Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

علاقة العالم بالحاكم هل هي صراع أم ثقة؟

الكاتب

أ. د. أسامه الأزهري(وزير الأوقاف)

علاقة العالم بالحاكم هل هي صراع أم ثقة؟

ينبغي الحذر من القراءة المتعجلة للتاريخ، والتنزيل المشوَّشٍ لوقائع التاريخ على واقعنا المعاصر، والخطأ في توصيف أحداث التاريخ، ويرجع سبب الخطأ في ذلك كله إلى: افتقاد المنهج المنضبط في جمع المادة العلمية من مظانها التاريخية الموثقة، ثم في عدم الصبر والدأب والتأمل الطويل في كيفية ترتيب تلك المادة التاريخية، وتركيبها، والتفطن إلى الفجوات الحاصلة فيها، والتوصل إلى تصور كلي واضح لأحداث التاريخ ودوافعها وبواعثها وتعليلها، ثم في افتقاد تلك القراءة إلى التنزيل السديد لوقائع التاريخ على واقعنا هذا، ثم في عدم توصيف الواقع توصيفًا دقيقًا يمكن معه تنزيل كل شيء على ما يناسبه.

دور الأزهر الشريف في صناعة العلماء

من البحوث الدقيقة التي لابد من التقصي والبحث فيها: علاقة العلماء عمومًا - وعلماء الأزهر الشريف خصوصًا - بالحكام، وهذا موضع يحتاج إلى رصد واسع، لعشراتٍ ومئات من المواقف التي يمكن أن نستخلص من مجموعها معالم تلك العلاقة بكل أبعادها وتفاصيلها.

وقد مضى على الأزهر الشريف قرون من الزمن وهو يصنع العلماء، ويتقن صناعة العلم والتعليم، ويخوض في الشأن العام، وينهض بقضايا الوطن والدفاع عنه في أحداث عاصفة، مما حتم وجود تقاطع وتشابك بين الدور المجتمعي لعلماء الأزهر، والوجوه التي قاموا فيها بخدمة الوطن وأبنائه، وبين أدوار الحكام ووظائفهم والأدوار التي كانوا يقومون بها، وقد مرت تلك العلاقة بأطوار مختلفة وتعقيدات كثيرة، كان علماء الأزهر فيها يضعون عدة موازين، يحققون بها الحفاظ على أمانة العلم والشرع الشريف، ويدركون بها الواقع بمختلف ملابساته، وينسجون بها علاقتهم بالحكام، مما تقاربت فيه المواقف أو اختلفت وتباعدت.

مكانة علماء الأزهر في المجتمع المصري

وممن استعرض أبعاد هذه العلاقة بالدراسة المتأنية الموسعة: الدكتور عبد الجواد صابر إسماعيل في كتابه المهم: (مجتمع علماء الأزهر إبان الحكم العثماني)، حيث خرجت هذه الدراسة في قريب من سبع مئة صفحة، انتهى في آخرها إلى النتائج الآتية، قال: (ولقد بدَّدتْ نتائج هذا البحث كثيرًا من المعلومات التاريخية الخاطئة التي تعارفنا عليها، بعد أن تلقيناها عن مؤرخي الغرب؛ لأن الحقائق لا يمكن أن يصمد أمامها أي قول من الأقوال الباطلة، مهما كسته الزخارف أو غمرته الأضواء.

فأول هذه الحقائق: هي أن علماء الأزهر كانوا صفوة مجتمعنا، وعقله المفكر، وضميره الحي، ودرعه القوي، فبهم أحق مجتمعنا الحق، وأبطل الباطل، واحتمى من تيارات الفتن والمظالم والشر.

