قام المسلمون
بفتح البلاد؛ لنشر الإسلام وتوضيح حقائقه ورفع الظلم والاستبداد، وانقسم الناس
إزاء الفتح الإسلامي إلى قسمين: منهم من اقتنع بالإسلام فدخل فيه،
ومنهم من تمسك بدينه ورفض الدخول في الإسلام، ولأن الإسلام يحترم اختيار
الإنسان ولا يُكره أحدًا على الدخول فيه، رتب بعض الأحكام التي تحفظ حرية الإنسان
والحفاظ على الدولة ووجودها، ولأن الجو
العام المصاحب لهذه الفتوحات -وهو المعاداة على أساس الدين مما جعلها حينئذٍ حربًا
دينية- اقتضى هذا سنّ بعض الأحكام التي تنظم علاقة المسلمين بغيرهم بما يحفظ دولة
الإسلام ولا يعتدي على حقوق الآخرين.
الجزية أداة
حماية وليست إذلالًا:
فشُرعت الجزية وهي مالٌ
يدفعه غير المسلم نظير قيام الدولة الإسلامية بحمايته من أيّ عدوان داخلي أو
خارجي، وتَحَمّل أعباء تجهيز الجيش وتأمين حدود الدولة الإسلامية، وهذا العبء
يقع على المسلمين فقط، فلم يشارك فيه غيرهم حيث اقتضت الظروف السابقة (كون
الحرب دينية) أن يقوم بهذه الوظيفة المسلمون دون غيرهم، واكتفى من غيرهم
بضريبة يدفعها وهو آمن على نفسه وعقيدته، وينعم بالحياة الكريمة شأنه شأن المسلمين
في الحقوق والواجبات.
وفي التاريخ
الإسلامي سقطت الجزية بسبب عجز الدولة عن الدفاع عن غير المسلمين، فقد رد أبو
عبيدة بن الجراح الجزية إلى أهل الذمة في بعض مدن الشام بسبب عدم قدرته عن
الدفاع عنهم، وهذا يؤكد أن علة دفع الجزية هي الحماية، وهو ما قرره الفقهاء. [الخراج لأبي يوسف، (ص ١٥٣)، ط:
المكتبة الأزهرية للتراث]
والحاصل أنه
ارتبط بهذا العقد أمران مهمان:
الأول: موقف العالم من الإسلام
وهو موقف العداء والحرب من منطلق ديني مثل الحروب الصليبية.
والثاني: استبعاد غير المسلمين من
قضية حماية الدولة وتأمين وجودها نظير دفع ضريبة من المال تتناسب مع حال وظروف
من يدفعها، وهو ما يعرف باسم الجزية؛ انصافًا لهم حتى لا يتحمل هؤلاء الحرب بسبب
دين لا يدينون به.
ولم يمثل تنظيم
وترتيب نظام الدولة أي إشكال، ورأى غير المسلمين فيه قمة العدال والرحمة
والإحسان، وشعروا فيه بالأمن والأمان ما دفع الكثير منهم إلى معرفة الإسلام
معرفة حقيقية والإشادة بسماحته وعدله.