Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أكتوبر ملحمة الانتصار على التطرف الديني

الكاتب

هيئة التحرير

أكتوبر ملحمة الانتصار على التطرف الديني

ها نحن نقف عند منعطف تاريخي، نستلهم من أكتوبر دروس العزة والكرامة، لقد كانت المعركة شاهدة على أن الإيمان بالله والثقة بالحق أقوى من كل الأساطير، فإلى الأمام في بناء الإنسان، وإلى الأمام في تشييد الحضارة، وإلى الأمام في مواجهة التطرف بكل أشكاله.

حرب أكتوبر معركة الوعي وتحطيم الأسطورة

تمر بنا ذكرى حرب أكتوبر المجيدة، فتكشف لنا عن أبعاد تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتتحول إلى مشروع فكري شامل، يمتد من أرض سيناء إلى آفاق الفكر والروح، لقد كانت هذه الملحمة الخالدة مواجهة مصيرية مع أخطر أنواع التطرف "التطرف الديني السياسي" الذي يحوّل النصوص المقدسة إلى أدوات للهيمنة، ويسوغ اغتصاب الأرض وتهجير الشعوب تحت مزاعم دينية واهية، لقد كانت معركةً جمعت بين شجاعة الجندي في الميدان، وعبقرية المفكر في التحليل، وحكمة الداعية في التوجيه، وإيمان الأمة في التضحية.

التطرف الديني بين النص المقدس والمفاهيم العنصرية

عملت الجماعات الصهيونية المتطرفة على ترسيخ ثقافة الكراهية ضد غير اليهود ومعاداة السامية، مستشهدة بنصوص توراتية خارج سياقها، وقد أنتج ذلك ثقافة استيطانية ظالمة، تحولت إلى ممارسات عملية في طرد السكان الأصليين ومصادرة أراضيهم، وهذا ما يتجلى في توظيف نصوص مثل وعد الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ." [سفر التكوين ١٥: ١٨].

وكذلك الوعد لإسحق عليه السلام: "لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد وأفِ بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك" [سفر التكوين ٢٦: ٣].

وكذلك ليعقوب عليه السلام: "الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك" [سفر التكوين ٢٨: ١٣].

وقد ذكر سيدنا موسى عليه السلام هذا الوعد: "اذكر إبراهيم وإسحق وإسرائيل عبيدك الذي حلفت لهم بنفسك وقلت لهم أكثر نسلكم كنجوم السماء وأعطي نسلكم كل هذه الأرض التي تكلمت عنها فيملكونها إلى الأبد" [سفر الخروج ٣٢: ١٣].

فبرغم كل هذه النصوص نجد أن سيدنا الخليل إبراهيم عليه السلام عاش غريبًا في أرض كنعان ولم يمتلك منها إلاَّ مقبرة له ولعائلته اشتراها من بني "حث"، وقال استفانوس: "ولم يعطهِ فيها ميراثًا ولا وطأة قدمٍ ولكن وعد أن يعطيها ملكًا له ولنسله من بعده ولم يكن له بعد ولد" [أعمال الرسل ٧: ٥]؟ فلم لم يتملكها بالوعد التوراتي بدلًا من شرائها؟!

كما أننا نجد أن هذا الوعد ليس أبديًا بل مشروط بالتزام الشعب الإسرائيلي بطاعته لله وحفظ وصاياه، ولهذا حذرهم الله عزوجل من أن تقع منهم المعاصي التي وقعت من الأمم الذين كانوا قبلهم، فيسلبوا هذا العطاء.

وهو الأمر الذي نبه عليه القرآن الكريم: {وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ} [الأنبياء: ١٠٥]. 