وثاني هذه الحقائق: هي أن المصريين على رأسهم علماء الأزهر لم يستكينوا لمظالم الباشوات العثمانيين والأحزاب العسكرية وأمراء المماليك، فلقد شهدت القرون الثلاثة التي خضعت مصر فيها للحكم العثماني انتفاضات متتالية قادها علماء الأزهر، لرفع المظالم، وكف أيدي البغاة من الباشوات وذوي النفوذ السياسي والعسكري) [مجتمع علماء الأزهر إبان الحكم العثماني ١٥١٧م-١٧٩٧م/ص٦٣١/، ط: مطبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، مصر، سنة ١٤٣٧هـ-٢٠١٦م]

وقد كان الواحد من العلماء الأزهريين متقنًا ومدققًا جدًّا في النظر في الأدلة، والشهود، وقرائن الإثبات، وكانت مصادر المعلومات عنده موثقة يقينية، لا خلل ولا تشكيك فيها، فكان يستطيع أن يبني عليها العقوبات أو المواقف التي يقدرها بعقليته القضائية، وسوف أختار هنا نموذجًا أشير من خلاله إلى لمحات من تلك القضية، ألا وهو الإمام شهاب الدين أحمد الدردير، شيخ السادة المالكية، وكبير علماء الأزهر في زمانه، حيث وقف عدة مواقف مشرفة في علاقته بحكام عصره، لكنها لم تكن ثائرة ومندفعة، تختلط فيها المعلومات، ويفتقد فيها اليقين، بل كانت مواقف لها موازين حكيمة تشهد له بالرزانة والإخلاص لدينه ووطنه.

وهذه المقدرة من الإمام الشهاب الدردير على مواجهة الظالم، مهما كان موقعه في المجتمع، حاكمًا كان أو محكومًا، كانت تتأتى وتتحصل له من مجموع أمرين:

أولهما: قوته في دين الله تعالى، وشدة غيرته على حرمات الله وحقوق العباد، وشدة إنسانيته ونصرته للمظلوم، وأخذه على يد الظالم لرده عن ظلمه، وكل هذه الأمور هي الدافع الأول.

ثانيهما: هو توفر مصادر المعلومات وأدلة الإثبات التي يتمكن معها من اتخاذ المواقف الحاسمة، لأنه شديد التحري للحق، وشديد الترفع عن الظلم أو الخوض فيما هو ملتبس.

وسبب ذلك أن المعلومات الواسعة الموثقة اليقينية التي كانت تُصَبُّ بين يدي الإمام الدردير تخوِّل له وتمنحه سلطات واسعة في المجتمع، فهو الذي يملك الإذن بالتحقيق، وهو الذي يملك تقدير الجريمة والعقوبة، فكانت تجتمع له في زمانه (بموجب المعلومات) عدة صلاحيات.

وقد ذكر الجبرتي أن وفدًا من العلماء على رأسه الشيخ عبد الله الشبراوي شيخ الجامع الأزهر، صعد إلى القلعة، وقابل أحمد باشا كور، الباشا العثماني، ليعرضوا عليه مطالب الناس وحوائجهم، وكأن الباشا أنكر صنيعهم وصفتهم، فما كان من الشيخ الشبراوي أن قال للباشا: (نحن المتصدرين لخدمتهم وقضاء حوائجهم عند أرباب الدولة والحكام) [عجائب الآثار ١/ ١٤٨]

صلاحيات علماء الأزهر

والصلاحيات الواسعة التي كانت مجتمعة في يد الإمام الدردير - والممنوحة له من الشعب - جرى توزيعها بعد ذلك على عدد من الجهات الرقابية والإدارية والمالية في النظم الإدارية الحديثة، التي طرأت على العالم من بعد الثورة الفرنسية، التي غيرت كل ما كان على ظهر الأرض من نظم الحكم والإدارة، والتي كانت نتاج نظريات عدد من الفلاسفة، مثل جون لوك ونظرية الفصل بين السلطات، ومثل جان جاك روسو ونظرية العقد الاجتماعي (الدستور)، ومثل توماس هوبز ودراساته لمفهوم الدولة، ومثل هيجل، وغيرهم، والخلاصة أن الثورة الفرنسية التي استمرت موجاتها على مدى عشر سنوات من سنة ١٧٨٩م إلى سنة ١٧٩٩م، قد غيرت كل نظم الإدارة والحكم في العالم، ولما أن كانت وفاة الإمام الدردير سنة ١٢٠١هـ، الموافق ١٧٨٦م، وكان اندلاع الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩م الموافق ١٢٠٣هـ، أي بدأت بعد وفاة الدردير بسنوات قلائل، واستغرقت زمنًا حتى استقرت نتائجها السياسية، فلم تصل إلينا نتائجها إلا بعدها بعقود، لما أن كان ذلك كله، فإن الإمام الدردير عاش واقعًا اجتماعيًّا ليس فيه نائب عام، ولا رقابة إدارية، فكانت تجتمع عنده تلك الصلاحيات كلها، من غير منه إلى ذلك، بل لأن الشعب كان يطالبه بها، وكان يضغط عليه للقيام بتلك المهام، التي يقف فيها نصيرًا للناس في رفع المظالم عنهم، وتحقيق الأمان لهم في شئونهم المختلفة.

