Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عقد الذمة في التشريع الإسلامي

الكاتب

هيئة التحرير

عقد الذمة في التشريع الإسلامي

تطور مفهوم عقد الذمة في الإسلام من كونه آلية لحماية غير المسلمين ضمن الدولة الإسلامية، إلى تجاوزه بعد تغير طبيعة الحروب وسقوط الخلافة، وهذا التغير أفسح المجال لمفهوم المواطنة القائم على المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع، وما حدث ليس خروجًا عن الشريعة، بل اجتهاد مقاصدي يعكس فقه الواقع وتحقيق العدالة.

مقدمة

عقدُ الذمة من العقود التي ارتبطتْ بواقعٍ معين، وكان له حكمةٌ ومقصدٌ جليل يحقق مبادئ الحرية واحترام الإنسان، ومن ثم ترتب على هذا العقد بعضُ الأحكام التي نظمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم ممن له كتابٌ أو شبهة كتاب.

ومن المعلوم أن الأحكام التشريعية التي ارتبط تشريعها بعللٍ وعادات وأعراف معينة تتغير بتغير العلل والعادات، وعلى الفقيه أن يقوم بتحقيق مناط هذه الأحكام في ظل متغيرات العصر؛ ليُنزل الحكم الشرعي على الواقع.

وفي هذا المقال نبين للقارئ الكريم معنى عقد الذمة وبعض الأحكام التي نشأت عنه، وكيف تغيرت هذه الأحكام بسبب تغير مفهوم الدولة، والأحداث الطارئة على هذا العقد والتي نشأ عنها تغير بعض الأحكام المتعلقة به.

مفهوم عقد الذمة وأحكامه التاريخية

قام المسلمون بفتح البلاد؛ لنشر الإسلام وتوضيح حقائقه ورفع الظلم والاستبداد، وانقسم الناس إزاء الفتح الإسلامي إلى قسمين: منهم من اقتنع بالإسلام فدخل فيه، ومنهم من تمسك بدينه ورفض الدخول في الإسلام، ولأن الإسلام يحترم اختيار الإنسان ولا يُكره أحدًا على الدخول فيه، رتب بعض الأحكام التي تحفظ حرية الإنسان والحفاظ على الدولة ووجودها، ولأن الجو العام المصاحب لهذه الفتوحات -وهو المعاداة على أساس الدين مما جعلها حينئذٍ حربًا دينية- اقتضى هذا سنّ بعض الأحكام التي تنظم علاقة المسلمين بغيرهم بما يحفظ دولة الإسلام ولا يعتدي على حقوق الآخرين.

الجزية أداة حماية وليست إذلالًا:

فشُرعت الجزية وهي مالٌ يدفعه غير المسلم نظير قيام الدولة الإسلامية بحمايته من أيّ عدوان داخلي أو خارجي، وتَحَمّل أعباء تجهيز الجيش وتأمين حدود الدولة الإسلامية، وهذا العبء يقع على المسلمين فقط، فلم يشارك فيه غيرهم حيث اقتضت الظروف السابقة (كون الحرب دينية) أن يقوم بهذه الوظيفة المسلمون دون غيرهم، واكتفى من غيرهم بضريبة يدفعها وهو آمن على نفسه وعقيدته، وينعم بالحياة الكريمة شأنه شأن المسلمين في الحقوق والواجبات.

وفي التاريخ الإسلامي سقطت الجزية بسبب عجز الدولة عن الدفاع عن غير المسلمين، فقد رد أبو عبيدة بن الجراح الجزية إلى أهل الذمة في بعض مدن الشام بسبب عدم قدرته عن الدفاع عنهم، وهذا يؤكد أن علة دفع الجزية هي الحماية، وهو ما قرره الفقهاء.  [الخراج لأبي يوسف، (ص ١٥٣)، ط: المكتبة الأزهرية للتراث]

والحاصل أنه ارتبط بهذا العقد أمران مهمان:

 الأول: موقف العالم من الإسلام وهو موقف العداء والحرب من منطلق ديني مثل الحروب الصليبية.

 والثاني: استبعاد غير المسلمين من قضية حماية الدولة وتأمين وجودها نظير دفع ضريبة من المال تتناسب مع حال وظروف من يدفعها، وهو ما يعرف باسم الجزية؛ انصافًا لهم حتى لا يتحمل هؤلاء الحرب بسبب دين لا يدينون به.

