واستمع إلى عبارات سيد قطب بحروفها وكلماتها في كل قضية
وعنصر من العناصر السابقة:
١- اتهام عقول الفقهاء وعقلية الفقه كلها بأنها خمدت
وجمدت في قرون الخمود والركود، فيقول: (لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد
أعماقًا، وأوسع آفاقًا من أن يرتكن إلى هذا الوجه وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات
أخرى لا بد من إدراكها، لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص، ولإعطاء أصول
الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها، والتي خمدت وجمدت في عقول
الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود!) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦].
٢- الفقه نشأ من خلال حركة مجتمع مسلم، والمجتمع بحركته
هو الذي أنشأ الفقه، فيقول: (إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ، كما أنه لا يعيش
ولا يفهم في فراغ! لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا
المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية. كذلك لم يكن الفقه الإسلامي
هو الذي أنشأ المجتمع المسلم، إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة
حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي، وهاتان الحقيقتان
التاريخيتان الواقعيتان عظيمتا الدلالة كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي
وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦].
٣- التفرقة بين فقه الحركة وفقه الأوراق، واتهامه من لم
يعرف ذلك بأنهم ليسوا فقهاء وليس لديهم فقه بطبيعة الفقه ولا بطبيعة هذا الدين
أصلا، فيقول: (الذين يفعلون ذلك ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ
وكأنها اليوم يمكن أن تعيش في فراغ، هؤلاء ليسوا (فقهاء)! وليس لهم (فقه) بطبيعة
الفقه! وبطبيعة هذا الدين أصلًا! إن (فقه الحركة) يختلف اختلافًا أساسيًا عن (فقه
الأوراق) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦].
٤- الأحكام الفقهية لم تنشأ في فراغ، ولا تعيش في فراغ،
فيقول: (من ثم فليس هنالك حكم فقهي واحد مستقل بذاته، يعيش في فراغ، لا تتمثل فيه
عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها.. إنه لم ينشأ
في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ!) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦].
٥- عدم تزكية النفس وترشيحها للمناصب حكم فقهي نشأ في
مجتمع مسلم ليطبق في مجتمع مسلم، فإذا انعدم المجتمع المسلم زالت الأحكام الفقهية،
فيقول: (فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي، وقد نشأ في وسط واقعي
ولم ينشأ في فراغ مثالي، وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا
إذا طبق في مجتمع إسلامي، إسلامي في نشأته، وفي تركيبه العضوي، وفي التزامه
بشريعة الإسلام كاملة، وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقوّمات كلها يعتبر (فراغا)
بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له، ولا يصلحه كذلك! ومثل
هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٧].
٦- الحركة هي العنصر المكون لهذا المجتمع، فيقول: (إن
الحركة هي العنصر المكوّن لذلك المجتمع. فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية)
[في ظلال
القرآن: ٤ / ٢٠٠٧].
٧- الحركة المستمرة في المجتمع المسلم تفرز تلقائيًا
أقدار الناس بحسب الابتلاء والصبر، فالمجتمع كله يرشحهم ويزكيهم، فيقول: (حتى يحكم
الله بينهم وبين قومهم بالحق، ويمكّن لهم في الأرض -كما مكن للمسلمين أول مرة-
فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي، ويومئذ تكون الحركة من نقطة البدء إلى
قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق
الموازين والقيم الإيمانية، ويومئذ لن يحتاج هؤلاء إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها،
لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٨].
٨- لا يقال: إن المجتمع بعد أن يستقر فإنه يحتاج إلى عدم
تزكية النفس؛ لأن المجتمع في حالة حركة مستمرة، يستمر فيها إفراز مقامات الناس،
فيقول: (ولقد يقال بعد هذا: ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى. فإذا استقر المجتمع
بعد ذلك؟ وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين! إن هذا الدين يتحرك دائمًا ولا
يكف عن الحركة.. يتحرك لتحرير الإنسان) [في ظلال
القرآن: ٤ / ٢٠٠٨].
٩-
المجتمع المسلم المعاصر كله مجتمع جاهلي (كافر) فهو فراغ لا تعيش فيه الأحكام
الفقهية أصلا، فيقول: (وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر -بالقياس إلى طبيعة
النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية- فراغًا لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن
تطبق فيه هذه الأحكام) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٩].