نتائج استقرار نظم الإدارة في العالم

وكان من نتائج استقرار نظم الإدارة في العالم وقوع تغيير كبير جدًا في الصلاحيات والمهام المجتمعية التي كان يطلبها الشعب من أمثال الإمام الكبير الشهاب أحمد الدردير، فبعض ما كان مخولًا له من دور مجتمعي ورقابة على الانحراف والفساد في الإداريات في زمنه وقع تقنينه بعدها في جهاز موقر ومحترم اسمه: الرقابة الإدارية، وبعض ما كان مخولًا ومتاحًا للإمام الدردير من ضبط التلاعب بالأموال مما كان يستقيه من أصحاب الوقائع المباشرة، صار الآن مقننًا في جهاز قانوني وموقر ومحترم اسمه: الجهاز المركزي للمحاسبات، وبعض ما كان متاحًا للإمام الدردير من صلاحية التحقيق المباشر مع أي شخص أو مسئول صار اليوم مقننًا ومحددًا في صلاحيات هيئة قانونية موقرة اسمها: (النيابة العامة)، وصار فتح التحقيق مع أي شخص من حق النائب العام وحده، وقد وُزِّعتْ بموجب ذلك أكثر صلاحيات الإمام الدردير ومهامه -التي طالبه المجتمع بالقيام بها- على عدد من الأجهزة الرقابية الموقرة، التي نحترمها جميعا، واحترامها واجب، فكان الإمام الدردير في حقيقته مؤسسة تمشي على قدمين، له حق جمع المعلومات، وفتح التحقيق، وتقدير العقوبة، وتنفيذها، ولم تكن تلك الصلاحيات أبدًا حكمًا ولا صولجانًا ولا هيمنة ولا دولة دينية، وإنما كانت صلاحيات خولها المجتمع إليه، وطالبه بالقيام بها، فخضع لطلب جماهير الناس من أبناء شعب مصر العظيم، وتشرف بالقيام بخدمتهم، ونهض بأعباء ذلك كله على وجه مشرّف وراق، دون أن ينازع ذوي السلطان في سلطانهم، أو أن يتشوف إلى سلطة أو جاه أو دنيا، بل متى تمت مصالح الناس وارتفع الحرج عنهم رجع إلى مجلس التدريس والتعليم قانعًا بدوره، محبًا له، مدركًا لشرفه وجلاله.

ما تحمله علماء الأزهر في خدمة المجتمعات

ولما أن استقر المجتمع من بعد على تنظيم تلك الصلاحيات على هيئة أجهزة قانونية، قبل العلماء ذلك وأقروه، واحترموا ذلك أتم احترام، وقامت تلك الأجهزة –المتضافرة والمتنوعة والمتفرقة- في مجموعها، بما كان يقوم به شخص واحد من علماء الأزهر الشريف.

وعند غياب تلك الهيئة الكاملة التي كان ينهض بها الواحد من علماء الأزهر أمثال الإمام الدردير، فإنه لا يمكن اليوم لأي شخص أن يقوم بما كان يقوم به الإمام الدردير، لأنه حينئذ يفتئت على السلطات، ويتعدى على القانون، ويتصرف بغير صفة، والافتيات على السلطات والمؤسسات القائمة غير مقبول بالمرة، ولو ذهب أحد العلماء اليوم لأي مسئول وواجهه بفساده الذي يتحقق منه ويعلمه، فإنه سوف يقول له: (أنت تظلمني وتتهمني بالباطل، ولا يمكنك إثبات اتهاماتك بأي وثيقة، وليس عندك أمر من النيابة بالتحقيق معي، وأنا في المقابل سوف أقاضيك وأطالب برد اعتباري).

مما يدل على أن الأمر استقر على قيام المؤسسات بهذه المهام، وأنه ليس من حق أحد أن يفتئت على صلاحياتها.

