠].
ومن العجيب
أن سيد قطب يقر بهذا الشعور الفطري النبيل، فيقول: (إن هاجس الأسى لمفارقة
الوطن هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تدعى للهجرة. ومن هنا يمس قلوبهم
بهاتين اللمستين: بالنداء الحبيب القريب: {يَا
عِبادِيَ}، وبالسعة في الأرض: {إِنَّ
أَرْضِي واسِعَةٌ}) [ في ظلال القرآن: ٥ / ٢٧٤٩].
وينقل عن أحد
العلماء قوله: (والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح، في هبوبها على الأعشاب
والأشجار، كل دليل يرى. وحاسة العودة إلى الوطن هذه هي ضعيفة في الإنسان، ولكنه
يكمل عتاده القليل منها بأدوات الملاحة. ونحن في حاجة إلى هذه الغريزة، وعقولنا
تسد هذه الحاجة) [ في ظلال القرآن: ٦/ ٣٨٨٤].
ويقول عن
سيدنا موسى عليه السلام: (لماذا عاد -وقد خرج من مصر طريدًا- قتل قبطيًا فيها حين
رآه يقتتل مع إسرائيلي، وغادر مصر هاربًا وبنو إسرائيل فيها يسامون العذاب ألوانًا؟
حيث وجد الأمن والطمأنينة في مدين إلى جوار شعيب صهره الذي آواه وزوجه إحدى
ابنتيه؟
إنها جاذبية
الوطن والأهل تتخذها القدرة ستارًا لما تهيئه لموسى من أدوار.. وهكذا نحن في هذه
الحياة نتحرك. تحركنا أشواق وهواتف، ومطامح ومطامع، وآلام وآمال.. وإن هي إلا
الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها
الأنظار ولا تدركها الأبصار. يد المدبر المهيمن العزيز القهار) [ في ظلال القرآن: ٤ / ٢٣٣٠ ].
ويقول أيضا: (والهجرة في
سبيل الله تجرد من كل ما تهفو له النفس، ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه: الأهل
والديار والوطن والذكريات، والمال وسائر أعراض الحياة) [ في ظلال القرآن: ٤ / ٢٤٣٨ ].
ويقول أيضا: (فربه يذكره
هنا بنعمته عليه، إذ هداه إلى الاستغفار فشرح صدره بهذا ونجاه من الغم. ولم يتركه
مع هذا بلا ابتلاء ليربيه ويعده لما أراد فامتحنه بالخوف والهرب من القصاص؟
وامتحنه بالغربة ومفارقة الأهل والوطن وامتحنه بالخدمة ورعي الغنم، وهو الذي تربى
في قصر أعظم ملوك الأرض، وأكثرهم ترفًا ومتاعًا وزينة) [ في ظلال القرآن: ٤ / ٢٣٣٥].
ويقول أيضا: (ترى أي
خاطر راود موسى، فعاد به إلى مصر، بعد انقضاء الأجل، وقد خرج منها خائفا يترقب؟
وأنساه الخطر الذي ينتظره بها، وقد قتل فيها نفسًا؟ وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع
الملأ من قومه ليقتلوه؟
إنها اليد
التي تنقل خطاه كلها، لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة،
وإلى الوطن والبيئة، وأنسته الخطر الذي خرج هاربًا منه وحيدًا طريدًا؛ ليؤدي
المهمة التي خلق لها ورعي منذ اللحظة الأولى) [في ظلال القرآن: ٥ / ٢٦٩١ ].
ثالثًا: رفض فكرة الوطن لأنها في نظرهم مقابل العقيدة أو الخلافة
أو الأمة.
التعليق:
لما أن كان
الانتماء مكونًا راسخًا من مكونات الفعل البشري، وهو من أهم مكونات الفطرة التي
فطر الله الناس عليها، فقد أكده الشرع الشريف، وانطلق منه، وعول عليه، ولم يقمعْه
أو يتجاهله، ولكن عدله ونسقه، وحدد للمكلف معالم راقية للانتماء، تلبي ذلك الدافع
القهري المنبعث من داخله، وتحفظه من مزالقه، التي من الممكن أن يؤدي إليها.
