بل
إنك ترى في سير الصحابة الكرام إلغاء الجزية في مواطن، منها:
- في زمن أمير المؤمنين عمر
بن الخطاب رضي الله عنه في فتح بلدة تسمى (الباب) والملك بها يومئذ شهر براز، رجل
من أهل فارس، فكاتب شهر براز عبدالرحمن بن ربيعة، واستأمنه على أن يأتيه، ففعل
فأتاه، فقال: إني بإزاء عدو وأمم مختلفة، لا ينسبون إلى أحساب، وإنكم قد غلبتم على
بلادي وأمتي، فأنا اليوم منكم، ويدي مع أيديكم، وصفوي معكم، وبارك اللَّه لنا ولكم،
وجزيتنا إليكم النصر لكم، والقيام بما تحبون، فلا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم.
فقال عبد الرحمن: فوقِي رجل قد أظلك فسر إليه. فسار إلى سراقة بن عمرو فلقيه بمثل
ذلك، فقال سراقة: قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بد من الجزاء
ممن يقيم ولا ينهض، فقبل ذلك، وصار سنَّة فيمن كان يحارب العدو من المشركين.
والشاهد
قوله: (وجزيتنا إليكم النصرُ لكم) أي المشاركة في الحرب والنصرة للمسلمين، وقد
أجاز أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الأمر.
- في زمنه أيضًا في فتح
جرجان أرسل سويد بن مقرن رضي الله عنه إلى ملكها فصالحه وكتب له كتابًا سنة ثمان
عشرة، وفيه: (ومن استعنا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضًا من جزائه).
وهذا
صريح في سقوط الجزية عمن شارك في الحرب من غير المسلمين.
- في زمنه أيضًا حدث صلح
الجراجمة مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه؛ وكان قد بعث إلى أنطاكية واليًا
عليها حبيب بن مسلمة الفهري، فغزا الجرجومة، فلم يقاتله أهلها، ولكنهم بادروا بطلب
الأمان والصلح، فصالحوه على أن يكونوا أعوانًا للمسلمين، وعيونًا، وأن لا يؤخذوا
بالجزية، وأن ينفلوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا معهم حربًا في
مغازيهم.
وفي
صلحهم شرط ألا يؤخذوا بالجزية نظير استعانة المسلمين بهم في حربهم، أي أن المشاركة
تلغي الجزية وتسقطها.
وعلى
هذا الدرب وردت الفتوى عن الإمام الشعبي حيث قال: (أدركت الأئمة الفقيه منهم وغير
الفقيه يغزون بأهل الذمة؛ فيقسمون لهم، ويضعون عنهم جزيتهم).
فهذا
فعل الصحابة الكرام، وهم من هم؛ فقهًا ودرايةً وعلمًا بالوحي والشرع: مقاصد،
ومصالح.