Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

إنسانٌ وطنيٌّ صاحبُ انتماء

الكاتب

أ. د/ أسامة الأزهري، وزير الأوقاف

إنسان وطنيٌّ صاحبُ انتماء

الانتماء فطرة إنسانية، وأسمى صوره هو الانتماء للوطن، وهو دليل على سلامة الفطرة ونُبل الطبع، والإنسان المصري مرتبط بوطنه بشكل عاطفي قوي، يقدّر أرضه وتاريخه وشعبه، ويبقى وفيًّا له مهما واجه من صعوبات، والانتماء لا يعني التعصب، فالمصري يجمع بين حبه لوطنه وبين انفتاحه على الأمة العربية والعالم الإسلامي، والشخصية المصرية تتسم بالتوازن والاعتدال، نتيجة مزيج من الدين والثقافة والتاريخ والحضارة.

مفهوم الانتماء

الانتماء عمومًا مكوّن راسخ من مكونات الفطرة الإنسانية، وهو من أهمّ بواعث التصرف والفعل والحركة عند الإنسان، والانتماء إلى الأوطان خصوصًا أمر نبيل، يدل على سلامة فطرة الإنسان واستنارة طبعه.

وفاء المصريّ لوطنه

والإنسان المصري له ارتباط وثيق بأرضه، وحنين عظيم إليها، وإكبار وإجلال لقيمتها وأرضها وشعبها ومؤسساتها، والطبع السليم يملي على صاحبه حفظ الود، وألا يتنكر لمن أحسن إليه، والإنسان الحر هو الذي يحفظ وداد لحظة، وإفادة لفظة، ومن هذه الأمور التي ينتجها الطبع السليم حب الوطن والانتماء إليه والوفاء له، وقد روى الدينوري في كتاب: (المجالسة) من طريق الأصمعي قال: "سمعت أعرابيًا يقول: إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه". [المجالسة وجواهر العلم: ١ / ٦٠، ط: دار ابن حزم، بيروت، سنة ١٤٢٣هـ-٢٠٠٢م]

قال مؤرخ مصر العظيم محمد شفق غربال: "والمصري في التاريخ إنسان متعلق بقريته، أو حقله، أو الشارع أو الحي الذي يسكنه أشد التعلق، قريته أو مدينته هي وطنه، يشقى في عمله ويشق عليه أن يتركه أو يهجره، مهما ساءت حاله، ومهما انتابه من كوارث الطبيعة". [تكوين مصر: ص٤٩].

وهذا التعلق نابع من الوفاء العميق الذي يستشعره الإنسان تجاه مصر، فلا يتنكر لها أبدًا، ولا يتنصل منها أبدًا، ومهما ضاق به العيش في رحابها فإنه يعاني أو يتألم لكنه يظل مرتبطًا بها، وفيًا لها، يغلبه وفاؤه وانتماؤه فيساعده على تجاوز المحن والمصاعب، وإذا تعرض لسفر من الأسفار لأي غرض من الحج أو طلب العلم أو الرزق فسرعان ما يعود إلى وطنه، وهو في كل ذلك الوقت متلهف لسماع أخباره والتفاعل مع قضاياه وهمومه، ويرغب في توثيق الصلة بين أولاده وبين وطنه، ولا أدل على ذلك من الجهود الكبيرة التي يقوم بها أبناء الجاليات المصرية في دول العالم المختلفة في خدمة قضايا الوطن.

ولعل السبب في ذلك هو ذلك المزيج الفريد المركب من فيضان أرضها بالخير والنماء، و"هذا النهر المبارك الفياض الذي لا يشبهه في الفيض والوفرة والجمال إلا نهر أو اثنان، وهذه التربة الزكية التي تزيد على الذهب قيمة، حقيقة لا مجازًا، فإن الذهب يباع مرة واحدة، أما هذه الأرض فقد أنبتت ألوف السنين، سنة بعد سنة، بل أنبتت في بعض السنين مرتين، فاحسب قدر ذلك كله تدرك قيمة الأرض التي تسير عليها". [مصر ورسالتها: ص٢١]

نماذج من حب المصريين لوطنهم

وقد ظل الإنسان المصري عبر تاريخه يصون وطنه في كل جيل، ويتنقل الوفاء فيه من جيل إلى جيل، لأن "كل شيء على هذه الأرض يُشْرَى مرة واحدة، إلا الأوطان، فإن كل جيل من أجيال الأمة لابد أن يؤدي ثمن وطنه، لابد أن يضحي ويستهدف للموت ليثبت حقه في أرضه، فإذا أهمل أمر هذا الدفاع جيل من الأجيال ضاع الوطن". [مصر ورسالتها: ص٢١].