فالتوصيف الصحيح إذن لما كان يقوم به علماء الأزهر في تلك الأزمان هو القيام بأعباء المؤسسات القضائية والأجهزة الرقابية، وامتلاك المعلومات والوثائق، مع ما يترتب على وجود ذلك وتوفره من تصرفات اجتماعية شجاعة، ومواقف تاريخية مجيدة، ومواجهة للظلمة، وكل ذلك يصير سهلا بعد توفر الوثائق، والعلم الموثق له سلطان وجاه لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه.

فتصرفات علمائنا في العصور السابقة كانت عند توفر المعلومات، وصدور الحكم القضائي، بحيث تصير تصرفاتهم بمفهوم زماننا حكمًا قضائيًّا نهائيًّا غير قابل للطعن ولا للاستئناف، فحينئذ كان يقود العلماء الأزهريون الجماهير لتنفيذ الحكم، كما لو قامت الشرطة الآن بالتوجه للقبض على شخص صدرت ضده أحكام قضائية.

والأمر أوسع بكثير من قضية الثورة الفرنسية وآثارها، ومفهوم الدولة الحديثة، بل ما نحن فيه هو الكلام عن دولة المؤسسات، وكيف أن كثيرًا جدًّا من المهام والوظائف الفردية التي كانت قائمة عندنا قديمًا قد تحولت اليوم إلى مؤسسة كاملة تقوم بتلك المهمة، وممن أشار إلى هذه اللمحة البالغة الأهمية -والتي هي التحول التراكمي الطارئ عبر العقود والأزمان، والذي صُبَّتْ فيه عدد من الأدوار والمهام الشرعية في إطار مؤسسات موقرة تولت هي القيام بهذا الدور- العلامة الشيخ أحمد مصطفى المراغي، قال ما نصه: (للمحتسب أن يمنع الحمالين وأرباب السفن من الإكثار من حمل الدواب بالسفن خوفًا من الخطر على الناس والحيوان "مفتش قلم المرور الآن".

وله أن يأمر أرباب المباني المتداعية للسقوط بهدمها خوفًا من ضرر متوقع منها على السابلة "عمل مصلحة التنظيم الآن".

وله أن يراقب المعلمين في المكاتب وغيرها حتى لا يبالغوا في ضرب الصبية ولا يعاملوهم بقسوة "عمل وزارة المعارف الآن".

وله ختم اللحوم والنظر في صلاحيتها للأكل أو عدم صلاحيتها "عمل مصلحة الطب البيطري"

وله أيضًا النظر في الأطبخة التي تقدم في الأسواق والفنادق لمعرفة حالها جودة ورداءة "عمل وزارة الصحة الآن".

كذلك له النظر في ملاحظة السير في الأسواق والشوارع والأزقة حتى لا تتحصل مضايقة للمارة والسابلة "عمل الشرطة الآن".

وله أن يأمر السقائين بتغطية المياه التي في الزوايا بالأكسية حتى لا يعلق عليها غبار ولا أوساخ "مفتش الصحة الآن".

ويطلب إليهم تحديد مقدار الماء الذي يكون في كل قربة وختم عيارها "مصلحة المكاييل والموازين) [الحسبة في الإسلام/ص٢٨/، ط: مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، د ت] ، فانظر كيف تبلورت وتحولت كل تلك الأدوار والوظائف إلى مؤسسات مختصة بذلك، تحقق المطلوب منها، وربما اختل الأداء في بعضها أو ساء، لكن شتان ما بين إصلاح تلك المؤسسات لتقوم بدورها على الوجه الأكمل بكل شفافية ونزاهة، وبين عدم إدراك قيامها بتلك المهام، أو تجاهل ذلك، أو محاولة السرقة والتعدي على صلاحياتها، مما تنحرف إليه تيارات وجماعات معاصرة، تلاعبت بدين الله جل جلاله.

