Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قضية التمكين.. الفهم المتخبط لجماعات التطرف في ميزان العلم

الكاتب

الأستاذ الدكتور/ أسامة الأزهري(وزير الأوقاف)

قضية التمكين..   الفهم المتخبط لجماعات التطرف في ميزان العلم

يتلخص مفهوم التمكين الوارد في القرآن الكريم في كلمة واحدة، ألا وهي: العمران، وفبه تكون كل مؤسسات الوطن عاملة ومنتجة، فتقل معدلات الفــقر، وألا يوجد مُشردون ولا أطفال شوارع، وأن توجد رفـــاهية، وأن يكون هناك إنتاج ضخم يرجع على البحث العلمي بمزيد من الإتقــان والتطوير، وأن يتم إكرام الإنسان، والحفاظ على البيئة والموارد، كل ذلك مع الإيمان، ومنظومة القيم.

تفاصيل المحتوى

مقدمة

يُقدّم القرآن الكريم نموذجًا فريدًا للتمكين الإلهي من خلال سيرة ذي القرنين، الذي ذكره الله تعالى في سورة الكهف بوصفٍ بالغ الدقة: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [الكهف ٨٤]، ويكشف هذا النموذج عن أن التمكين ليس غاية سياسية ولا مشروعًا سلطويًا، بل هو ثمرة لتسخير الأسباب، وتفعيل المعارف، وبناء الحضارة. وفي مقابل هذا المفهوم القرآني العميق، طرحت بعض التيارات المتطرفة رؤى مغلوطة تختزل التمكين في السيطرة والقوة، متجاهلة البُعد الأخلاقي والمعرفي الذي أسسه القرآن.

ويستعرض هذا المقال أبعاد هذا النموذج الرباني، ومدى ارتباطه بالعلم والعمران، بعيدًا عن الخطاب الحركي المؤدلج.

مفهوم "التمكين" كما تطرحه التيارات الإسلامية المتطرفة

تمثل فكرة التمكين عصبًا جوهريًا، وأساسًا محوريًا، للمنظومة الفكرية الكاملة لفكر جماعة الإخوان، ولسائر التيارات التي خرجت من رحمها، حيث تم طرحة والتنظير له بطريقة تحوله الى عمل سياسي حركي منظم، يتماشى مع السياق العام لنظرياتهم المتعددة، المنطلقة من تكفير عموم المسلمين، بشعوبهم، وأنظمتهم، وحكوماتهم، وشيوخهم، ومؤسساتهم، وأن هذا حتمي، مع القيام بمجموعة أعمال دمويةٍ ضد المجتمعات المسلمة أسموها ظلمًا وعدوانًا بالجهاد، ثم انتقلوا بعد ذلك كله إلى التنظير لفكرةٍ أسموها بالتمكين، يريدون بها مجموعة الإجراءات والمساعي والتدابير، التي يخططون لها، للوصول إلى السلطة، وإقامة كيان سياسي، يتصورون أنه هو السبيل الوحيد لإقامة الدين.

التصورات والتأويلات المنحرفة عند التيارات المتطرفة

وقد توصلوا إلى صناعة تلك التصورات الظالمة المظلمة، عن طريقِ سيلٍ من التأويلات المنحرفة، والأفهام السقيمةِ الملتبسة، التي صُنِعتْ بالحماس والانفعال والمشاعر والأدبيات فقط، مع افتقاد تام وفقر شديد في أدوات المعرفة، التي تمكنهم من النحت والتصنيع والاستخراج للمفاهيم القرآنية، على نحوٍ يحقق مقاصد القرآن، ويحترم تجربةَ المسلمين عبر التاريخ في فهمه وتطبيقه.

الأدوات العلمية لصناعة المفاهيم واستخراج القضايا من القرآن

إن صناعة المفاهيم واستخراج القضايا والمدلولات من القرآن، هي عملية صناعة معرفية ثقيلة، لابد لها من أدوات علمية، ومفاتيح، ومعايير ومقاييس، وضوابط تضمن صحة الفهم، وموازين تعين على قياس مدى انطباق ذلك الفهم على مراد القرآن ومقصده. إنها عملية علمية مهيبة، ودقيقة؛ لأنها تصون الوحي الشريف من أن ينسب إليه أحد أفهاما مفعمة بالأهواء البشرية، تترجم عنه ترجمة غير أمينة ولا مطابقة لمقاصده، ثم تناضل عن أفهامها تلك، وتعتبرها حقا مطلقا، له قداسة النص الشريف.

ومن أجلِّ وأكمل مقاصد أهل العلم أن يتابعوا في كل زمان ما يطرأ ويجد ويستحدث من الأفهام والأطروحات التي تنسب نفسها للوحي، لترى ما له أصل تحتمله أدوات الفهم ومناهجه فيبقى -وإن اختلفت فيه الأفهام والمدارك-، ولترى ما هو هوى بشري محض، وانفعال بحت، يحاول تقويل القرآن ما لم يقل، وينسب هواه إلى الوحي الشريف.

معيار قياس الأفهام المنضبطة

ومعيار قياس الأفهام التي يصح انتسابها للوحي دون غيرها هو استخدام قواعد أصول الفقه، وعلوم البلاغة من المعاني والبيان، والقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة، ومعرفة ما أجمع عليه المسلمون، مع الصبر والتمرس بمدارك أئمة الاجتهاد وأهل العلم، ومعرفة التجربة التاريخية التي تراكمت عند المسلمين من تحويل آيات القرآن إلى برامج عمل تفرز البصيرة والهداية، وتتلاءم وتنسجم مع ظروف كل عصر وزمن.

الفهم المغلوط لقضية التمكين عند الجماعات المتطرفة

وقد أخرجت تلك التيارات المتطرفة فهمًا مغلوطًا في قضية التمكين، فأتوا بتصور انفعالي متخبط، لا يجمع النصوص القرآنية الواردة في هذه القضية، ولا يُحْسن تركيبها وتنسيقها، ولا يصبر على سبر مدلولات ألفاظها وسياقاتها، ولا يقايس نتائج فهمه إلى بقية موارد الشرع حتى تنسجم الأفهام ولا يصدم بعضها بعضا.

غياب المنهجية العلمية في فهم النصوص

وبسبب غياب هذه المنهجية أخذوا آية من كتاب الله، صوروا معها مفهوم التمكين الذي يتحدث عنه القرآن على أنه مجموعة إجراءات تتيح للإنسان السعي إلى السلطة، مستبطنا احتكاره للإسلام، وأنه وحده دون غيره الأحق بإقامته، وأنه يمتلك -دون بقية المسلمين- وعدا إلهيا بنصره على بقية المسلمين، حيث إنه منطلق أساسا من تكفيره للمسلمين.

التمكين كمفهوم قرآني

تحليل نموذجي تمكين سيدنا يوسف وذي القرنين:

بينما إذا تركنا التنظير الذي أخرجته هذه التيارات، ورجعنا إلى معين القرآن، وجمعنا كل كلمة فيه مشتقة من أصل هذه المادة، كالـ(تمكين)، أو (مكن)، أو (نمكن)، أو (مكنا)، مما ورد في القرآن بلفظه، أو ما ورد فيه مما يفيد هذا المعنى بأي لفظ أو تعبير قرآني آخر، وجمعنا ذلك كله معا في صعيد واحد، ولو أننا ضممنا إلى ذلك أعلى نموذجين وصفهما الله تعالى بالتمكين، وهما نموذج سيدنا يوسف، ونموذج ذي القرنين، لوجدنا أننا نسبح في أنوار وآفاق رحيبة، من نظرية قرآنية، تختلف تمام الاختلاف عما يُنَظّر له هؤلاء.

والتمكين كما يطرحه هؤلاء فكرة في غاية اللبس، طرحتها التيارات الإسلامية على نحو يغير نظرة الإنسان تمامًا إلى دين الله، ومقاصده العليا الرفيعة، وما تثمره في البشرية من قيم وعمران وهداية ورحمة.

وعندما نتفقد معناها أو التعبير عنها أو مفهومها في كتابات الأئمة الكبار فإننا لا نجد لها أثرًا، حتى إن أشد المعاصرين من الإخوان المسلمين تحمسًا ولهجًا بها، وهو الدكتور على محمد الصلابي وقد قدم أطروحة جامعية في السودان عن (فقه التمكين في القرآن الكريم)، فإنه يقول في أولها: (وعلى حد اطلاعي المحدود على هذا الفقه، تعتبر أبحاثه جديدة، حيث بدأت الكتابة فيه والإشارة إلى أهميته مؤخرا)، إلى أن قال: (وقد رأيت أن مادة فقه التمكين من أهم الأبحاث والأطروحات التي يجب أن يهتم بها الباحثون) [فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم أنواعه، شروطه، أسبابه، مراحله وأهدافه: ص٦، مؤسسة اقرأ، القاهرة، ٢٠١٤م].