فليس لدى الله محاباة، وهو العدل الذي لا يقبل الشر بتاتًا مهما كان مرتكب هذا الشر، فالتمكين ووراثة الأرض مرتبط بالصلاح والإصلاح وليس بالظلم والإفساد، حتى ولو كان الإنسان الأول على وجه الأرض، قال تعالى: {ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ} [الحج: ٤١]،  وما أكثر التحذيرات الإلهية لنسل الخليل إبراهيم عليه السلام من أن معاصيهم تحرمهم عطاء ربهم، كما جاء في كتبهم: "بكل هذا لا تتنجَّسوا لأنه بكل هذه قد تنجَّس الشعوب الذي أنا طاردهم من أمامكم... فلا تقذفكم الأرض بتنجيسكم إياها كما قذفتُ الشعوب التي قبلكم" [سفر اللاويين ١٨: ٢٤ – ٢٨].

"ولكن إن انقلبتم وتركتم فرائضي ووصاياي التي جعلتها أمامكم وذهبتم وعبدتم آلهة أخرى وسجدتم لها. فإني أقلعهم من أرضي التي أعطيتهم إياها وهذا البيت الذي قدسته لاسمي أطرحه من أمامي وأجعله مثلًا وهُزأة في جميع الشعوب" [سفر أخبار الأيام الثاني ٧: ١٢ – ٢٠].

ولذلك لما أخلوا بواجباتهم وطاعتهم وتمردوا على الله تركهم لأعدائهم، فسلبوا أرضهم وأذلوهم، بل أجلوهم عن هذه الأرض من خلال سبي مملكة إسرائيل على يد ملك آشور سنة ٧٢٢ ق.م.، وسبي مملكة يهوذا على يد ملك بابل على ثلاث دفعات سنة ٦٠٥، ٥٩٧، ٥٨٦ قبل الميلاد.

التطرف الديني والعنصري في ادعاء الاختيار الإلهي

لقد أنتج التطرف الديني الصهيوني شخصية نفسية تتسم بالعنف والعدوانية، حيث بنى الصهاينة صورتهم عن أنفسهم على أنهم "شعب الله المختار" يحق له ما لا يحق للآخرين، هذه العقلية المتطرفة تجلت في مذابح دير ياسين وكفر قاسم وبحر البقر وغيرها.

فتحريف المفهوم من كونه دعوة إلى حمل رسالة أخلاقية وروحية إلى شعار عنصري يستخدم لتبرير الاضطهاد والإبادة، لقد نسوا -أو تناسوا- أن الاختيار في المنظور الديني الأصيل يستلزم مسئولية أكبر تجاه الآخرين، وليس امتيازًا للسيطرة عليهم.

وفي هذا المعني جاء قوله تعالى: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [آل عمران: ١١٠].

كذلك يوضح هذا المعنى في المسيحية، بأن اختيار الله لشعب معين لا يعني أنه يحابي هذا الشعب على حساب الشعوب الأخرى، حاشا لله، فالله لا يكيل بمكيالين، ولا يزن بميزانين، ولا يحابي، لأنه لو حابى الله شعبًا على حساب الشعوب الأخرى لكان إلهًا ظالمًا.

يقول الأب منيف حمصي: "الاختيار لا يعني ارتباط الله بشعب واحد على حساب الشعوب الأخرى، إن كان الأمر هكذا، كان لزامًا علينا القول إن الله ظالم، وغير عادل، وعديم المحبة، إذا كان الاختيار المذكور يُلزم الله بالشعب المختار فقط، كأن الله تباعًا (دمية) في يد مختاريه لأنه لا يستطيع الخروج على مشيئتهم، وهذا مستحيل" [هل يلغى العهد القديم : الاب منيف حمصي ص ١٥٧.].

وليس معنى أن الله اختار بني إٍسرائيل شعبًا له، أنه أغمض عينيه عن خطاياهم وتعدياتهم، إنما سقطوا تحت عقوبات الله الشديدة، وتحقق فيهم قول السيد المسيح عليه السلام:"إن ملكوت الله ينزع منكم ويُعطي لأمَةٍ تعمل أثماره" [متى ٢١: ٤٣].