محاولة إسقاط مواقف علمائنا السابقين على المعاصرين

ومحاولة إسقاط مواقف علمائنا السابقين على المعاصرين من شيوخنا وعلمائنا الأزهريين المخلصين، فيه تلميح غير لطيف بأن المعاصرين عاجزون، وعبيد للسلطة، وجبناء لا يستطيعون نصرة الحق، ولا الجهر في وجه الظالم، والحال أنهم ليسوا كذلك بالمرة، وحاشاهم، وما باعوا دينهم أبدا، وهم يتحرون رضا بارئهم في ما يقولون قدر طاقتهم، وعدم قيامهم بمواقف الأقدمين فسببه هذا التحول الاجتماعي والإداري والتنظيمي والهيكلي الذي عهد بما كان يمنحه لهم المجتمع قديما إلى مؤسسات وهيئات موقرة.

علاقة العلماء بالحكام

والذي يستقر عليه الأمر وتتبلور من خلاله قاعدة هذا الباب أن علاقة العلماء بالحكام أمر تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة، فيكون واجبًا تارة، ويكون مندوبًا تارة، ويكون مباحًا تارة، ويكون مكروهًا تارة، ويكون حرامًا تارة، بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص.

مع التدقيق في قاعدة إذا تعارض المانع والمقتضي قدم المانع، والنظر في استثناءاتها، ومما يفيد في ذلك هذا الموقف والميزان الدقيق من الإمام القاضي أبي بكر الباقلاني والذي ساقه الشاطبي في (الموافقات) قال: (فصل: وقد تكون المفسدة مما يُلْغَي مِثْلُها في جانب عِظَمِ المصلحة، وهو مما ينبغي أن يتفق على ترجيح المصلحة عليها، ولذلك مثال واقع:

حكى عياض في: المدارك أن عضد الدولة فَنَّا خُسْرو الديلمي بعث إلى أبي بكر ابن مجاهد والقاضي ابن الطيب ليحضرا مجلسه لمناظرة المعتزلة، فلما وصل كتابه إليهما قال الشيخ ابن مجاهد وبعض أصحابه: هؤلاء قوم ضالون -وشدد القول فيهم-، لا يحلُّ لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان خالصًا لله لنهضت.

قال القاضي ابن الطيب: فقلت لهم: كذا قال المحاسبي وفلان ومن في عصرهم: "إن المأمون فاسق، لا يحضر مجلسه"، حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس، وجرى عليه ما عُرف، ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر، وتبين له ما هم عليه بالحجة، وأنت أيضًا أيها الشيخ!! تسلك سبيلهم حتى يجرى على الفقهاء ما جرى على أحمد، ويقولوا بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وها أنا خارج إن لم تخرج، فقال الشيخ: إذ شرح الله صدرك لهذا فاخرج، إلى آخر الحكاية.

فمثل هذا إذا اتفق يُلْغَي في جانب المصلحة فيه ما يقع من جزئيات المفاسد، فلا يكون لها اعتبار، وهو نوعٌ من أنواع الجزئيات التي يعود اعتبارها على الكليِّ بالإخلال والفساد، وقد مر بيانه في أوائل هذا الكتاب والحمد لله)  [ باختصار من الموافقات:٢ / ٣٧٢ ، ط: المكتبة التجارية الكبرى، مصر، بتعليق العلامة عبد الله دراز، وقبله أورده القاضي عياض في ترتيب المدارك وتقريب المسالك/٧/٥١/، ط: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، بالمملكة المغربية، سنة ١٤٠٢هـ-١٩٨٢م، ومقدمة العلامة السيد أحمد صقر على كتاب إعجاز القرآن للإمام الباقلاني/ص٢٠/، ط: دار المعارف (سلسلة ذخائر العرب)، مصر، د ت].

وهذا كلام جليل من الإمام الباقلاني، فيه مقارعة الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، وفتح باب النقاش والجدل العلمي الحر النزيه المؤصل، مما تظهر معه الحقائق.

دور علماء الأزهر حاليًّا بالحكام

ودور علماء الأزهر حاليًّا هو مَدُّ جسورُ الثقة والتوقير والاحترام مع كل فئات المجتمع، ونشر العلوم والمفاهيم، والانخراط في أخوة وصداقة عميقة مع كل أجهزة المجتمع ومؤسساته، مما يتيح لهم الاطلاع على المشكلات الجزئية العميقة التفصيلية في المجالات المختلفة، وتبادل الرؤى ووجهات النظر فيها، مما يسهم في تقريب المضمون النظري والعلمي والمعرفي والأخلاقي والقيمي لهذا الدين إلى كافة المهن والحرف والوظائف، من باب حسن التعهد والإفادة، وتبقى المحاسبة بيد الأجهزة المعنية، دون أن يفتئت عليها أحد.