وسبب ذلك هو عمق فهم الأقدمين لمفهوم التمكين كما يطرحه القرآن، وأنه نتيجة وأثر لمجموع أوامر القرآن بالإيمان، والأخلاق، والهداية، والجد، والعمل، والعمران، والحضارة، والبحث العلمي المنتج لمنظومة العلوم الإنسانية على قاعدة الوحي وأساسه، فإذا انطلق المسلمون في تلك المقدمات وأقاموا تلك المبادئ، أوجد الله تعالى لهم بين العالم صيتًا حسنًا، وسمعة عالية، بحيث يشيع لهم في العالمين أفضل الذكر، ويعرف العالم عنهم الحضارة والعمران، وتأصيل دوائر العلوم في مختلف المجالات، فتطلب الحضارات ما عندهم من أسرار العلم والمعرفة، ويرحلون إلى ديارهم للتعلم، ويرون منهم أحسن الأخلاق وأزكاها، فتكون الأمة دالة على الله تعالى بمسلكها وتطبيقاتها، قبل الدلالة إليه بالعلم والنقاش والمناظرة، فهذا الأثر الذي يشيع في الأمم، من استحكام قواعد الحضارة ودوائر العلوم عندهم، هو الذي يسميه الله تعالى تمكينا، فلم يكن المسلمون مشغولين بتحقيق قضية التمكين عبر تاريخهم؛ لأنها نتيجة وليست إجراء ولا مقدمة.

التمكين كأثر للحضارة

ولأجل هذا عبر الله تعالى بوصف التمكين في حق عدد من الأمم التي أهلكها الله بذنوبها، لأن التمكين في حقهم هو إحكام القبضة على علوم الحضارة، فشاع لهم بين الأمم صيت بما يحسنونه، رغم أنهم منطلقون من أساس غير إيماني، إلا أن التمكين قد يكون لحضارة مؤمنة فيتحول التمكين إلى أساس للتعريف بمحاسن هذا الدين، أو أن يوجد في يد حضارة لا تنطلق من أساس الإيمان، فتتحول مناهج البحث العلمي عندها إلى منهجيات تُنَحّي وتستبعد قضية الألوهية من منظومة الفكر، وهذا هو الواقع عبر تاريخ البشرية، من التدافع المعرفي الفكري بين من ينظر لفكرة الإيمان ومن يتجافى عنها.

فلما أن جاءت التيارات المتطرفة، وبدأت بتكفير عموم المسلمين، وادعوا انقطاع الدين، وأن البشرية كلها غارقة في الجاهلية التي هي كفر، بدأوا يخططون لكيفية إقامة الدين حسب فهمهم، مع قصور شديد في أدوات فهم الوحي، فانتزعوا مفهوم التمكين، وحملوه على المعنى الذي يقومون هم به، وحولوه من نتيجة إلى مقدمة، ومن صنع إلهي يفتحه الله لمن رأى فيه الجد، إلى إجراءات يقومون هم بها، ويقاتلون دونها، وذلك من خلال طرق مضطربة في استكشاف الوحي واستخراج معانيه.

مركزية فكرة التمكين عند التيارات المتطرفة (الصلابي)

ومما يدل على مدى مركزية فكرة التمكين في منظومة فكر التيارات المتطرفة: قول علي الصلابي في كتابه: (فقه النصر والتمكين): (إن التمكين لدين الله هو الهدف الأكبر لكل مفردات العمل لأجل الإسلام، الدعوة بكل مراحلها وأهدافها ووسائلها، والحركة وكل ما يتصل بها من جهود وأعمال، والتنظيم وما يستهدفه في الدعوة والحركة، والتربية بكل أنواعها وأهدافها ووسائلها) [فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم أنواعه، شروطه، أسبابه، مراحله وأهدافه/ص٤٣٩].

ثم ينتقل الدكتور علي الصلابي إلى مبحث عنده عنوانه: (أهداف التمكين)، فيقول: (إن من القضايا المهمة التي يجب بحثها أهداف التمكين ومقاصده الأساسية، وإذا رجعنا لنصوص الكتاب والسنة نجد أن من أهداف التمكين ما يلي:

١- أن يتمكن المجتمع المسلم من إقامة سلطة سياسية) [فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم أنواعه، شروطه، أسبابه، مراحله وأهدافه: ص٤٥٣].

ومن العجيب أنه يتفرع بعد ذلك في مباحث تتناول هذا الهدف الذي هو إقامة سلطة سياسية، وما ينتج عنه، فيغرق في جزيئات تنتج في زعمه عن إقامة السلطة السياسية، ثم ينفرط منه الكلام إلى آخر الكتاب، فلم يذكر لنا هدفا آخر للتمكين بعد هذا الهدف الأول، والذي هو إقامة سلطة سياسية.

مراحل التمكين عند الصلابي

ثم ينتقل في شرح مراحل التمكين إلى مرحلة يسميها: (مرحلة المغالبة)، يقول فيها: (إن مرحلة المغالبة لابد لأفرادها أن يكونوا قد استوعبوا مفهوم الجهاد بعمومه، وأن تكون كافة الكوادر في جميع المجالات مستعدة للتحرك نحو تولي أمور الحكم، وتحكيم شرع الله تعالى، والتمكين لدينه، إن حركة المسلمين في مرحلة المغالبة تهز عروش الطغاة، وكلما قطعت الدعوة مرحلة من مراحلها ازداد فزع الظلمة، واقتربت نهاية الأحكام الجاهلية، إن سهام الدعوة موجهة إلى أسس تقوم عليها عروش الطغاة، ومن أهم هذه الأسس التي تسعى إلى نزعها: نزع مقاليد الحكم من أيديهم) [فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم: ص٤٣٣] .

فالتمكين عندهم فكرة تشتمل على أمور:

١- التمكين هو الهدف الأكبر لكل مفردات العمل لأجل الإسلام.

٢- هدف التمكين إقامة سلطة سياسية.

٣- أهم مراحل التمكين هي المغالبة.

٤- المغالبة هي الجهاد في نظره.

٥- حركة المغالبة والجهاد تهز عروش الطغاة، وتنهي حكم الجاهلية وتنزع مقاليد الحكم من أيديهم.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.  

أساس الاستدلال في قضية التمكين عند التيارات المتطرفة

وأساس الاستدلال عند هذه التيارات هو الآية الكريمة: {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ} [سورة يوسف، الآية ٥٥]، فقالوا هذا دليل قرآني على مشروعية السعي إلى الإمارة وطلب الحكم والقيام به، وربما وجدوا شيئا من عبارات المفسرين تدل على هذا، وغابت النظرية القرآنية الأصيلة التي تشرح التمكين الذي هو سنة إلهية، وجاء سيد قطب في هذه الآية بكلام في غاية الخطورة، ومفاهيم في غاية الالتباس.

حيث إن من يطالع (ظلال القرآن) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦ – ٢٠١٣] في تفسير هذا الموضع يجد نفسه أمام نظرية متكاملة تستحق وحدها كتابا تفصيليا لمناقشتها وتفنيدها، لشدة غرابة الطرح الذي أورده في هذا الموضع.

وسوف ألخص هنا معالم نظريته تلك، في نقاط محددة، ثم نعلق عليها تعليقات يسيرة، نبين فيها مدى الخلط العميق واللبس الهائل، الذي وقع عنده في فهم فكرة التمكين كما يشرحها القرآن، وكيف أنه انطلق إليها بتصورات مظلمة، مسخت المفهوم القرآني، وامتهنته.

والمنطلق الذي تحرك منه سيد قطب هو أن فقهاء الإسلام وقفوا هنا وقفة تفكير، بين قول يوسف عليه السلام: {ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ} [سورة يوسف، الآية ٥٥]، مع ما توهمه من أنه طلب الإمارة وسعى إليها، في مقابل الهدي النبوي الذي نهى عن السعي للإمارة وطلبها، حيث روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن سمرة أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإمارَةَ، فإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها عن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإنْ أُعْطِيتَها عن غيرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عليها» [صحيح مسلم: ٦/ ٥، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة، ط: دار النوادر، دمشق، ١٤٣٣هـ-٢٠١٢م.].

والعقل المسلم يدرك أن القرآن وحي من عند الله، وأن السنة النبوية المشرفة وحي من عند الله، فلا تناقض بينهما، وأن المسالك العلمية الدقيقة تستخرج وجوه الربط والتوافق، التي تنسجم بها نصوص الوحيين الشريفين.

فتعددت مناهج العلماء في الكشف عن وجوه الربط والتناسق والانسجام بين مفردات الوحي الإلهي الموجود في قول يوسف: {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ} [سورة يوسف، الآية: ٥٥]، مع ما توهمه من أنه سعى وطلب، مع الهدي النبوي المحمدي الذي يتلخص في شعار: (لا تسأل الإمارة).

لكن سيد قطب أتى في الجواب على ذلك بنظرية غريبة جدًا، تدل على مدى ما تورط وأمعن فيه ذلك العقل من ظلمات، يتخبط بها في تصوراته ومفاهيمه وقناعاته التي ينتهي إليها.