ثم إن الشرع
الشريف لم ير بأسًا بوجود انتماءات جزئيةٍ في إطار ذلك الانتماء الكلي، تدعمه
وترسخه، وتنبع منه، وتفضي إليه، ولا تخرج عن نسقه الكلي، فسمح بمحبة البقعة
المحددة التي ولد فيها الإنسان وعاش، وهي موطنه المباشر، ولا يتعارض ذلك مع محبة
الأمة بأكملها، بل هو جزء منها، فإن غلب عليه حبه وانقلب تعصبًا، يعادي من أجله
المسلم الناس فإن الشرع يرفضه، ومن هنا جاءت محبة الأوطان والديار، وأكد الشرع
قضية حب الوطن، وكان صلى الله عليه وسلم يحب مكة ويشتاق إليها، مع أن المدينة مقره
ومثواه.
ومن هنا
أيضًا جاءت محبةُ توجهٍ علميٍّ معين، أو تيارٍ فكريٍّ معين، أو منهجٍ بحثيٍّ معين،
دون أن يَحُولَ ذلك بين المسلم وبين الدوائر الأوسع، والأُطُر الكبرى، بل كل تلك
الانتماءات من نبع الانتماء الأكبر، وهي التي تكوِّنه وتبني أركانه، ولذلك نهى
الشرع عن انتماء جزئيٍّ يتعصب له المرء حتى يحادَّ به المسلمين، ويقاطعَ به بقية
الانتماءات الجزئية، التي تصب في معين الانتماء الأكبر، وكل ذلك من أجل أن يستمر
التوازن بين دوائر الانتماء المختلفة، وبعضها أكبر من بعض، وبهذا تزدهر المواهب،
وتتعدد الأفكار والرؤى، دون عصبية ولا عداء.
فالانتماء
دوائر، بعضها أوسع من بعض، والأكبر منها لا ينفي الأصغر، والصغير منها لا يكر على
الكبير بالبطلان، ولا يقطع الروابط ولا الصلات مع أبناء الانتماء الكبير.
وانتماء
الإنسان لوطنه لا يلغي ولا ينفي انتماءه إلى أمته العربية، وعالمه الإسلامي، لأنها
دوائر متداخلة كما سبق.
والانتماء
إما أن يزول، فيدفع صاحبه إلى التنكر والتبرؤ من أوطانه وقومه وأهله، مما لا يجمل
به الانسلاخ منه، وإما أن يزيد بصاحبه، فيصل به إلى العصبية، التي تجعل انتماءه
هذا يفسد عليه ما يربطه بأبناء الدوائر الأوسع من الانتماء، ففارق بين حسن
الانتماء والوفاء، والقيام لكل دائرة من دوائر الانتماء بحقها، بما لا يقطع روابط
البشر، وهو الذي نتحدث عنه، وبين التعصب الذي يجعل الإنسان شديد الحمية إلى دائرة
بعينها من دوائر الانتماء، تجعله يعادي من سواها ويقاطعه ويتحامل عليه.
وإنما حرصت
على تبيين هذا المعنى تصحيحا لخطأ شاع عند بعض المعاصرين، ممن ظنوا أن قيامهم
بالدين يقتضي منهم البراءة من حب الأوطان، وقد تبين مما سبق من كلام أئمة الهدى أن
حب الوطن دائرة من دوائر الانتماء، نطقت بها الفطرة، وسقاها الشرع الشريف ورعاها،
وأقام موازين القسط بينها وبين بقية دوائر انتماء الإنسان، بحيث لا يجور بعضها على
بعض، وبحيث تتراكم وتتسق بما يحقق كمال إنسانية الإنسان.
***
رابعًا: الأوطان
حدود جغرافية صنعها الاستعمار فلا نحبها ولا نتعامل معها، قال حسن البنا:
(فالإسلام والحالة هذه لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا يعتبر الفوارق الجنسية الدموية)
[ مجموعة رسائل حسن البنا: رسائل المؤتمر الخامس/ ص ٢٩٧].
التعليق:
الأوطان
ليست حدودًا جغرافية صنعها الاستعمار، بل الأوطان بقاع عريقة، قبل الاستعمار بألوف
السنين، واستقرار الوضع الحالي على تلك الحدود يوجب علينا حفظها والدفاع عنها،
ورفع تلك الحدود لا يكون بالتلاعب، بل بالاتفاقات العليا التي يتم إبرامها وفق
آليات محترمة كما صنع الاتحاد الأوربي مثلا، وما لم يتم ذلك فلابد من احترام الوضع
القائم والحفاظ عليه وعدم تضييعه ولا انتقاصه ولا التفريط فيه، فضلًا عن أن قيمة
الوطن ليست متعلقة أصلًا بفكرة الحدود، بل الوطن قيمة تاريخية وعلمية وإقليمية
وعالمية، والوطن المصري على وجه الخصوص أمر مركب من عبقرية المكان، وعبقرية
الزمان، وعبقرية الإنسان.