وتبقى قيمة المعلومات عظيمة جدًّا، وغياب المعلومات يؤدي إلى العجز عن التصرف، مع التأكيد على كيفية قراءة التاريخ بعد الدراسة والدراية العميقة بالوقائع، حتى لا نقوم بتنزيل وقائع التاريخ على واقع متغير مختلف فنظلم الماضين أو المعاصرين، ونثق في أنه لا يخلو جيل من القيام بواجب زمنه قدر طاقته وقدر ظروف زمنه.

ومطالبة المعاصر بما كان يقوم به القدماء، مع عدم مراعاة التراكمات والتغيرات التي تحدث على مدى القرون، يشبه مطالبة الإنسان المعاصر بأن يتحمل المشي والسير لمئات الكيلومترات يوميا، وبذل المجهود البدني الشاق، مع التغافل عن التراكمات الحاصلة على مدى عقود، والتي ظهر فيها القطار، والطائرة، والسيارة، فأدت إلى تراجع كبير في المقدرة البدنية، لكنها في المقابل منحت الإنسان بدائل أخرى وفوائد، والحاصل أن دراية الواقع، والإلمام العميق به، ومعرفة التغيرات وأثرها، وحسن توصيف التاريخ بالعبارات التي يفهمها المعاصرون أمر مهم جدا، وبدونه يحدث اللبس والخلط والضباب.

وعليه فإني أحذر من القراءة المتعجلة للتاريخ، والتنزيل المشوَّشٍ لوقائع التاريخ على واقعنا المعاصر، والخطأ في توصيف أحداث التاريخ، ويرجع سبب الخطأ في ذلك كله إلى: افتقاد المنهج المنضبط في جمع المادة العلمية من مظانها التاريخية الموثقة، ثم في عدم الصبر والدأب والتأمل الطويل في كيفية ترتيب تلك المادة التاريخية، وتركيبها، والتفطن إلى الفجوات الحاصلة فيها، والتوصل إلى تصور كلي واضح لأحداث التاريخ ودوافعها وبواعثها وتعليلها، ثم في افتقاد تلك القراءة إلى التنزيل السديد لوقائع التاريخ على واقعنا هذا، ثم في عدم توصيف الواقع توصيفًا دقيقًا يمكن معه تنزيل كل شيء على ما يناسبه.

وانتزاع واقعة من التراث والتاريخ، والتسرع في تنزيلها على الواقع المعاصر، ثم التسرع في سحب أحكام ذلك الحدث التاريخي على الواقع: خطأ فادح، يفضي إلى عقلية تائهة مضطربة مشتتة ما بين عدم فهم الواقع على وجهه، وعدم فهم التاريخ على وجهه، ويكفيك في هذا المعنى الدقيق قول الإمام الجليل بدر الدين الزركشي في (البحر المحيط): (ثم وراء ذلك غائلة هائلة، وهي أنه يمكن أن الواقعة التي وقعت له هي الواقعة التي أفتى فيها الصحابي، ويكون -قلت: أي على رغم ذلك- غلطًا، لأن تنزيل الوقائع على الوقائع من أدق وجوه الفقه، وأكثرها للغلط)[ البحر المحيط في أصول الفقه؛٨ /٣٣٩ ، ط٣: دار الكتبي، القاهرة، سنة ١٤٢٤هـ-٢٠٠٥م]

قلت: يريد أن الانطلاق إلى ما هو مدون في الكتب، والمسارعة إلى تنزيله على الواقع خطأ شديد، لوجود فوارق دقيقة، تحتاج إلى نظر علمي سديد، قادر على معرفة الفوارق أو الجوامع بين الحدث التاريخي وبين الواقعة المعاصرة.

ولا يعني هذا إهدار الحوادث التاريخية وإغلاق باب الاستفادة من التاريخ بالمرة، لكن المقصود أن تخريج الوقائع المعاصرة على حوادث مشابهة في التاريخ، إنما هو برزخ دقيق يفصل بين خطأين: الأول: إهدار التاريخ بالمرة، والكف عنه بالكلية، وهذا يعزل المعاصر عن ثروة التاريخ وتجاربه، والثاني هو الدخول إليه من غير أي ضابط ولا منهج، وهذا يجعل المعاصر في غاية من الاضطراب والضياع بين تاريخ لم يتقنه، وواقع لم يتقن تلخيصه وتكييفه وتوصيفه.