معالم نظرية سيد قطب وغرابتها

وتتكون نظرية سيد قطب هنا من عدة أمور:

١- اتهام عقول الفقهاء وعقلية الفقه كلها بأنها خمدت وجمدت في قرون الخمود والركود.

٢- الفقه نشأ من خلال حركة مجتمع مسلم، والمجتمع بحركته هو الذي أنشأ الفقه.

٣- التفرقة بين فقه الحركة وفقه الأوراق، واتهامه من لم يعرف ذلك بأنهم ليسوا فقهاء وليس لديهم فقه بطبيعة الفقه ولا بطبيعة هذا الدين أصلًا.

٤- الأحكام الفقهية لم تنشأ في فراغ، ولا تعيش في فراغ، وهو يقصد بذلك الإشارة إلى زوال الأمة المسلمة، لأنه كفرها ووصفها بالجاهلية والشرك، فزالت الأحكام الفقهية بزوال الأمة في نظره.

٥- عدم تزكية النفس وترشيحها للمناصب حكم فقهي نشأ في مجتمع مسلم ليطبق في مجتمع مسلم، فإذا انعدم المجتمع المسلم زالت الأحكام الفقهية.

٦- الحركة هي العنصر المكون لهذا المجتمع.

٧- الحركة المستمرة في المجتمع المسلم تفرز تلقائيًا أقدار الناس بحسب الابتلاء والصبر، فالمجتمع كله يرشحهم ويزكيهم.

٨- لا يقال: إن المجتمع بعد أن يستقر فإنه يحتاج إلى عدم تزكية النفس؛ لأن المجتمع في حالة حركة مستمرة، يستمر فيها إفراز مقامات الناس.

٩- المجتمع المسلم المعاصر كله مجتمع جاهلي (كافر) فهو فراغ لا تعيش فيه الأحكام الفقهية أصلا.

١٠- يدّعي سيد قطب المعرفة، وأنه هو وحده يعرف البدء في هذه المتاهة.

١١- الدين حاليا لا يُلبي احتياجات المجتمعات الجاهلية الكافرة؛ لأنه لا يعترف بشرعية وجودها أصلا، ولا يشغل باله بها، والمجتمعات الجاهلية هنا هي مجتمعات المسلمين، لكن بعد أن قام هو بتكفيرها.

١٢- لابد أولًا وقبل كل شيء من محاربة العالم كله؛ لإنشاء المجتمع المسلم، وحينئذ ينشأ له فقه جديد.

فهو يريد أن يصطدم بالعالم كله، ثم يسمى هذا جهادا، فقام أولًا: بتكفير الناس، ثم حرمهم من الفقه، ثم ينطلق ليحاربهم ليخضعهم، وينشئ لهم الفقه بعد ذلك.

١٣- لابد من إخضاع الناس ودخولهم في هذا الدين أولا، ثم بعدها ينشأ التشريع لهم.

١٤- كل هذا لا يعني أن الأحكام الشرعية غير مطبقة بالفعل، بل هي قائمة فعلًا، لكن المجتمع المسلم الذي تقوم فيه هو الذي ليس موجودًا ولا قائمًا.

١٥- وأخيرًا فإن هذا يكشف لنا سر سعي سيدنا يوسف للإمارة في نظره؛ لأنه كان يعيش في مجتمع جاهلي، لا تنطبق فيه قاعدة عدم تزكية النفس.

***

فهذه هي الأركان الظلمانية الظالمة التي تتكون منها نظرية الفقه عند سيد قطب، وسوف نورد لك كل نقطة مصحوبة بنص كلامه، ثم نعقب عليها بما يكشف مقدار ما فيها من جناية على الإسلام والمسلمين، ومن انتهاك لحرمة القرآن بالتعدي على آياته ومعانيه، وإلصاق الأفهام الحائرة المضطربة المظلمة بها.

ويكفي قبل النقد والبيان أن يشهد رجل كالدكتور يوسف القرضاوي على سيد قطب بعدم معرفته بالفقه أصلا، فيقول: (لو أُتيح له دراسة الفقه الإسلامي، والعيش في كتبه ومراجعه زمنًا، لغيَّر رأيه، ولكن تخصصه ولون ثقافته لم يتح له هذه الفرصة، وبخاصة أن مراجع الفقه بطريقتها وأسلوبها لا تلائم ذوقه الفني الرفيع).

التصور الظلامي لكثير من القضايا عند سيد قطب من خلال كتابه (في ظلال القرآن)

واستمع إلى عبارات سيد قطب بحروفها وكلماتها في كل قضية وعنصر من العناصر السابقة:

١- اتهام عقول الفقهاء وعقلية الفقه كلها بأنها خمدت وجمدت في قرون الخمود والركود، فيقول: (لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد أعماقًا، وأوسع آفاقًا من أن يرتكن إلى هذا الوجه وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بد من إدراكها، لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص، ولإعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها، والتي خمدت وجمدت في عقول الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود!) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦].

٢- الفقه نشأ من خلال حركة مجتمع مسلم، والمجتمع بحركته هو الذي أنشأ الفقه، فيقول: (إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ، كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ! لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية. كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم، إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي، وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتا الدلالة كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦].

٣- التفرقة بين فقه الحركة وفقه الأوراق، واتهامه من لم يعرف ذلك بأنهم ليسوا فقهاء وليس لديهم فقه بطبيعة الفقه ولا بطبيعة هذا الدين أصلا، فيقول: (الذين يفعلون ذلك ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ وكأنها اليوم يمكن أن تعيش في فراغ، هؤلاء ليسوا (فقهاء)! وليس لهم (فقه) بطبيعة الفقه! وبطبيعة هذا الدين أصلًا! إن (فقه الحركة) يختلف اختلافًا أساسيًا عن (فقه الأوراق) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦].

٤- الأحكام الفقهية لم تنشأ في فراغ، ولا تعيش في فراغ، فيقول: (من ثم فليس هنالك حكم فقهي واحد مستقل بذاته، يعيش في فراغ، لا تتمثل فيه عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها.. إنه لم ينشأ في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ!) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٦].

٥- عدم تزكية النفس وترشيحها للمناصب حكم فقهي نشأ في مجتمع مسلم ليطبق في مجتمع مسلم، فإذا انعدم المجتمع المسلم زالت الأحكام الفقهية، فيقول: (فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي، وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي، وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي، إسلامي في نشأته، وفي تركيبه العضوي، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة، وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقوّمات كلها يعتبر (فراغا) بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له، ولا يصلحه كذلك! ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٧].

٦- الحركة هي العنصر المكون لهذا المجتمع، فيقول: (إن الحركة هي العنصر المكوّن لذلك المجتمع. فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٧].

٧- الحركة المستمرة في المجتمع المسلم تفرز تلقائيًا أقدار الناس بحسب الابتلاء والصبر، فالمجتمع كله يرشحهم ويزكيهم، فيقول: (حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق، ويمكّن لهم في الأرض -كما مكن للمسلمين أول مرة- فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي، ويومئذ تكون الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق الموازين والقيم الإيمانية، ويومئذ لن يحتاج هؤلاء إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها، لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٨].

٨- لا يقال: إن المجتمع بعد أن يستقر فإنه يحتاج إلى عدم تزكية النفس؛ لأن المجتمع في حالة حركة مستمرة، يستمر فيها إفراز مقامات الناس، فيقول: (ولقد يقال بعد هذا: ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى. فإذا استقر المجتمع بعد ذلك؟ وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين! إن هذا الدين يتحرك دائمًا ولا يكف عن الحركة.. يتحرك لتحرير الإنسان) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٨].

٩- المجتمع المسلم المعاصر كله مجتمع جاهلي (كافر) فهو فراغ لا تعيش فيه الأحكام الفقهية أصلا، فيقول: (وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر -بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية- فراغًا لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٩].

١٠- يدعي المعرفة، وأنه هو وحده يعرف المخرج من هذه المتاهة، فيقول: (أنا أعرف نقطة البدء في هذه المتاهة.. إنها هي افتراض أن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه مجتمع مسلم، وأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية سيجاء بها لتطبق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العضوي الحاضر، وبقيمه وأخلاقه الحاضرة! هذه نقطة البدء في المتاهة، ومتى بدأ منها الباحث فإنه يبدأ في فراغ، ويوغل في هذا الفراغ، حتى يبعد في التيه، وحتى يأخذه الدوار! إن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام.. لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك)[في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠٠٩].

١١- الدين حاليا لا يلبي احتياجات المجتمعات الجاهلية الكافرة؛ لأنه لا يعترف بشرعية وجودها أصلًا، ولا يشغل باله بها، فيقول: (كما أن ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها، ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية ولا يرضى ببقائها. ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها ولا بتلبيتها كذلك) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠١٠].