وإذا قلبنا صفحات التاريخ نجد أن المصري في كل الأزمنة والعهود يضحي بالغالي والنفيس من أجل رفعة الوطن وإعلاء شأنه، ولا أدل على ذلك مما قام به المصريون من حشد التوكيلات لسعد زغلول من مختلف القرى والنجوع والنواحي المصرية بأن يتحدث باسمهم أمام مؤتمر الصلح بباريس، فكانت صفحة مجيدة من صفحات قيام المصريين بالالتفاف حول قضاياهم الوطنية، وكذلك التفاف المصريين حول الجيش المصري العظيم في فترة الإعداد لحرب أكتوبر المجيدة، وكذلك جمع المصريين لستين مليار جنيه مصري لحفر قناة السويس الجديدة، إلى غير ذلك من المواقف الناصعة، التي ظهر فيها كيف قام الشعب المصري في كل مرحلة من مراحل تاريخه من حشد طاقاته وجهوده ليبقى الوطن. 

"فمصر التي نفخر بأن نقول إنها مهد حضارة البشر لابد أن تكون دائما في طليعة ركب الحضارة، ومن المهانة البالغة أن نجد أنفسنا في غمار الشعوب النامية، وهي شعوب الصف الثالث، وهذا خطأ في حق مصر، لأن مكان مصر الطبيعي أن تكون في الصف الأول". [مصر ورسالتها: ص٢١].

وفي المقابل فإن مصر تكرم من أكرمها، وتحفظ الوفاء والود لمن صانها، "واذكر أنك مهما تعطي مصر فهي تعطيك أكثر، وأنت مهما تفعل فأنت لا تضحي في سبيل مصر، لأن فضلها عليك مهما كنت وفعلت سابق ولاحق". [مصر ورسالتها: ص١١٥].

دوائر الانتماء المتداخلة

والخلاصة أن الانتماء دوائر، بعضها أوسع من بعض، والأكبر منها لا ينفي الأصغر، والصغير منها لا يكر على الكبير بالبطلان، ولا يقطع الروابط ولا الصلات مع أبناء الانتماء الكبير، وانتماء الإنسان لوطنه لا يلغي ولا ينفي انتماءه إلى أمته العربية، وعالمه الإسلامي، لأنها دوائر متداخلة كما سبق.
والانتماء إما أن يزول، فيدفع صاحبه إلى التنكر والتبرؤ من أوطانه وقومه وأهله، مما لا يجمل به الانسلاخ منه، وإما أن يزيد بصاحبه، فيصل به إلى العصبية، التي تجعل انتماءه هذا يفسد عليه ما يربطه بأبناء الدوائر الأوسع من الانتماء، ففارق بين حسن الانتماء والوفاء، والقيام لكل دائرة من دوائر الانتماء بحقها، بما لا يقطع روابط البشر - وهو الذي نتحدث عنه -، وبين التعصب الذي يجعل الإنسان شديد الحمية إلى دائرة بعينها من دوائر الانتماء، تجعله يعادي من سواها ويقاطعه ويتحامل عليه.
ولا يزال الإنسان المصري النبيل وفيا لمصر، قائمًا بحقها، مدركًا لقيمتها، يتفانى في خدمتها في أوقات الشدة والرخاء، ويصنع لها في كل جيل حلقة جديدة من مجدها وعزتها.

ثمرة تلك المكونات وخلاصتها

وعندما تمتزج تلك المكونات كلها وتنصهر وتتفاعل، ويذوب بعضها في بعض، فإنها تتضافر أخيرًا في سمت عام، غلب على الشخصية المصرية عبر تاريخها، ألا وهو تلك السمة الرفيعة النبيلة، التي ترسخت بعمق في النفس نتيجة اتساع وعي الإنسان المصري بكل الخصائص والمزايا التي سبق أن حباه الله تعالى بها، وهي الاتزان، وعدم الجنوح، وعدم التشنج والانغلاق، وحماية الإنسان من أن يغلق على نفسه أبواب الفهم والمعرفة.
وقد انطبعت كل مؤسسات مصر بهذه الروح، فصارت مؤسساتها مؤسسات عاقلة، ذات مصداقية، ولها قبول عند مختلف الشعوب، والأزهر خير مثال على ذلك، حيث صار منارًا للعلم والوسطية عند مختلف الشعوب، وهكذا الشأن في كل مؤسسات هذا الوطن، ولهذا صارت صفة التوسط والاعتدال عميقة في وجدان الإنسان المصري.
قال جمال حمدان: "ليس من قبيل التطرف أو التبسيط، ولا هو بالتأكيد من باب الوهم أو التسطيح، أن نعد التوسط والاعتدال من أبرز السمات العامة الأساسية في شخصية مصر والشخصية المصرية".