فهذا
خلط شديد في المفاهيم، يختزل صورة الوطن في الذهن، ويؤدي إلى صناعة صورة مزيفة،
يتم فيها إهدار قيمة الوطن وتاريخه وإنجازاته ودوره، ويتم فيها التلاعب بمشاعر
الإنسان، حيث يلتبس في ذهنه مفهوم الوطن، ويتم إلصاق فكرة الاستعمار وأثاره السيئة
بفكرة الوطن، بحيث كلما خطرت فكرة الوطن في الذهن انتقل الذهن منها إلى بشاعة
الاستعمار وكراهيته، فيتصور أن كراهية الاستعمار تقتضي منه البراءة من الوطن، تحت
دعوى أن الوطن صنيعة الاستعمار !!!!
خامسًا: الأوطان هي المساكن التي ترضونها،
والتي ذمها الله.
التعليق:
الآية
المشار إليها من سورة التوبة نصها: {قُلْ إِنْ
كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ
فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة الآية ٢٤] .
وقد
قامت تلك التيارات بصناعة فهم مغلوط، يتصورون فيه أن الأوطان هي تلك المساكن التي
ترضونها، وإذا صارت أحب إلينا من الله ورسوله والجهاد في سبيله فهذا فسق.
وهذا
المفهوم حافل بالأغلاط والأخطاء، ويشتمل على منهج سقيم في فهم القرآن، يؤدي إلى أن
ننسب إلى القرآن عكس ما يريد، وهذه هي المنهجية الإجمالية المغلوطة في فكر تلك
التيارات، وهي الدخول إلى فهم القرآن بدون أدوات الفهم الصحيح، وأدوات الفهم
الصحيح هي العلوم التي يعلمها الأزهر لأبنائه على مدى سنين من عمر طالب العلم، وهي
علوم البلاغة، وعلم النحو، وعلم أصول الفقه، وعلم التفسير، لأن القرآن عربي مبين،
ولا يمكن فهمه إلا بتلك الأدوات العلمية، ومن أراد أن يفهمه بدونها فإنه يتسلط على
القرآن بفهمه المسبق، وينسب أفكاره الخاصة للقرآن، مما يؤدي به إلى تقويل القرآن
ما لم يقله، وهذا منهج في غاية الخطورة.
وننتقل
إلى نموذج عملي في فهم هذه الآية:
الآية
تتحدث عن شخص، جعل بعض الأمور الشخصية، والأهواء الضيقة، مقدمةً عنده في سلم
الأولويات على القضايا الكبرى، فمن جعل تعلقه بأبيه أو ابنه أو ماله أو مسكنه عائقًا
وحائلًا يعوقه عن المسارعة إلى القضايا الكبرى فهذا هو المخالف لشرع الله، وتتحقق
تلك الصورة المذمومة عند شخص تعلق ببيته ومسكنه، بحيث صار بيته أو قصره أو حدائقه
أو شركاته أو أمواله أحب إليه من الله ورسوله، بحيث إذا قلنا له إن وطنك في خطر،
وإذا كان الوطن في خطر فقد أوجب الله عليك الجهاد في سبيله بالدفاع عن وطنك، فاترك
الآن منازلك وأموالك وتعال للدفاع عن وطنك، فإنه يتخاذل؛ لأن مسكنه الشخصي أحب
إليه من قضايا الدفاع عن الأوطان، التي سماها الله تعالى: (جهادًا في سبيله).
فالله
تعالى يقول لنا في الآية: الشرع الشريف يأمركم بترتيب سلم الأولويات، بحيث لا
تتقدم الأمور الشخصية على الأمور المجتمعية العامة، وإياكم أن يغرق الواحد منكم في
الأنانية والمنافع الشخصية وينسى الهموم الكبرى، التي تهدد عموم الأمة.
فأين
هذا المفهوم القرآني الشريف من شخص يتلاعب بفهم القرآن، ويريد أن يقلب المفاهيم،
ليتصور أن الله تعالى جعل حب المساكن (التي هي الأوطان في نظره) في كفة، وجعل حب
الله والجهاد في سبيله في كفة، بينما الفهم الصحيح للآية يجعل حب الله وحب الوطن
في كفة، والأنانية الشخصية والحرص البالغ على المنفعة الشخصية في كفة أخرى.
وأما
بقية الأمور التي صنعت الصورة المشوهة للوطن عندهم فالرد عليها مذكور ضمنًا خلال
ما يأتي من صفحات.