١٢- لابد أولا وقبل كل شيء من محاربة العالم كله؛ لإنشاء المجتمع المسلم، وحينئذ ينشأ له فقه جديد، فيقول: (وهذه الحركة لا بد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء. فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد، ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وحتى يمكن الله له في الأرض، وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه، وتميزوا بقيمه، وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها، وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام وينشأ فقه إسلامي حي متحرك -لا في فراغ- ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠١٠].

١٣- لابد من إخضاع الناس ودخولهم في هذا الدين أولا، ثم بعدها ينشأ التشريع لهم، فيقول: (ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والمجتمعات الجاهلية، والحاجات الجاهلية، وأن يقولوا للناس -وللذين يستفتونهم بوجه خاص- تعالوا أنتم أولًا إلى الإسلام، وأعلنوا خضوعكم سلفًا لأحكامه، -أو بعبارة أخرى- تعالوا أنتم أولًا فادخلوا في دين الله، وأعلنوا عبوديتكم لله وحده، واشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به، وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء وتقرير ربوبيته -أي حاكميته وسلطانه- وحده في حياة الناس بجملتها، وتنحية ربوبية العباد للعباد، بتنحية حاكمية العباد للعباد، وتشريع العباد للعباد، وحين يستجيب الناس -أو الجماعة منهم- لهذا القول، فإن المجتمع المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود. وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي وينمو، لمواجهة حاجات ذلك المجتمع المستسلم لشريعة الله فعلًا) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠١١].

١٤- وكل هذا لا يعني أن الأحكام الشرعية غير مطبقة بالفعل، بل هي قائمة فعلا، لكن المجتمع المسلم الذي تقوم فيه هو الذي ليس موجودًا ولا قائمًا، فيقول: (إن هذا لا يعني -بحال- أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلًا من الوجهة الشرعية، ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه -بل الذي لا تعيش هذه الأحكام إلا به- ليس قائمًا الآن فعلًا، ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقًا بقيام ذلك المجتمع، ويبقى الالتزام بها قائمًا في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي، ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية، وطواغيتها المتألهة، وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠١٣].

١٥-    وأخيرًا فإن هذا يكشف لنا سر سعي سيدنا يوسف للإمارة في نظره، لأنه كان يعيش في مجتمع جاهلي، لا تنطبق فيه قاعدة عدم تزكية النفس، فيقول: (ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة الحكم في موقف يوسف عليه السلام، إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية، كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكمًا مطاعًا لا خادمًا في وضع جاهلي) [في ظلال القرآن: ٤ / ٢٠١٣].

الرد على التصور الظلامي العدواني عند سيد قطب

وبعد هذه التصور الصارخ العدواني الظالم، إليك التعقيب:

١- ما زال كل ذلك الكلام منطلقًا ومبنيا ومستصحبًا وقائمًا على الأصل والركيزة الأولى، التي صنعت عقلية سيد قطب، ألا وهي قضية تكفير المجتمع، ورميه بالجاهلية التي هي شرك، والحكم بانقطاع هذا الدين عن الوجود، والحكم بحتمية الاصطدام به، ومحاربته، لصناعة مجتمع مسلم أصلا.

ففي كتاب: (العدالة الاجتماعية في الإسلام): (وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم –على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام- لا نرى لهذا الدين "وجودا"، إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر) [العدالة الاجتماعية في الإسلام/ص١٨٣/ ط: دار الشروق، القاهرة، سنة ١٤١٥هـ-١٩٩٥م].

وقال في كتاب: (معالم في الطريق): (إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة) [معالم في الطريق/ص٨].

فنحن أمام أطروحة تكفر المسلمين، بل وتحكم بوقوع كفرهم وتحققه منذ قرون مضت، ثم تأتي الخطوة الثانية وهي رفع أحكام الفقه؛ لانعدام المجتمع الذي يمكن أن تعيش فيه أصلا.

٢- هذه الأطروحة السابقة بكل مفرداتها في غاية الخطورة؛ لأن دعوى انقطاع الدين، وعموم الجاهلية، وانعدام الفقه وأحكامه وفروعه بالتبعية، فيها عدوان على الدين الإسلامي والرسالة المحمدية، التي جعلها الله تعالى خاتمة الرسالات، وجعلها رحمة للعالمين، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، فجعلها سيد قطب أمة كفر وجاهلية وشرك منذ قرون.

٣- كلامه نابع من جهل مطبق وغياب تام لطبيعة هذا الدين، وكيفية المعيشة به في مختلف الظروف والأحوال، فلقد عاش المسلمون بالإسلام ثلاث عشرة سنة في مكة وهي تعاديهم وتعادي الدين تماما، وعاش المسلمون بهذا الدين في الحبشة في وسط يخالفهم لكنه لا يعاديهم بل يرحب بهم، وعاش المسلمون بهذا الدين في المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا أقلية في وسط متعدد، فيه اليهود والأوس والخزرج وأكثرهم على غير الإسلام، وعاش المسلمون بهذا الدين في العهد المدني الثاني بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، والمسلمون حينئذ أكثرية، فحصلت التعددية، واتسع المسلمون لغيرهم، وانفتحوا عليهم، فقدم لنا هذا الدين النماذج الأربعة للمعيشة بالدين في أوساط مختلفة، وأجواء متغايرة، فيأتي هذا الفكر القطبي ليدعي أن دين زال أصلا، وأنه قد انقطع.

٤- رَميُ الفقهاء بالخمود والركود عدوانٌ كبير على تاريخ العلم في الأمة الإسلامية، وغيابٌ تام عن رصد حركة الفقهاء، وكيف رصدوا وتتبعوا وراقبوا وفتشوا ونقبوا عن كل نازلة أو كائنة أو حادثة أو واقعة طرأت في ديار المسلمين، ثم اجتهدوا في تصويرها وتكييفها وفحصها، حتى استخرجوا لها حكما شرعيا؛ لكمال بصرهم بالشرع الشريف ومقاصده وأدواته، وقد جمع الشيخ محمد أبو المزايا الكتاني كتابًا اسمه: (طبقات المجتهدين)، جمع فيه نحو خمسة آلاف مجتهد، عبر طبقات الأمة، مما يدل على أن هذا الشأن لم ينقطع، ولم يغلق بابه في أي زمن، ولا جيل.

٥- التعدي على مقام نبي الله يوسف، والادعاء بأنه عاش في زمن جاهلي، ترتفع فيه الأحكام الفقهية، ولا يخاطب هو بها؛ لأن الفقه وأحكامه لا تعيش في فراغ، جهل كبير بمقام نبي كريم، لا يحتكم إلى فقه سابق، بل يأتي إليه الوحي في كل نازلة بالبيان الإلهي.

٦- سيدنا يوسف عليه السلام لم يطلب الإمارة، ولا سعى إليها، والاستدلال بقوله {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ} [سورة يوسف، الآية ٥٥] غلطٌ كبيرٌ في فهم جهة الدلالة، وغياب عن سياق القرآن، وتحميل لدلالات القرآن وتصرفات الأنبياء لأوهام وأفهام حائرة في أذهانهم هم، فيسقطونها على تصرفات أنبياء الله ودلالات القرآن، فيستنطقون القرآن بما لم ينطق به، ويقولونه مالم يقله، ويجعلون تصوراتهم المسبقة حاكما وقائدا، وهذا كله غلط عظيم.

٧- مفتاح فهم الآية الكريمة: {ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ} [سورة يوسف، الآية ٥٥] هو العلم، حيث وصف الله تعالى يوسف بالعلم في عدد من الآيات المتتالية، ولما ظهر مقتضى علمه المبهر بتصريف شئون الزراعة وإدارة الأزمة في حادث المجاعة، شهد له الشعب المصري العريق في الزراعة بأنه أوتي فهمًا وعلمًا وخبرة يندر وجود نظير لها، فأرسل إليه الملك مرارا يطلبه ويوسف يأبى، فلما قابله الملك عرض عليه من المناصب ما يشاء، فاكتفى يوسف بعد إلحاحهم بأن يكون وزيرا أو مستشارا للاقتصاد، فلم يطلب الإمارة أصلا، ولم يسع إليها قط، بل دُعي وطُلِب إليها، وعُرضت عليه بإلحاح وكان يأبى، وسيأتي شرح ذلك بتفصيل وتطويل لتبديد الخطأ في فهم هذه الآية الكريمة. 

المفهوم الأصيل للتمكين في القرآن الكريم (رؤية الأزهر الشريف)

وإليك دراسة وافية حول قضية التمكين، من خلال عقل الأزهر الشريف، ومناهج الاستنباط عنده:

- عبر الله تعالى بكلمة التمكين مرات في حق المؤمن والكافر، وفي الأمم السابقة، وفى حق البشرية عمومًا، وحيث تكلم الله تعالى عن التمكين جعله منسوبًا إليه هو سبحانه، فنلاحظ أن الله تعالى في كل المواضع التي تكلم فيها عن التمكين جعلها تصرفًا إلهيًا، وليس تكليفًا بشريًا، إنه معنى يصنعه الله، وليس حكما تكليفيًا، فيقول سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف ١٠].