فلو كان المولى عز وجل اختار اليهود وميزهم عن سائر خلقه لنسلهم أو لدمهم وعرقهم، ما كان عاقبهم مرارًا وتكرارًا، ولو كان متحيزًا لهم ما كان يترك الشعوب المحيطة بهم يستعبدونهم ويذلونهم، ولو كان متحيزًا لهم ما كان أذلهم في أرض السبي، فالعهد القديم كله يسجل لنا اليهود كشعب عنيد قاسي القلب ، وقال "بسطت يديَّ طول النهار إلى شعب متمرد سائر في طريق غير صالح وراء أفكاره، شعب يغيظني بوجهي" [سفر أشعياء ٦٥: ٢-٣]، ولذلك جاء الحكم الإلهي عليهم: " لذلك هأنذا أنساكم نسيانًا وأرفضكم من أمام وجهي أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها، وأجعل عليكم عارًا أبديًا وخزيًا أبديًا لا تنسى" [سفر أرميا ٢٣: ٣٩-٤٠].[ مركز المطبوعات المسيحية - تفسير الكتاب المقدَّس جـ ١ ص ٤٨٠.]

ويفند هذه الدعوي الباطلة القرآن الكريم، قال تعالى: {وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ } [المائدة: ١٨] 

فيتضح مما ذكر مدى التطرف الديني في توظيف النصوص الدينية بشكل مغلوط، متجاهلين حقيقة أن هذه النصوص كتبت في سياقات تاريخية مختلفة، ولا يمكن أن تكون أساسًا لمشروع سياسي في العصر الحديث، لقد تم فصل النص عن سياقه التاريخي والجغرافي والثقافي، في عملية تحريف منهجية للمعنى والدلالة.

نصر أكتوبر معركة الإيمان الحقيقي مع التطرف الديني

لم يكن انتصار أكتوبر مجرد نصر عسكري، بل كان تحطيمًا لأسطورة "الحماية الإلهية" المزعومة التي يتستر خلفها التطرف الصهيوني، لقد أثبتت المعركة أن القوة الحقيقية تكمن في الإيمان بالله والثقة، فعندما اجتاز الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف، لم يكن يحطم فقط التحصينات العسكرية، بل كان يحطم "أسطورة الزيف الإسرائيلي" المرتبطة بوعود توراتية مزعومة، ليؤكد ما جاء به القرآن الكريم من أن الأرض لله عزوجل يورثها من يشاء من عباده المؤمنين، قال تعالى: {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ} [الأعراف: ١٢٨] 

لقد كانت المعركة ردًا عمليًا على الادعاءات الدينية الزائفة، حيث قدم الجندي المسلم نموذجًا للإيمان الوسطي الذي يجمع بين القوة والرحمة، فشعار "الله أكبر" كان تجسيدًا للتوحيد الخالي من الغرور العنصري، والجهاد كان دفاعًا عن المقدسات والكرامة الإنسانية بالحق، وليس في الادعاءات الدينية الكاذبة.

معركة تبين أن نصوص "الحَرَم أو الإبادة الجماعية" في سفر يشوع وغيره، والتي تدعو إلى إبادة السكان، تم تحريفها لتبرير التطهير العرقي ضد الفلسطينيين في أبشع صور التطرف الديني، وأن هذا يتناقض مع المنظور الإسلامي الذي يجعل الجهاد دفاعًا عن الحق، لا عدوانًا على الآخر، كما في قوله تعالى: {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} [البقرة: ١٩٠] .

كان انتصار أكتوبر انتصارًا لقيم العدالة والمساواة في مواجهة قيم الاستعلاء والعنصرية، لقد أثبتت المعركة أن قيم الإسلام الوسطية أقدر على الصمود والانتصار من أي فكر ديني متطرف، فمبدأ التمييز العرقي الإلهي مبدأ أبطله الإسلام، قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ} [الحجرات: ١٣] 

معركتنا في مواجهة التطرف الديني مستمرة

وما دام عدونا موجود ولا تمنعه عنا مواثيق أو حدود، فيجب علينا أن نكون متسلحين ومستعدين عسكريًا وفكريًا، قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ} [الأنفال: ٦٠]، فالمعركة اليوم فكرية أكثر منها عسكرية، فيجب أن نستعد لها بأسلحة فكرية منها:

 الخطاب الديني الوسطي

يرتكز فيه خطابنا الديني على قيم التسامح والعدل والمساواة، ويكشف زيف الخطابات المتطرفة، مما يتطلب منا تطوير الخطاب الديني الوسطي ليجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويقدم الإسلام في صورته الحقيقية كدين عدل ورحمة.