فالوسطيّة والتوازن سمات رئيسية عريضة في كل جوانب الوجود المصري تقريبًا، الأرض والناس، والحضارة والقوة، والأخذ والعطاء ..الخ.
فمثلًا نجد في الموقع والموضع توازنًا وتقاربًا عامًّا من حيث القيمة والأهمية، رغم بعض ذبذبات عارضة، ونجد بناءً حضاريًّا يتكافأ مع قوة الأساس الطبيعي، ونجد في الحضارة عطاء يعادل الأخذ، أو يزيد عليه..الخ. وبالمثل في الموقع والمناخ، في الجنس والسكان، حتى في الثقافة والدين.

والتوسط لا يعني بالضرورة تسطح الشخصية أو اللون الباهت، وهو بالتأكيد لا يمكن أن يعنيه في بلد من أشد البلاد تبلورًا وتفردًا في الشخصية). [شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان: ٤ / ٤٨٣، ٤٨٤، بتصرف].

الصفات الاجتماعيّة للمصريّ

وبهذا تضافرت كل المكونات السابقة -من التدين واتساع الأفق والريادة ومحبة الخير للإنسانية، والقوة والثبات، ومحبة العلم والإبداع، على صناعة صفة رئيسية عامة للإنسان المصري، وهي اعتدال طبعه، فهو ليس عدوانيًا، وليس منطويًا، بل هو معتدل متوازن.

و(إن يكن التوسط صفة جوهرية في شخصية مصر، فإن الاعتدال من جانبه أدخل في الشخصية المصرية: التوسط دراسة في عبقرية المكان، ولكن الاعتدال دراسة في عبقرية الإنسان، التوسط دراسة في روح مصر، أما الاعتدال فدراسة في روح المصري.

وبعبارة أوضح: إذا كان التوسط ألصق بالأرض المصرية فإن الاعتدال يتصل مباشرة بالإنسان المصري، نفسيته، عقليته، أخلاقياته، شخصيته، خامته ومعدنه، جوهره وروحه). [شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان : ٤/ ٥١٧]

وأخيرًا، فقد تضافرت تلك المكونات على صناعة شخصية الإنسان المصري، فـ(كان المصري العادي أو المتوسط أميل في الغالب إلى الوداعة والهدوء والدماثة والبشاشة، وإلى الشخصية الاجتماعية الودود، السلسة السهلة المنطلقة، غير المنغلقة أو المعقدة، كما كان أجنح إلى التعاون، منه إلى التنافس، وفي الوقت نفسه أبعد شيء عن العنف والقسوة والدموية والمزاج الحمراوي الدموي، فالإنسان المصري رجل عملي، علمته البيئة والتجربة -أي الجغرافيا والتاريخ- احترام الواقع والالتصاق به وعدم الانفصال عنه، أو التناقض معه). [شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان: ٤ / ٥٢٦ بتصرف واختصار].

والشاهد أن كل تلك العوامل تركت بصمة وآثارًا عميقة في نفسية الإنسان المصري، ساعدت في تثبيت منظومة قيمه، ومعالم شخصيته، وجعلته إنسانًا كريمًا، قويًّا، صانعًا للعمران، رفيقًا بالإنسان، قادرًا على اختراق همومه وتجاوزها، يقف هو في المواصلات العامة لتجلس المرأة، أو كبير السن، أو صاحب الحاجة، يأخذ على عاتقه أن يرشدك إلى العنوان الذي تبحث عنه، ولا يتركك حتى يطمئن إلى أنك وجدت مقصودك، يكرم الغريب ويساعده، يتعفف عن الفحش والقبح، لا ينهمك في السلب والنهب طمعًا وشرهًا، مثابرًا على فلاحة الأرض، أو إتقان الحرفة، أو تعظيم قدر الأستاذ الذي يعلمه، لا يتملكه ضيق الخلق فيقتل أو يسب، يعظم حرمات الله ولا ينتهكها، يدرك مثلًا قيمة شهر رمضان، فلا يكسر حاجز الصوم، ولا يعتدي على حرمة نهاره وليله بالآثام والفواحش، تتضافر فيه بيوت المسلمين والمسيحيين في الفرح والحزن، وصدور بعضهم تجاه بعض صافية، وكل هذه مظاهر اجتماعية ربما كانت عابرة، لكنها تدل على عمق ما استقر في وجدانه من المعاني والقناعات والقيم، التي اختار بسببها منظومة تصرفات وسلوكيات تجعل الصعب محتملًا، والمعيشة ميسورة.

الخلاصة

الانتماء فطرة أصيلة تظهر بوضوح في شخصية الإنسان المصري، الذي تجذر حبه لأرضه وحنينه إليها، واستعداده الدائم للتضحية من أجلها، ويتجلى هذا الوفاء في كل المراحل التاريخية، من مقاومة الاحتلال إلى دعم قضايا الوطن وتكاتف الشعب مع مؤسساته في كل محنة، وقد كوّنت هذه العوامل شخصية مصرية متزنة، معتدلة، محبة للخير، تحفظ الجميل، وتبني وطنها جيلًا بعد جيل بسلوك حضاري وإنساني رفيع.

موضوعات مختارة