معنى التمكين في رحاب القرآن الكريم

ومعنى التمكين هنا هو أن الله تعالى هيَّأ في هذا الكوكب الأرضي مجال الجاذبية، ودرجة الحرارة والطقس بطريقة معينة، وأوجد الغلاف الجوي والأشجار، وعملية البخر والسحاب والأمطار، وجريان الأنهار، ووجود الزروع والثمار، فسمى الله هذا الخلق الإلهي بالتمكين، حيث لم يجعلنا سبحانه نقيم على المريخ ولا على الزهرة ولا على القمر؛ إذ لم يوجد في تلك الكواكب والأجرام أمثال هذه العوامل، فما أجراه الله في هذا الكون من تمهيد وتصرف إلهي سماه تمكينًا للإنسان.

- بل جعل الله تعالى التمكين شيئًا يحدث مع غير المسلم: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} [سورة الأنعام، الآية ٦]، فانظر مقدار النعم والثروات الطبيعية التي هيأها الله لهم، وجعل عندهم وفرة من الأمطار، فتوجد الغابات، وتنشأ الزراعة، وتوجد ثروة سمكية، ثم قال سبحانه: {وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ [سورة الأنعام، الآية ٦] ، فما زالت الثروات تتراكم عندهم، مما يعني وجود وفرة ورخاء، فهذا كله من صور التمكين، لكن هذا التمكين ليس مقيدًا ولا مرتبطًا بالإيمان، بدليل قوله سبحانه بعدها: {أَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ } [سورة الأنعام، الآية ٦]، فهناك ثروات تملأ الأرض، وهناك برامج، وخطط عمل، وهناك تنفيذ، فيقع شيء اسمه التمكين، لكن هذا التمكين قد يوجد مع الإيمان، كما يوجد مع عدم الايمان، فهؤلاء قوم ليسوا بمسلمين، ولكن عبر الله تعالى عما آتاهم من تصرف وجاه ونفوذ دولي وأممي وسياسي في زمانهم بالتمكين، وأنه سبحانه هو الذي آتاهم ذلك بتصرف إلهى محض.

ويقول الله تعالى: لَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [سورة الحج الآية٤١].

ويقول أيضًا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور ٥٥].

فكرة التمكين في حق الأمم

إن فكرة التمكين في حق الأمم مثلها كمثل فكرة المحبة والمودة في حق الأشخاص، أي: لا يمكن أن نُكلف إنسانًا ونقول له: اصنع محبتك في قلوب الناس، بل نقول له: أحسن معاملة الناس، وخالقهم بخلق حسن، وأنصفهم من نفسك، وحينئذ يلقي الله محبتك في قلوبهم، وقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض» [صحيح البخاري:٢/ ٦٢٩، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، جمعية المكنز الإسلامي، القاهرة، ١٤٢١هـ].

فالذي نستطيع تكليف الإنسان به هو مجموعة من الأحكام الأخلاقية السلوكية التي يمكن أن يفعلها بطريقة ناجحة، فيوجد الله له القبول، أو تصدر عنه بطريقة صادمة، فتزيده بغضًا في قلوب الناس؛ لأنه متكلف ومتصنع ومتعالٍ، يفتخر على الناس بسلوكه الطيب.

فكيف إذا جاء إنسان ثم قال: سأسعى لإيجاد محبتي في القلوب، ويضع لذلك خططا وإجراءات، ويقاتل عنها، فكذلك فعلت التيارات في قضية التمكين.

وقد أمر الله تعالى الناس بعبادته وتوحيده، والإيمان به، ثم أمرهم بالعمران والحضارة والرخاء، وإكرام الإنسان، وبحفظ الأنفس والعقول والدماء، وتحرير العقول من الجهل، فإذا نحن كأمة قمنا بهذه الوظيفة بين الأمم مع احتكام الاقتصاد واستقرار نظامنا السياسي ونمو فكرنا التعليمي سيوقع الله لنا بين الأمم ما يسمى بالتمكين.

وفى الحقيقة فإننا عندما نغوص داخل النور القرآني الذي يتحدث عن التمكين، فإننا نجد أن ما سبق هو عُصارة عُصارة ما يمكن أن ينتجه العقل العلمي في الأزهر الشريف، المحتكم إلى الأصول والسنن الإلهية والقواعد الفقهية وآداب تحليل آيات القرآن وجمع الآيات التي وردت في نفس الموضوع على بصيرة.

التمكين لنبي الله يوسف عليه السلام

ومثال ذلك: سيدنا يوسف فقد قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة يوسف، الآية ٢١].

فأين التمكين، وقد اشتروه ليكون عبدًا؟

إنه تصرف إلهي، حيث جعل الله إلقاءه في الجب، الذي أفضى به إلى الرق، حتى يُحمَلَ إلى مصر، ليحتك معرفيًا بالناس الذين سيتحدثون مع الملك، فيشيع له صيت رفيع بالعلم والمعرفة، مما يجعل رجال الإدارة يسعون سعيا إلى استقطاب خبرته، والانتفاع بمعرفته، فجعل الله هذا المسار الذي يوصل صيته إلى الملك، وما تمتع به يوسف من خبرات معرفية جعلت الملك يلجأ إليه هو التمكين.

فالتمكين ثروة معرفية تُجبر الآخرين على احترام خبرتك والاستعانة بما عندك من خبرة، وانظر إلى هذا السياق: {قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [سورة يوسف، الآيات ٤٤ - ٤٧].

أي: أفتنا أيها الخبير العالمي في إدارة شئون الممالك والدول، كيف نفسر هذه القضية: {سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [سورة يوسف، الآية ٤٦]، ففسرها يوسف وحولها إلى خطط عمل، فكان التمكين في حقه ثروة معرفية، مكنته من بعد النظر، والتوقع المستقبلي للأزمات، وسبل حلولها والتعامل معها، وعندما أدلى يوسف عليه السلام بهذه الخبرة، {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}[سورة يوسف، الآية ٥٤.] ، فأوقع الله له القبول، فطلبه الملك بوصفه خبرة معرفية نادرة، فلما كلمه فوجئ بعقلية اقتصادية من الطراز الأول، فقال له: { إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ} [ سورة يوسف، الآية ٥٤] فترتب على ذلك:{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [سورة يوسف، الآية ٥٥]، فانظر كيف كان التمكين؟

ثم تأتي التيارات المتطرفة لتقتطع عبارة: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ} [سورة يوسف، الآية ٥٥]، وحدها، معزولة عن كل هذا السياق السابق، ثم يقولوا: إن هذه الآية تفيد مشروعية السعي إلى السلطة.

والخلاصة هنا: أن يثبت الإنسان ذاته معرفيًا وأن يُرِي الوطن منه خبرات تجعل الكل يقول له: أنت حَلَّالُ العُقَدِ، وتفضّل بتسيير الأمور أيًا كان توجهك، وذلك فقط لكونك خبيرًا وعالمًا ومتمكنًا من معارفك.

فالتمكين تصرف إلهي محض، يصنعه الله تعالى، ويوجده، ونحن مكلفون ببرامج عمل، منها عمارة الأرض، وبذل الجهد، وتنمية الخبرات العلمية، وبناء البلاد والأوطان، وعبادة الله وتزكية النفس، فإن نجحنا في كل هذه المقدمات والبرامج العملية، ألقى الله تعالى لنا سمعة عالمية تشيع في العالم من حولنا، ويمكن أن تسمى حين إذن بالتمكين، وهذا التمكين في حق الأمم والشعوب مثل المودة والمحبة في حق الأفراد، يوجدها الله في القلوب، ونحن فقط نسعى في أسبابها ومقدماتها.

مفاتيح التمكين عند يوسف عليه السلام

أولًا: مفتاح العلم:

- وأول مفتاح من مفاتيح مفهوم التمكين في حق سيدنا يوسف هو مفتاح العلم، حتى تكرر هذا المفتاح مرات كثيرات، فاسمع قول سيدنا يعقوب: {وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ} [سورة يوسف، الآية ٦]، فتعليم الأحاديث مفتاح معرفي مهم.

ثم جاء قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ} [سورة يوسف، الآية ٢١]، حتى قال: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ} [سورة يوسف، الآية ٢١]، فجاء مفتاح العلم مرة ثانية.

ثم قال سبحانه بعدها: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ} [سورة يوسف، الآية ٢٢]، فتكرر هذا المفتاح العلمي في حقه مرة أخرى.

ثم قال: {لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ} [سورة يوسف، الآية ٣٧]، فتكرر هذا المدخل والمفتاح العلمي للمرة الرابعة.