والإلحاق بين المسكوت عنه والمنصوص عليه، فيما يعرف بالقياس، والإلحاق بين حدث معاصر مسكوت عنه، وبين حدث تاريخي فيه تصرف لواحد من الأئمة، كلاهما أمر يحتاج إلى ضوابط باب القياس من علم الأصول، وكيفيات الإلحاق.

ولابد مع ذلك من دراسة تاريخية واسعة ومتشعبة حول شخصية الدردير، ثم حول شخصية الشرقاوي، تستغرق منه زمنًا طويلًا، وفكًرا أصيلًا، وصبًرا على استخراج سمات شخصياتهم من كتبهم ومؤلفاتهم، فضلًا عن كتب التاريخ المعتادة، حتى يخرج لنا بتحليل نفسي واجتماعي وعلمي دقيق لتصرفات الشرقاوي، ومدى مطابقتها أو عدم مطابقاتها لموازين الحكمة، ومقاييس الشرع، وأنا أجزم بأن هذا لم يحدث.

والهدف منه هو الغوص على عقلية كل واحد من هؤلاء الأئمة، حتى كأنك عشت معهم، ويمكنك أن تتصور أسباب تصرفاتهم، وهذا هو النقد الذي وجهه العلامة محمود شاكر لسلسلة (ضحى الإسلام) لأحمد أمين، وكلامه في كتاب: (جمهرة مقالات العلامة محمود شاكر)، وهو مطبوع مشهور [جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر:٢/ ٦٢٤ ، ط: مكتبة الخانجي، مصر، سنة ٢٠٠٣م].

وليس هذا دعوة إلى تقديس الثورة الفرنسية ومنتجاتها، ونظريات فلاسفتها، بل تحت يدي بحوث وكتابات نقدية كبيرة ومتشعبة لتلك الأطروحات كلها، إنما أقول: إلى أن ننقدها، ونخرج طرحًا بديلًا عنها، ونبدي الرأي فيها، فلابد من مراعاة أنها هي الأطروحات التي يتم من خلالها ومن خلال تطبيقاتها وتطويراتها تشغيل نظم الإدارة في العالم، فاستدعاء حدث عند الإمام الدردير، كان فيه النظام الإداري قائما على أسس وأصول وتطبيقات معينة، وتنزيلها على واقعنا هذا، الذي يتم تشغيله وفق آليات ونظريات مختلفة، يؤدي إلى خطأ والتباس، فغاية ما أدعو إليه هو مجرد الانتباه إلى تلك الفوارق، التي تعيق الإلحاق التاريخي السديد.

ولا يعني هذا أيضًا تقديس مواقف العلماء، ولا يعني عدم وجود من تستخفه الدنيا منهم، أو تميل به الأهواء والأغراض، بل هذا واقع فيهم لا محالة، لكني أتحدث عن كبارهم وأعيانهم، الذين يشهد الواقع والمجتمع والتاريخ أنهم تركوا من بعدهم الأثر الحميد، والذكر الحسن، وشواهد الصدق الدالة على تحريهم لرضوان باريهم، فعن هؤلاء أتحدث.

الخلاصة

علاقة علماء الأزهر بالحكام تاريخيًّا كانت تتشكل بحسب الواقع والوظائف المجتمعية المتاحة، وقد تقلصت أدوارهم الرقابية مع نشوء مؤسسات الدولة الحديثة، ولا يصح إسقاط تصرفات العلماء في الماضي على الواقع المعاصر دون فهم الفوارق الزمانية والهيكلية.

موضوعات ذات صلة

الديمقراطية : هي نظام سياسي يتم فيه تمثيل الشعب من خلال نواب عنه يتم اختيارهم عبر الانتخابات

يتطلب قيام الدولة ثلاث عناصر رئيسية، هي: الإقليم، والشعب، والحكومة

السياسة في الإسلام تشمل تدبير شؤون الناس داخليًّا وخارجيًّا، مع بُعد ديني وأخلاقي

موضوعات مختارة