التربية على قيم الانفتاح

يجب أن نربي الأجيال على قيم الانفتاح والحوار واحترام الآخر، ورفض التعصب والاستعلاء، والاعتزاز والتأكيد على قيم المواطنة والتعايش السلمي بين الجميع، وتحقيق يتطلب إدماج قيم المواطنة والوسطية في المناهج التعليمية، وتنمية التفكير المعتدل لدى الطلاب.

 المحتوى الإعلامي المسئول

يجب أن يتجه إعلامنا إلى إنتاج محتوى هادف يكشف زيف الخطاب المتطرف، ويقدم الصورة الحقيقية للدين المعتدل، مع الحرص على أن يشمل أفلامًا وثائقية، وحملات على وسائل التواصل، وتدريب كوادر إعلامية على فنون مواجهة التضليل.

 الفكر النقدي المعتدل البناء

في معركتنا الفكرية لا بد وأن نطور فكرًا نقديًا قادرا على أن يحلل جذور التطرف ويكشف آلياته وأساليبه، وفي سبيل ذلك لابد من إنتاج دراسات علمية نقدية أكاديمية تكشف الزيف والضلال اللذان نتجت عنهما الافكار الدينية المتطرفة، وتحلل جذورها الدينية والتاريخية، إن انتصار أكتوبر ليس نقطة نهاية، بل هو محطة انطلاق لمشروع نهضوي يتطلب جهود جميع صناع الوعي.

من الانتصار العسكري إلى المشروع الفكري الحضاري

إن انتصار أكتوبر ليس نقطة نهاية، بل هو محطة انطلاق لمشروع نهضوي يتطلب جهود جميع صناع الوعي، فأمامنا اليوم ضرورة ملحة لإعادة ترتيب أوراقنا الفكرية، وإشعال شمعة التنوير في دهاليز الفهم والتفاعل الحضاري، إنها دعوة لاستنهاض همم المفكرين والباحثين، والإعلاميين والمؤثرين، والتربويين والمعلمين، والمثقفين والفنانين، لكي يسهموا في نسج خيوط مشروع حضاري جامع، يقوم على أسس الوسطية والاعتدال، ويجمع بين الأصالة والحداثة في آن.

 إلى العلماء والدعاة:

عليكم حمل راية الفكر الوسطي، وقيادة مشروع تطوير خطاب ديني وسطي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، كونوا حراسًا للوسطية، واجعلوا من إقامة مراكز بحثية متخصصة في نقد الفكر المتطرف ميادين جهادكم، وكونوا قادة للتجديد من خلال إصدار فتاوى شرعية توضح أحكام الجهاد والعلاقات الدولية تتماشى مع العصر الحاضر، وأنيروا منارات للهدى في ظلمات التطرف مصابيحها كتب ودراسات تناقش قضايا التطرف والوسطية، كسروا جدران العزلة بينكم وبين سائر الأمم بمعاول هي عقد مؤتمرات وندوات للتواصل الحضاري.

للمفكرين والباحثين:

في فضاء الفكر الصهيوني، تتشابك خيوط التحدي، وتتعقد مسارات النقد، هنا تبرز الحاجة الملحة لإنتاج موسوعات علمية ترصد بعمق آليات الفكر الصهيوني، وتكشف عن تجلياته في العصر الحديث، ومدارس فكرية معاصرة تُعيد قراءة التراث بروح العصر، تُشكل جسرًا بين الأمس واليوم، وتفتح نوافذ لفهم أعمق لمقاصد الأمة، وشراكات بحثية مع مراكز الدراسات الدولية تُغني الحوار، وتُثري الرؤى، وتُسهم في بلورة أطروحات تُعبر عن قضايا الأمة بموضوعية، وأوراق بحثية تُنشر في المجلات العلمية المحكمة تُضيف لبنة جديدة إلى صرح الفكر النقدي، ومؤتمرات دولية تُنظم حول قضايا التطرف والحوار تفتح آفاقًا للتواصل والتفاهم.