ولعل هذا هو السبب في تقديم العلم على الحكمة في سورة يوسف، في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} [ سورة يوسف، الآية ٦]، وفي آيتين أخريين من السورة، لأن تمكين يوسف عليه السلام نابع من مقتضيات العلم الإلهي الذي أفاضه الله عليه، بخلاف قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: {وبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ * فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ * قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ} [سورة الذاريات، الآيات ٢٨-٣٠]، حيث قدم الحكمة هنا على العلم؛ لأن إكرامه بالولد مع كبر السن من مقتضيات الحكمة الإلهية.

ثانيًا: خبرات ومواهب يوسف عليه السلام:

ثم وقعت الواقعة الجليلة التي أبرزت ما عند يوسف عليه السلام من خبرات ومواهب، وملكات، وثروة علمية ومعرفية، جعلت الشعب المصري بأكمله في ذلك الحين، والإدارة القائمة في البلاد هي التي تقول له: أدركنا بأبعادك المعرفية، وأخرج لنا من مناجم المعرفة والعلم الموجود عندك بعض الإجراءات والخطط التي تنقذ البلد من خطر اقتصادي داهم.

 وقد رأى الملك سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، ثم قال: {يأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ} [سورة يوسف، الآية ٤٣] فنحن في حاجة إلى خبرة معرفية تشرح لنا رموز هذا الحدث المستقبلي المقبل، {إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ} [ سورة يوسف، الآية ٤٣]، فما كان عندهم بُعْد معرفي يسعفهم، {قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ }[سورة يوسف ٤٤] ، فنفوا العلم، مما يؤكد النظرية القرآنية في التمكين وأن مفتاحها في حق سيدنا يوسف قائم على أساس العلم الذي تمتع به، ووهبة الله له.

ثم ظهر افتقاد هذا الأساس عند المجتمع في ذلك الحين، في قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ} [سورة يوسف، الآيات ٤٥-٤٦].

حيث نص الرجل المرسل إلى يوسف هنا على أن وجه احتياجهم إلى يوسف هو افتقادهم للسر العلمي المعرفي الذي سبق لهم عند احتكاكهم به أن رأوه فيه على نحو مبهر.

فانظر كم تكررت كلمة العلم في هذا السياق؟

فبدأ يوسف عليه السلام يظهر العلم المبهر، والحلول الفائقة للأزمة الاقتصادية: {قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا} [سورة يوسف، الآية ٤٧] خطة سبعية، {فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ} [سورة يوسف، الآية ٤٧]، فظهرت الحاجة إلى خطة زراعية واسعة، وخطط في التخزين، ومقادير محددة في الإنفاق والترشيد.

{ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ} [سورة يوسف ٤٨]، فدلهم على خطة تؤمن لهم غطاء من القمح، بحيث بقيت بقية مما يحصنون بعد مرور الأزمة وانتهائها، فالغطاء الذي وفره لهم تجاوز بهم الأزمة، {ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ} [سورة يوسف، الآية ٤٩]

نصيحةُ يوسف لقومه نابعةٌ عن علمٍ

ولاشك في أن نصيحته لهم بالزراعة قد كانت ملفا عمليا، خضع للنقاش، وجرت فيه تفاصيل، لم يذكرها القرآن على عادته القويمة في الاكتفاء بالنتائج والمسائل الكلية، وتلخيص المقدمات، وطي المسالك التفصيلية، من الكلام عما جرى بينهم وبين يوسف عن طريقة الزراعة، ونوعية المزروعات والمحاصيل الحيوية التي لابد منها لاجتياز الأزمة، وما الذي يتم تأخير زراعته إلى حين اجتياز الأزمة، وما هي الساحات والمساحات التي لابد من العمل على تشغيلها، والأيدي العاملة، ومتطلبات الزراعة من ري وفلاحة، وهذه خبرة يوسفية عميقة، في صميم خبرة الشعب المصري العريق، الخبير بالزراعة، والذى يعيش سبعة آلاف سنة على ضفاف النيل، فلما استمع المصريون إلى هذا السيد المؤيد، وما أشار به من  خبرات وتوجيهات في النواحي الزراعية لاشك أن هذا أصابهم بدهشة بالغة، حيث تحداهم وأتى لهم في صميم خبراتهم بتوجيهات تفصيلية عجيبة، بنور الوحي والنبوة.

ثم قوله: {تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا}، أي: باستنفار وتشمير وتعبئة، حتى تكون كل المواسم المتعاقبة يتراكم فيها القمح.

ثم قوله: (فما حصدتم) فهذا إجراء آخر، وهو ملف عمل يقوم على خبرات الحصاد، (فما حصدتم فذروه في سنبله) فهذه خبرات أخرى في التخزين، {إلا قليلا مما تأكلون} [سورة يوسف، الآية ٤٧] ، {ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ} [سورة يوسف، الآية ٤٨] فشرح لهم طريقة معينة للتخزين تجعله مدخرًا سبع سنين، مع كيفيات في الإنفاق وصرف المقادير المحددة التي تجعلنا نجتاز السنوات السبع، ونوفر به لأهل الشام والأقطار المجاورة، ويتبقى من بعد ذلك أيضا رصيد زائد.

فهذه خبرة في مجالات وبرامج عمل شديدة الغرابة لا يعهد مثلها في شعب عريق في هذا الفن، خبرة اقتصادية بوضع الخطط، وخبرة بفنون الحياة، وخبرة في التخزين والزراعة والحصاد، وفنيات دقيقة عند شعب خبير بالمسألة.

فلما ظهر هذا البُعد المعرفي، ووصل إلى مراكز صنع القرار، بدأوا هم يسعون إليه، وسبقه صيته العلمي، الذي تمس حاجة البلاد إليه، وليس عندهم خبير يقوم به، (وقال الملك ائتوني به) فرفض، {قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ} [سورة يوسف، الآية ٥٠].

 فألح الملك في طلبه، وأرسل إليه مرة ثانية: {وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ} [سورة يوسف، الآية ٥٤].

هل طلب يوسف -عليه السلام- الإمارة؟

فيوسف عليه السلام لم يطلب الإمارة، ولم يَسْع إليها، والتمكين الذي شرحه الله في حقه إنما هو إقرار من كل بيوت الخبرة ومراكز صنع القرار في زمنه بأن هذا الرجل عنده خبرة علمية نادرة، نحن في أشد الحاجة إليها.

ولذلك لما جلس معه الملك وكلمه وسمع منه أبعاد أفقه الواسعة وخبراته العميقة: {قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ} [سورة يوسف، الآية ٥٤]، قال له ذلك بعد ما عرض عليه ودعاه إلى مقابلته عدة مرات وهو يرفض، فهو إذن لم يسع إلى الحكم.

ولم يكن عليه السلام يتنبأ أو يتكهن المستقبل، بل كان خبيرًا، بعيد النظر، عنده رؤية استراتيجية، يستطيع أن يستشفها من عشرات القرائن والملابسات، فهذا فقه توقعي مستقبلي.

ولعلك تسأل: هل نحن أمام خبرة نبوية خالصة أو هي ببذل الجهد والبحث والدراسة؟

والجواب أننا نتكلم عن سيدنا يوسف، الذي تربى في بيت النبوة، وقد تراكمت أنوارها في بيتهم عبر أربعة أجيال، فهو نبي كريم، ابن نبي كريم، ابن نبي كريم، ابن نبي كريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ» [صحيح البخاري: ٢ / ٩٤٩، كتاب التفسير، سورة يوسف، باب ١، ط: جمعية المكنز الإسلامي، القاهرة، سنة ١٤٢١هـ].

أثر البيوت العريقة في نقل الخبرات إلى الأجيال من بعدها

وهذه البيوتات العريقة النسب في العلم والولاية والزعامة والقيادة، ينشأ فيها الصغير وقد تحنك وتمرس بالخبرة من صغره، فلو أنه نشأ بعيدا عن مرتبة النبوة لكان زعيما قائدا.

وهذا الذي كان سائدًا في أعراف ذلك العصر، فتجد عددًا من ملوك الأسر الفرعونية يتسلسل الملك فيهم جيلا من وراء جيل، وكان توت عنخ آمون قد مات وعمره بضع وعشرون سنة، وهو من أشهر ملوك التاريخ رغم صغر السن، لكنه نشأ في بيوت ملك وزعامة.

فما بالك برجل على نفس هذا المنوال، مع أنه من صغره وحداثة سنه قد تراكمت فيه علوم أجيال من الأنبياء، ويرجع أهل الشام جميعا وأهل تلك البقاع الى آبائه للفصل في الأحكام والقضايا، ثم يضاف إلى ذلك ما أكرمه الله به من عنصر النبوة ونورانيتها.

فنشأت عند يوسف عليه السلام بذرة العلم، وخبرة القرون، وخلاصة زعامة بيوت آبائه وأجداده، وخبرات أجيال من الفصل بين الناس ومعرفة سنن الله في الكون.