١٠- يدعي المعرفة، وأنه هو وحده يعرف المخرج من هذه
المتاهة، فيقول: (أنا أعرف نقطة البدء في هذه المتاهة.. إنها هي افتراض أن هذا
المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه مجتمع مسلم، وأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه
الفقهية سيجاء بها لتطبق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العضوي الحاضر، وبقيمه
وأخلاقه الحاضرة! هذه نقطة البدء في المتاهة، ومتى بدأ منها الباحث فإنه يبدأ في
فراغ، ويوغل في هذا الفراغ، حتى يبعد في التيه، وحتى يأخذه الدوار! إن هذا المجتمع
الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي
ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام.. لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق
الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛
لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك)[في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٩].
١١- الدين حاليا لا يلبي احتياجات المجتمعات الجاهلية
الكافرة؛ لأنه لا يعترف بشرعية وجودها أصلًا، ولا يشغل باله بها، فيقول: (كما أن
ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها، ذلك
أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية ولا يرضى
ببقائها. ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها ولا
بتلبيتها كذلك) [في ظلال
القرآن: ٤ / ٢٠١٠].
١٢- لابد أولا وقبل كل شيء من محاربة العالم كله؛ لإنشاء
المجتمع المسلم، وحينئذ ينشأ له فقه جديد، فيقول: (وهذه الحركة لا بد أن تواجه
الفتنة والأذى والابتلاء. فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد، ويصدق الله من يصدقه فيقضي
نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق،
وحتى يمكن الله له في الأرض، وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع
المتحركون لتحقيقه بطابعه، وتميزوا بقيمه، وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات
تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها،
وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام وينشأ فقه إسلامي حي متحرك -لا في فراغ- ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠١٠].
١٣- لابد من إخضاع الناس ودخولهم في هذا الدين أولا، ثم
بعدها ينشأ التشريع لهم، فيقول: (ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس
دعاته، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والمجتمعات الجاهلية، والحاجات
الجاهلية، وأن يقولوا للناس -وللذين يستفتونهم بوجه خاص- تعالوا أنتم أولًا إلى
الإسلام، وأعلنوا خضوعكم سلفًا لأحكامه، -أو بعبارة أخرى- تعالوا أنتم أولًا
فادخلوا في دين الله، وأعلنوا عبوديتكم لله وحده، واشهدوا أن لا إله إلا الله
بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به، وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض
كإفراده بالألوهية في السماء وتقرير ربوبيته -أي حاكميته وسلطانه- وحده في حياة
الناس بجملتها، وتنحية ربوبية العباد للعباد، بتنحية حاكمية العباد للعباد، وتشريع
العباد للعباد، وحين يستجيب الناس -أو الجماعة منهم- لهذا القول، فإن المجتمع
المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود. وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط
الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي وينمو، لمواجهة حاجات ذلك المجتمع
المستسلم لشريعة الله فعلًا) [في ظلال
القرآن: ٤ / ٢٠١١].
١٤- وكل هذا لا يعني أن الأحكام الشرعية غير مطبقة
بالفعل، بل هي قائمة فعلا، لكن المجتمع المسلم الذي تقوم فيه هو الذي ليس موجودًا
ولا قائمًا، فيقول: (إن هذا لا يعني -بحال- أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في
الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلًا من الوجهة الشرعية، ولكنه يعني فقط أن
المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه -بل الذي لا
تعيش هذه الأحكام إلا به- ليس قائمًا الآن فعلًا، ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقًا
بقيام ذلك المجتمع، ويبقى الالتزام بها قائمًا في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع
الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي، ويتعرض لما يتعرض له من
يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية، وطواغيتها المتألهة، وجماهيرها الخاضعة للطواغيت
الراضية بالشرك في الربوبية) [في ظلال
القرآن: ٤ / ٢٠١٣].
١٥- وأخيرًا فإن هذا
يكشف لنا سر سعي سيدنا يوسف للإمارة في نظره، لأنه كان يعيش في مجتمع جاهلي، لا
تنطبق فيه قاعدة عدم تزكية النفس، فيقول: (ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة
الحكم في موقف يوسف عليه السلام، إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة
عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية، كما أنه كان يرى أن
الظروف تمكن له من أن يكون حاكمًا مطاعًا لا خادمًا في وضع جاهلي) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠١٣].