للإعلاميين والمثقفين:

في عالم تتصارع فيه الأفكار، وتتنافس فيه المنصات، تبرز الحاجة إلى إنشاء منصات إعلامية متخصصة في مواجهة التطرف، تُقدم خطابًا موضوعيًا، وتُعبر عن القضية برؤية شاملة، وأفلام وثائقية تُنتج بعناية تُجسد الواقع، وتُسلط الضوء على الحقائق بلا انفعال، وحملات إعلامية دولية بلغات متعددة تُوسع دائرة التأثير، وتُوصل الرسالة إلى مختلف الثقافات، وكوادر إعلامية مدربة على فنون الحوار والإقناع تُشكل رأس الحربة في هذه المواجهة الفكرية، وقنوات على وسائل التواصل الاجتماعي تُعزز الحضور، وتتفاعل مع الجمهور بطرق مبتكرة.

للتربويين والمعلمين:

  أنتم زراع بذور الوسطية في أرض الغد، والتربية هي الركيزة الأساسية لبناء الإنسان، ومن هنا تنبع أهمية تطوير مناهج تعليمية تعزز قيم الوسطية والاعتدال، وتغرس في نفوس النشء حب التسامح، وتُربيهم على الاعتدال، ولتكن أدواتكم  في سبيل تحقيق دوركم، مدارس نموذجية تُطبق الفكر الوسطي لتُصبح منارات يُهتدى بها، ودورات تدريبية للمعلمين تُعدّهم ليكونوا روادًا في التربية الفكرية، وبرامج تعليمية إلكترونية متطورة تفتح آفاقًا جديدة للتعلم، ومسابقات علمية تُشجع على البحث والتفكير تُحفز العقول الناشئة على الإبداع والابتكار.

للمثقفين والفنانين:

الإبداع نافذة الروح، والمثقفون والفنانون هم أصحاب الرؤية وحراس الكلمة والصوت، فعليكم إنتاج أعمال أدبية وفنية تعبر عن القضية وتضيف بُعدًا جماليًا للنضال الفكري، ومعارض فنية تُجسد معاني النضال لتُصبح منابر للتعبير البصري، واتحادات ثقافية تُدعم المبدعين لتُشكل فضاءً رحبًا للإبداع، ومهرجانات ثقافية تُعزز الهوية لتجمع الناس حول قيم الأصالة والانتماء، ومجلات ثقافية تُناقش قضايا الأمة لتفتح حوارًا فكريًا مُستمرًا.

 إلى الشباب الواعي:

أيها الشباب، يا مستقبل الأمة، أنتم اليوم صناع التاريخ، وأنتم حماة القيم التي تُبنى عليها الأمم، احملوا راية الاعتدال والوسطية، فهي نور الطريق في زمن تتصارع فيه الأفكار، وتتكالب فيه التحديات، كونوا سندًا للخير والعدل، فالعدل أساس العمران، والخير منبت الرحمة في النفوس.

ابنوا مستقبلكم بإيمانكم وإرادتكم، فالإيمان وقود الروح، والإرادة سلاح التغيير، اقرأوا التاريخ بوعي، ففي صفحاته دروس لا تُنسى، وفي انتصارات الأمة دروس العزة والكرامة التي تُلهب الهمم، استلهموا من أبطال الأمس شجاعتهم، ومن حكمائها رؤيتهم، ومن علمائها نورهم.