ولم يمثل تنظيم وترتيب نظام الدولة أي إشكال، ورأى غير المسلمين فيه قمة العدال والرحمة والإحسان، وشعروا فيه بالأمن والأمان ما دفع الكثير منهم إلى معرفة الإسلام معرفة حقيقية والإشادة بسماحته وعدله.

تحول الحرب من الدين إلى الأرض وأثره في عقد الذمة

وبعد فترة من الزمن تغير موقف أعداء الإسلام من الإسلام والمسلمين، وصارت الحرب على الأرض التي يسكنها المواطنون دون النظر إلى العقيدة والدين، حيث هاجم العدو أرض المسلمين وقتل ساكنيها، سواء كان من المسلمين أم من المسيحيين، ما دفع هؤلاء جميعًا أن يقوموا برد المعتدي والحفاظ على الوطن من الاحتلال، ووجدنا غير المسلمين يقومون بالقتال مع المسلمين ضد المحتل الذي يقتل أبناء الدولة جميعًا بهدف الاستيلاء على أرضه ومقدراته.

ومن هنا بدأ العلماء يدركون أن العلل والأحكام التي ارتبطت بعقد الذمة بدأت تتغير مما يترتب عليه تغير الحكم الشرعي، حيث فقدت الأسباب والشروط التي نتج عنها تشريع الجزية، فلم تعد الحرب دينية، بل حربٌ على الأرض، وأصبح غيرُ المسلم يشارك المسلمين في الحرب والدفاع عن الوطن.

ترتب على هذا قيام الدولة بتجنيد غير المسلمين وإدراجهم في الجيش؛ ليشاركوا في الدفاع عن الدولة، حيث استقر في وعي المسلمين هذا التحول الذي يجب أن تتلاشى معه الأحكام القديمة.

إلغاء الجزية في السياق الحديث

ومن أمثلة هذا:

- قصة الباشا سليمان الفرنساوي (الكولونيل سيف)، -ذلك الضابط الفرنسي الذي اعتنق الإسلام لاحقًا- ولكنه كان على مسيحيته حين أنيطت به قيادة الجيش المصري في بواكير عهد محمد علي باشا، في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي.

- وفي يناير ١٨٥٥م قام محمد سعيد باشا والي مصر بوضع الجزية عن النصارى في مصر مقابل مشاركتهم في الدفاع عن أراضي الوطن [الجزية في مصر، د. أيمن أحمد محمود، من عام ١٧١٣ – ١٨٥٤م].

ظهور مفهوم المواطنة وتطوره

ومع سقوط الخلافة العثمانية؛ وتطور مفهوم الدولة ظهر مصطلح المواطنة الذي يشتق أصوله ومبادئه من الأصول الإسلامية ولا يتعارض معها؛ ليؤكد على مفهوم المساواة بين أفراد الوطن في الحقوق والواجبات، وعدم التمييز بينهم على أساس ديني أو عِرْقي، وأن على أفراد الوطن تجاه وطنهم حقوقًا وواجبات.

انسجام المواطنة مع مبادئ الشريعة

وهذا المعنى حقيقة واقعية عاشتها الأمة الإسلامية في مختلف عصورها، ويستمد أصوله من الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا، حيث أكد الإسلام على قيم: الحرية، والعدل، والتسامح، والمساواة، والبر، والرحمة، وهي قيم إنسانية واجبة نتعامل بها مع أي إنسان.

وفي النهاية: ظهر من خلال هذا العرض الموجز الأسس التي قام عليها عقد الذمة والأحكام التي نِيطت به، والتغيرات التي طرأت عليه، وأن القول برفع الجزية وغيرها من الأحكام هو تحقيق للمناط، وإدراك لعلل الأحكام ومقاصدها، وليس انسلاخا من الشريعة.

الخلاصة

من خلال الااجتهاد المقاصدي وفقه الواقع تطور مفهوم عقد الذمة في الإسلام من كونه آلية لحماية غير المسلمين ضمن الدولة الإسلامية، إلى تجاوزه بعد تغير طبيعة الحروب وسقوط الخلافة، وهذا التغير أفسح المجال لمفهوم المواطنة القائم على المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع  .

موضوعات مختارة