النموذج المعرفي عند يوسف عليه السلام

فهذا النموذج اليوسفي المعرفي الممتلئ بالخبرة والعلم والدراية والفهم، بحيث لجأ إليه كل أرباب الإدارة في الدولة المصرية، يذكرنا بالقاعدة الأصولية المشهورة: (الأصل في أفعال الأنبياء العموم إلا أن يقوم دليل على التخصيص)، فهناك أمور وشئون نبوية قام الدليل على اختصاصهم بها، وبقية الأفعال النبوية في المناسك والإدارة والمهن ومكاتبة الملوك والرسائل، فإن الأصل فيها أنها صدرت عنهم لتكون منهجًا وتعليمًا، لكن نحن نصنعها بالخبرة والتعلم والمران والتدريب، وهم يصنعونها بتعليم إلـــهي.

فكل هذه الأفعال التي هي من قبيل الخطابة والإفتاء والقضاء والإدارة والمهن والصنائع وإدارة الأموال ومكاتبة الملوك مما يشكل جانبًا دبلوماسيًا في السيرة النبوية فالأصل فيه أنه تصرُف نبوي أبرزه الله؛ لكي يكون نموذجًا يتبَع، ونحن نطبقه ونجمع له الأدوات وآلات.

وهذه القاعدة في أنبياء الله جميعا، وسيدنا يوسف كذلك، فأظهر خبرة زراعيــة تبهر شعبًا عريقًا في الزراعة، وأظهر عددًا من التدابير والمشورات والإجراءات، اجتازتْ بالبلد أزمة اقتصادية طـــاحنة، فهذا التصرف ما هو مصدره عنده؟  مصدره النبوة والخبرة معًا، ويكون قد وضع بين أيديـــنا نموذجًا قابلًا للتطبيق؛ إذ الأصل في أفعال الأنبياء أنها للعموم وللتطبيق، إلا التصرفات النادرة التي تعرف أنها من خصائصهم.

***

- وهذا هو السبب في أن الله تعالى أبقى لنا تلك اللمحة وهذه المشاهد المقتطفة والمنتقاة من حياة يوسف عليه السلام، مع أن حياة سيدنا يوسف مثلا كانت ستين أو سبعين سنة، فكان يمكن أن يتم تسجيل عشرات المواقف منها، فأنسى الله البشرية بقية عمره الشريف، وأبقى لنا هذه الومضات، لأنها منهج تعليمي، حصل عند يوسف عليه السلام بالموهبة والنبوة، ونحن مطالبون بتنفيذه، ويمكن الوصول إليه من طرفنا نحن بالخبرة والدراسة، والمعرفة والموهبة والبحث العلمي وبناء الكوادر العلمية وهكذا، كما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عنِّي مناسِكَكم » [ صحيح مسلم: ٢/ ٩٤٣، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا وبيان قوله  صلى الله عليه وسلم  لتأخذوا مناسككم]، أي: أنني سأنفذ مجموعة من المناسك في الحج أمامكم، بغرض أن تلاحظوها وتطبقوها وتتوصلوا إليها بالخبرات المعروفة عندكم.

فكأن يوسف يقول: خذوا عني مجموعة خبرات التفاعل مع الإدارة، التي جعلت مني شخصا موثوقا، يُفسَح له المجال، وحاولوا أن تطبقوا نفس الطريقة بما يناسب ظروفكم وعصركم ومجتمعكم وسقفكم المعرفي وظروف زمنكم، حتى نقوم بواجب زماننا كما قام نبي الله يوسف عليه السلام بواجب زمانه، وبهذا يتولد بين أيديكم أثر اسمه التمكين.

فلما جاء الرجل يسأله أن مَلِك هذه البلاد رأى مناما ملخصه كذا وكذا، هل لك أن تضم إليه درايتك بالمجتمع، وبصيرتك بمآل طريقة إدارته، مع ما يفتحه الله لك بنور النبوة؟ أفادهم بأنه سيعطيهم خلاصة، ويرفع لهم تقريرا، ويقدم لكم مقترحات بالحلول.

والمقترحات المذكورة لا يقوم على تنفيذها يوسف فقط، بل هي توجيهية للمجتمع، وقد طبقها المجتمع فنجحت.

الخبرة القانونية ليوسف عليه السلام

ولم يقتصر التمكين في حق يوسف عليه السلام على الجانب المعرفي وحده، بل تعددت وجوه المعارف التي أضافها إلى الحضارة المصرية العريقة، حيث أبرز خبرة قانونية نادرة، وتعديلا تشريعيا أضاف إلى منظومة القوانين المصرية في ذلك الزمن، فقد قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ * قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ * قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ } [ سورة يوسف، الآيات ٧٠-٧٢]، فرد إخوة يوسف بقولهم: {تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ * قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ} [سورة يوسف، الآية ٧٣-٧٤]، أي: لو أن التهمة ثبتت على شخص من طرفكم، ودلت القرائن والتحريات الصحيحة أنه مدان، فما الحكم الذي ترضونه، فإذا بإخوة يوسف لشدة الثقة قالوا: إن ثبتت التهمة في أحد منا يصادر ويعد أسيرًا، {قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ} [سورة يوسف، الآية ٧٥]. {فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ} [سورة يوسف، الآية ٧٦]، فقال الله تعالى: {كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ}، والمعنى: أن سيدنا يوسف في حاجة إلى خبرة أخيه لإدارة ملفات اقتصاد الديار المصرية، وأنه عندما شرع يدير الأمور، وضع لهم خطة، وبدأت كوادر بشرية كثيرة منهم في التنفيذ.

التخطيط والتدبير في حياة يوسف عليه السلام

لكن آل الأمر إلى ملف عمل، وأقدر شخص على أن يديره هو أخوه، فترقب وصول وفد إخوته، وعرف بوصولهم، فشرع في صناعة إجراء قانوني غير معهود في الأعراف والقوانين المصرية، وهذا الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: {مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ} [سورة يوسف، الآية ٧٦]، أي: أنه لم يكن معهودًا في القوانين والتشريعات القائمة في مصر في ذلك الحين أن من ضبطت عنده هذه القضية أن يصادر ويحتجز في مصر، لكن يوسف وهو مستشار اقتصادي في ذلك الحين قدر أن أقدر الأشخاص على إدارة تلك الجزئية هو أخوه، ليعبر بالبلد إلى بر الأمان.

فما هي الحجة والسند القانوني الذي يستبقى به أخاه، فجعلهم هم ينطقون بالحكم الذى يؤدي إلى تحقيق المقصود، استنادا إلى ما يعرفونه هم من شريعة أبيهم إسحاق، وجدهم إبراهيم؛ إذ كان المعهود في شرعهم هو هذا، فأحالهم إلى أن ينطقوا بالتشريع الذى يرضون هم بالتحاكم إليه، وهذا نظام قضائي يمنح فيه للمتهم أن يختار الدائرة التي يحب أن يتحاكم إليها، ويختار العقوبة، وإذا ثبت بمجموع ذلك وصدر منك الإقرار به فإننا ندخل تشريعا قانونيا على القوانين المعروفة في هذه البلد، فقوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ} [سورة يوسف، الآية ٧٦] أي: لم يكن معروفًا في قوانين الديار المصرية أن يجري الحكم بمثل هذا، فقال الله تعالى بعدها: {كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ } [سورة يوسف ٧٦]، فتكرر مدخل العلم؛ لأنه مفتاح قضية التمكين في حق يوسف عليه السلام.

- فأساس التمكين لسيدنا يوسف يرجع الى مفتاح العلم الذي لما أن بدأ يتدفق به، ويبدي الاستشارات والتقارير والخبرات في ملفات الزراعة والحصاد والتشريعات القانونية والإدارية للبلد، جاءت إليه إدارات البلد لتقول له: يسعدنا أن نتعاقد معك، لتكون خبيرا مفوضا، ووزيرا، ومستشارا، في الديوان الملكي، وهو يردهم عن نفسه عدة مرات.

***

والخلاصة أن سيدنا يوسف عليه السلام ما سعى إلى طلب الإمارة، ولا طرق باب أحد يطلبها منه، وأن قوله {ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ } [سورة يوسف ٥٥] لم يكن قولا ابتدأ هو به السعي، بل إنهم لجأوا إليه مرارا، وسألوه الخبرة في تصريف شئون مصر، بناء على ما عرفوه فيه، وعهدوه منه، من خبرة عجيبة، استنارت بنور الوحي، حتى أسعفهم بإجراءات اجتياز الأزمة، ثم أرسل إليه الملك يطلبه فرد رسوله، ثم أرسل إليه ثانية، فلما قبل يوسف لقاءه بعد إلحاح من الملك، وعرض عليه الملك أن يتبوأ المكان الذي يريد، اكتفى يوسف عليه السلام بأمر جزئي وهو تصريف شئون الخزانة، وما قال له: أنا نبي وأنت ملك على غير هذا الدين، فدع لي المكان، بل قبل بعد إلحاح أن يدير شئون اقتصاد الدولة.