أنتم أمل الأمة، وأنتم قوتها النابضة، فكونوا أوفياء للقيم التي ورثتموها، مُبتكرين في مسيرتكم، ثابتين على مبادئكم، ففي وسطية الإسلام حكمة، وفي اعتداله رحمة، فاحملوا هذه الرسالة بكل فخر، وكونوا سفراء للخير في عالم يحتاج إلى قلوب عامرة بالإيمان، وعقول مُستنيرة بالعلم.

 إلى الأمة جمعاء:

أيتها الأمة، يا جسدًا واحدًا رغم تعدد أعضائه، تذكروا أن القوة الحقيقية في الوحدة والاعتدال، وأن الضعف يكمن في التطرف والفرقة، إن الوحدة هي الدرع الذي يحمي، وهي السيف الذي يقطع، وهي الراية التي تُرفع في مواجهة التحديات.

كونوا يدًا واحدة في مواجهة التطرف، فالتطرف يُوهن، والاعتدال يُقوي، كونوا قلبًا واحدًا في بناء المستقبل، فبناء الغد يحتاج إلى تكاتف الجميع، وإلى قلوب مُتحدة في هدفها، وعقول مُستبصرة برؤيتها.

تذكروا أن الأمة التي تجتمع على كلمة سواء، وتتآلف على هدف مشترك، هي أمة قادرة على صنع المعجزات، وعلى مواجهة أعتى التحديات، إن الفرقة تُوهن الصف، والتطرف يُشعل الفتن، والاعتدال يُبقي على جسر التواصل، ويُحافظ على نسيج المجتمع.

كونوا لبنة في صرح الأمة القوي، وكونوا صوتًا للاعتدال في زمن يحتاج فيه العالم إلى صوت الحق، وإلى يد العدل، في وحدتكم قوة، وفي اعتدالكم رحمة، وفي وسطيتكم نور يهدي إلى بر الأمان.

أكتوبر انتصار الحق على باطل التطرف الديني

علمتنا حرب أكتوبر أن التطرف الديني -أيًا كان مصدره- هو عدو للإنسان والدين معًا، وإن انتصار أكتوبر كان برهانًا ساطعًا على أن قوة الحق والإيمان تتغلب على كل أشكال الباطل والادعاء، قال تعالى: {قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ} [التوبة: ١٤] 

فكما انتصرنا بالأمس على التطرف الديني الصهيوني، سننتصر اليوم وغدًا على كل أشكال التطرف، بحول الله وقوته، فلنكن جميعًا جنودًا في معركة الوعي والبناء، ولنجتهد في حماية أبناءنا من براثن الفكر المتطرف، ولنصنع معًا مستقبلًا ينعم فيه أبناؤنا بالأمن والسلام والعدل.

إن ذكرى أكتوبر تبقى شمعة تنير درب الأجيال، تذكرنا بأن المعركة مع التطرف مستمرة، وأن الانتصار الحقيقي هو الذي يبني الإنسان ويرسي قيم العدل والمساواة؛ {وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} [الإسراء: ٨١].

فهنيئًا لأمة أنجبت رجالًا صنعوا النصر، وثوابًا لشهداء رووا بدمائهم شجرة الحرية، وتحية لجيش لا يعرف المستحيل، وتحية لأمة تبنى مستقبلها بإيمانها وإرادتها.

الخلاصة

حرب أكتوبر كانت ملحمة نصر هزمت أسطورة التطرف الديني الصهيوني، الإيمان بالله والثقة بالحق كانتا القوة الدافعة وراء انتصار الجيش المصري، إن التطرف الديني يُحوّل النصوص المقدسة لأدوات هيمنة ويبرر الظلم والعدوان، والوسطية الإسلامية تُؤكد أن الكرامة الإنسانية والعدل أساسان للتعايش السلمي، وأكتوبر أثبت أن قيم الإسلام الوسطية أقوى من أي فكر متطرف، ومواجهة التطرف تتطلب خطابًا دينيًا وسطيًا وتربية على قيم الانفتاح والحوار، انتصار أكتوبر يُلهمنا أن الحق ينتصر دائمًا على الباطل والغلو.

موضوعات مختارة