Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السياسة في الإسلام: من صحيفة المدينة إلى مبادئ التعايش والسلام

الكاتب

السفير / نبيل محمد بدر

السياسة في الإسلام: من صحيفة المدينة إلى مبادئ التعايش والسلام

السياسة في الإسلام تشمل تدبير شؤون الناس داخليًّا وخارجيًّا، مع بُعد ديني وأخلاقي، ويبرز دور صحيفة المدينة كنموذج مبكر لتنظيم العلاقات السياسية والدولية، ويؤكد على قيم الإسلام، كالتعايش والعدل والسلام، كما يشير إلى سبق الإسلام في تنظيم المعاهدات، واحترام المخالفين، والتأكيد على الحوار كوسيلة لتحقيق التوازن في العلاقات السياسية.

تعريف السياسة

لغة: مصدر للفعل ساس، أي: رأس وقاد، والسياسة: القيام على الشيء حتى يصلحه، والوالي يسوس رعيته كما في اللسان. [لسان العرب لابن منظور] وسست الرعية سياسة، أي: ملكت أمرهم، كما في الصحاح. [الصحاح للجوهري، مادة (سوس)]، وفي الحديث الشريف: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ» أي: يتولون أمورهم كما يفعل الأمراء الولاة بالرعية.

 والمعنى الاصطلاحي: للسياسة حتى اليوم يتفق وتدبير أمور الرعية في الداخل والخارج، وفي التوصيف الغربي؛ فإن السياسة هي: مجموعة القرارات المترابطة المتفق عليها بقصد التوصل إلى نتائج وأهداف محددة على المستوى العام أو المستوى الشخصي.

 ويُنظر إلى السياسة غالبًا باعتبارها تمثل التعامل والتفاعل بين الأفراد والعوامل، التي تحدث نتيجة تحديد المواقع والمصالح، التي يمكن تحقيقها والقرارات المصاحبة لذلك، إلا أن اللفظ اتخذ في الإسلام طابعًا دينيًا.

صحيفة المدينة

لم يكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صاحب رسالة دينية فقط، إنما كان رئيسًا للجماعة الإسلامية الناشئة، التي وضع أساسها بمقتضى الصحيفة التي آخى فيها بين المهاجرين والأنصار، والتي يمكن أن يُطلق عليها: دستور المدينة، إذ تضمَّنت تنظيمًا واضحًا للعلاقات بين أعضاء المجتمع الإسلامي، وبين رياسة هذه الجماعة، وبينهم وبين مَن يخالفونهم في الدين.

 وتعتبر الصحيفة نقلة نوعية من المنظور السياسي؛ حيث تضمنت من المعاني - على خلفية عالمية الإسلام - عناصر بالغة الدلالة من حيث العلاقات الدولية، فقد تضمنت إطارًا لدول متعاونة على كل ما عرف خيره تتحمل مسئوليتها فرادى وجماعات في عمارة الأرض [الإسلام والنظام العالمي الجديد، د. حامد بن أحمد الرفاعي، المقدمة] وعدم الإفساد وأنه لا إكراه في الدين، وبِرّ مَن يخالفنا ما لم يعتد علينا في ديارنا أو ديننا، وأن الخلق كلهم عيال الله، وأن الحوار والتفاوض في السياسة أمران واردان.

 وجاء ذلك في إطار ما حفل به القرآن الكريم من معان سامية ينبغي أن تسود البشر لإصلاح أمورهم في دنياهم وأخراهم، بما في ذلك تأكيده على قيم العدل والمساواة والتعاون والسلام بين البشر - وهي قيم ينبغي أن تكون لها السيادة في العلاقات السياسية الدولية - أتى بها الإسلام وسبق غيره بقرون عديدة، وعالمية الإسلام تكسب التوجهات الإسلامية بُعدها العالمي: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: ١].

وقد أمر الإسلام بالتعايش والتعارف: {ْيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ} [الحجرات: ١٣]، وأمر بالعدل: {وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ} [المائدة: ٨]، ويعتبر الإسلام أن السلام هو السياسة الإسلامية الأصيلة التي تمارس داخل المجتمع الإسلامي في علاقاته مع مخالفيه. [مفهوم التعايش في الإسلام، د. عباس الجراري].

نظرة الشريعة للمخالفين

يفرق الإسلام في هذا الصدد بين الذين يسالمون المسلمين والذين يقاتلونهم، والاختلاف ليس سبيلًا للحرب، بل إنه كامن في طبيعة الحياة، والسلام لا يعني الاستسلام للمعتدين، وحتى في حالة الحرب فلها سياستها وآدابها، والإسلام يدعو إلى التعايش والحوار كمنهاج لممارسة السياسة، وفي ظلها تنمو العلاقات السياسية والاقتصادية وغيرها من أوجه العلاقات التي تتم في إطار السياسة الدولية.

 أما التنافس والتدافع في المصالح والأمور السياسية فلا يعني بالضرورة تصارعًا وقتالًا، إنما يعتبر ذلك من سنن الحياة التي تحقق التوازن والتداول في إطار الفهم السليم لمقاصد الشريعة: {وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: ٤٠].

المعاهدات في النظام الإسلامي

 وقد عرف النظام الإسلامي أسلوب كتابة المعاهدات، وسبق اتفاقيات جنيف التي عقدت عام ١٩٤٩م في حماية ضحايا الحرب وأسراها، وحظر أعمال الثأر والانتقام ضد العدو.

ولقد كان إنشاء الدولة الإسلامية في المدينة، وامتداد نفوذها بالتدريج في معظم أجزاء شبه جزيرة العرب - في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم - ثمرة مجهودات كبيرة حربية وتشريعية وسياسية، وكانت حصيلة النشاط السياسي والدبلوماسي مجموعة كبيرة من الرسائل والصكوك والمعاهدات التي تحدد العلاقات السياسية على أسانيدها من القرآن والسنة النبوية.

الخلاصة

السياسة تعني قيادة الأمور وإصلاحها، وفي الإسلام هي إدارة شؤون الرعية داخليًا وخارجيًا بما يحقق العدل والتعايش، وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذه السياسة من خلال دستور المدينة، الذي نظم العلاقات الاجتماعية والسياسية على مبادئ الإسلام العالمية، وهكذا، تتجلى السياسة الإسلامية في الدعوة للسلام والعدل والتعاون والحوار، مع احترام حقوق الآخر والالتزام بمقاصد الشريعة في كل العلاقات الدولية.

موضوعات مختارة