فإذا جاء بعد هذا البيان من يفسر الآية الكريمة بأنها دليل على جواز أن يتحايل الناس للوصول إلى الحكم بمختلف الوسائل والطرق، ويسلكون إلى ذلك كل مسلك، ويجعلون هذا هدفا عظيما، فهذا اجتراء على الشرع، وإلصاق لفهم مخطئ بالقرآن الكريم.

التمكين بوصفه منحة ربانية مشروطة بالأسباب (ذو القرنين نموذجًا)

وهناك نموذج ثان للتمكين، وهو نموذج ذي القرنين، الذي وصفه الله تعالى بالتمكين عدة مرات، قال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [ سورة الكهف، الآيتين ٨٣ – ٨٤] فما هو أساس ذلك التمكين؟ قال سبحانه: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}[سورة الكهف ٨٤] فهو لم يطلب التملك؛ بل آتاه الله من كل شيء سببًا، أي: هيأ له الأسباب والمصادر والمقومات والموارد، حتى صارت له رحلة لمطلع الشمس، إلى أقصى ما يمكن أن تصل له الجيوش والعتاد باتجاه المشرق، والرحلة معناها خبراء بالبحار، ورجال وجنود، ومؤن وخرائط، وخطوط تموين وتزود، وقوة إدارة على مواجهة البحار، تجعل البحارة يمتثلون، ورحلة إلى المغرب، ورحلة إلى مكان سماه الله بين السدين، وقد وقف فيه المفسرون يبحثون عن معناه، وعن مكانه الآن في العالم.

عناية المسلمين والعالم بمكان السد

والقرآن يكلمنا عن تصرف بشري وقع في فترة تاريخية، وهو بلا شك موجود على بقعة معينة من الكرة الأرضية الآن، فأين مكانه؟ فبدأ هارون الرشيد يمول رحلات لخبير اسمه سلام الترجمان، ليذهب إلى بعض الأصقاع في أقصى شمال الكرة الأرضية للتنقيب عن بقايا السد الذي بناه ذو القرنين.

هذا العلم الذي هو التفتيش عن مكان أشار إليه القرآن الكريم أو غيره من النصوص المقدسة بدأ يعنى به الأوربيون للتفتيش عن الآثار المكانية الموجودة في الكتاب المقدس، فبدأ يظهر علم اسمه الأركيولوجي، أو علم حفريات الكتاب المقدس، ومعناه أن التوراة ذكرت مكانًا معينًا، أو أثرًا معينًا، فيتم تمويل حملات تنقيب تذهب لذلك المكان، وتحاول أن تنقب عن الأثر المذكور هنا، أو تجد أي شاهد من حفريات يدل عليه، والقرآن يشير لهذا، فيقول مثلا عن سفينة نوح {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}[سورة القمر ١٥] أي: سأبقيها آية حتى تأتي الأجيال وتحفر وتنقب وتجدها.

وقال سبحانه: {وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ *وَبِٱلَّيۡلِۚ} [سورة الصافات، الآية ١٣٧-١٣٨]، يصف الله قرى قوم لوط وأنكم تمرون على بقاياهم وآثارهم ذهابا وإيابا، صباحا ومساء، فانتبهوا.

فبدأ علماء الإسلام يسألون: أين ذو القرنين حتى نرى مبلغ التمكين الذي كان فيه؟

وهناك رحلة تاريخية مشهورة، مولها الخليفة الواثق بالله، وكلف سلام الترجمان أن يذهب إلى بقاع القوقاز، والأصقاع الباردة في أقصى الشمال الأسيوي ناحية سيبريا، ليرى المشاهدات الجغرافية التي ينبغي أن يسجلها حول سد ذي القرنين، فرحل إلى هناك، وقد سجل في هذا رحلة أوردها الشريف الإدريسي في (نزهة المشتاق، في اختراق الآفاق) [ نزهة المشتاق، في اختراق الآفاق: ٢/ ٩٣٤، ط: عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٩-١٩٨٩م]، وقبله ابن فضل الله العمري في كتاب (المسالك والممالك) وهي موثقة في كتب التاريخ، وعدد من المستشرقين لما درسوا هذا النص التاريخي وتأملوا البقاع والأماكن التي وصفها، وهم خبراء في الجغرافيا، قالوا: هذه الرحلة بمعايير البحث العلمي صادقة ، والمستشرق الروسي كراتشكوفسكي له فيها بحث، والمقصود أنها حظيت باهتمام، وكان من المعاصرين العلامة الكبير أبو الكلام آزاد، وزير الثقافة الهندي الأسبق، وكان معنيا بما أسميناه حفريات القرآن الكريم، بالتوازي مع حفريات الكتاب المقدس التي تمت في نهر الأردن وفي البحر الميت وفي بقاع من فلسطين.

فكان العلامة أبو الكلام من أكثر العلماء المعنيين بهذا الجانب، وأجرى بحوثا حول مكان سد ذي القرنين، وأورد هذا البحوث مع عدد من مقالات: الدكتور عبد المنعم النمر، وزير الأوقاف المصري السابق في السبعينات، حيث له كتاب كامل عن أبي الكلام آزاد، أورد فيه بحوثه عن ذي القرنين وسده.

وخرج من الباحثين باحث، وهو عضو في مجلس الشورى السعودي، اسمه حمدي حمزة أبوزيد، فأخرج كتابا اسمه: (فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج)، له فيه بحث ورحلة وتمحيص ونزول إلى الوثائق الصينية، وله قناعة معينة قد تكون محل نظر، وهي أن ذا القرنين المذكور هو أخناتون الملك الفرعوني الموحد، وعلى هذا الكتاب مؤاخذات جمة، وبعض المتخصصين في الفرعونيات يقولون هذا كلام غير دقيق، فلم يذكر في التاريخ والبرديات رحلات لأخناتون بهذه الصورة إلى المشرق والمغرب، لكن الكتاب خطوة على الطريق على كل حال.

مفهوم التمكين الذي وصف الله به ذا القرنين

والذي يعنيني في القضية: ما مفهوم التمكين الذي وصف الله به هذا السيد الجليل؟، يقول الله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا } [سورة الكهف، الآية ٨٤]، فجعل الله التمكين وصفا نهائيًا لمجموع أنشطة ذي القرنين، وليس من أنشطته نشاط محدد اسمه التمكين، بل إن الرجل بذل نشاطا تاريخيا وإداريا، ومجموع هذه الأنشطة يسمى التمكين، فيقول الله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [ سورة الكهف، الآية ٨٥-٨٦] فهذا مبحث متعلق بأهل المغرب.

ثم قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [سورة الكهف، الآية ٩٢-٩٣]، ثم تجوز الله وأجمل في أخبار رحلته إلى أقصى ما يمكن الوصول له من الأرض المعمورة تجاه الشرق، ثم وصف الله تعالى شيئا أطال فيه، فقال: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}  [ سورة الكهف، الآية ٩٤-٩٥]، أي: أن الخبرات العلمية والمعرفية عندهم منعدمة { قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [سورة الكهف، الآية ٩٢-٩٣] ، أي: أن الإمكانات التي تحت يدي من المعرفة وأصول الصنعة أفضل وأمكن، وغاية المطلوب هو: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [سورة الكهف، الآية ٩٥-٩٦].

فمن أين نأتي بقطع الحديد الكبيرة الضخمة، عند قوم لا يكادون يفقهون قولا، فكان لابد من صنعة التعدين، واستخراج المعادن من المناجم، ومد طرق إنتاج من المناجم إلى أماكن التصنيع، فهذه خبرة معرفية علمهم إياها مع قواده في صنعة التعدين.

{حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [سورة الكهف، الآية ٩٦]، فهذه خبرة معمارية، حيث توضع لبنات البناء بطريقة معينة، حتى تملأ فراغا معينا بين هضبتين، إنها خبرة هندسية متراكمة.

ثم إنه: {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [سورة الكهف، الآية ٩٦]، فهذه المناهج المعرفية التي لخص القول فيها بقوله: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [سورة الكهف، الآية ٩٥]، أي: قوة عاملة للتنفيذ، مع همة منكم في اكتساب هذه الخبرات.

ولعل هذه هي الحكمة في خواتيم سورة الكهف، وبعدها بصفحة قال في أوائل سورة مريم: {يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ} [سورة مريم، الآية ١٢]، فهذا نمط آخر من القوة، ليلفت نظرنا إلى تلخيص قوة المعرفة والابتكار، مع قوة الإتقان في التنفيذ، ونتيجة هذه العلوم والمعارف هي التمكين.

الخلاصة

أن مفهوم التمكين الوارد في القرآن الكريم يدور حول معنى العمران، أو الحضـــارة، من خلال اتحاد كل مؤسسات الوطن على العمل والانتاج، والحفاظ على البيئة والموارد، وبذلك تزول  البطـــالة، وتقل معدلات الفــقر، وبهذا يتم إكرام الإنسان، كل ذلك مع الأصل الأول وهو الإيمان، وتطبيق منظومة القيم.

موضوعات مختارة