Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تحقيق الإيمان والجندية لله ربِّ العالمين

الكاتب

هيئة التحرير

تحقيق الإيمان والجندية لله ربِّ العالمين

تحقيقُ الإيمان وجنديةُ العبد لله ربِّ العالمين مقامٌ عظيمٌ يجمع بين طهارة الباطن وقوة الظاهر، وبين إخلاص النية وثبات القدم، وفي مثل هذا المقام تظهر العجائب، أممٌ ضعيفةٌ يزيدها اليقين قوةً، وجنودٌ قَلائل يُبدعون في صنع المعجزات حين تساندهم يدُ الله ويؤيّدهم تسديده، ومن هذا الواقع نفهم قوله تعالى: {وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: ١٢٦]، وأن العبرة ليست بوجود الأسباب وحدها، بل بكيفية الأخذ بالأسباب مقرونًا بالتّوكُّل، وصدق النية، واستحضار وعد الله لعباده المؤمنين.

الأخذ بالأسباب بيننا وبين العدو... الفرقُ في النصرة الإلهية

إذا أخذ العدو بالأسباب وأخذنا نحن بالأسباب، فما الفرق؟ الفرقُ في حمل القلوب على الصدق والاحتساب، وفي ارتباط الأسباب بخيطِ الإيمان، الفرق ليس في المعدات وحدها، بل في حيثيّة الأخذ بالأسباب: هل نأخذها كغايةٍ أم كوسيلة؟ الفرق في قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} [غافر: ٥١]، وفي قوله{وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ*إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ*وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ} [الصافات:١٧١-١٧٣]، هنا وَعْدٌ إلهيٌّ بتأييد خاصٍّ للرسل ومن تبعهم بالصدق والإيمان،

أي: حين يكون أخُذُنا بالأسباب مقرونًا بالنية الخالصة، وبإرادة تطلب نصرةَ الله ورضاه، يُصبح أخُذُنا بالأسباب موجبًا لدعاءٍ رحمانيٍّ يستجيب له مولانا؛ بينما أخذُ العدو بالأسباب كان بدافع الغرور والطغيان فليس فيه ما يباركه الله، فالفرق أن جندية المؤمنين مرتبطة بوعد الله، وأن تسديدهم في ميادين الحرب ثمرةُ إيمانهم الصادق.

إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة... وعدٌ قرآني وطمأنينةٌ للجندي

قال تعالى مخاطبًا خصومَ المؤمنين في سياقٍ تاريخيٍّ من تحدٍّ: {قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: ٥٢].

من هنا جاء البيان: إن الله وعدنا إحدى الحسنيين، إما النصر وإما الشهادة، فالمجاهد يخاطبه القرآن بطمأنينةٍ عمليّة، إن انحرفت الأسباب أو أحاطتك المصائب فالنتيجة عند الله، إمّا أن يمنّ عليك بالنصر، وإمّا أن يَمنحك الشهادة التي هي من أعظم المنازل، وعليه؛ فوجب علينا أن نلزم أحكامَ الله في شئوننا كلِّها، وأن نحكم منهجه على أنفسنا ومجتمعاتنا لنستحقّ نصرةَ الله في ميادين الحرب والسّلم، كما قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ}[محمد: ٧]، والفرق بين جهاد المؤمنين وحرب الطغاة شاسع، قال تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ} [المنافقون: ٨]، وقال أيضًا: {وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [آل عمران: ١٣٩]، فقتلى المؤمنين شهداء أحياء عند ربهم، كما قال تعالى: {وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ} [آل عمران: ١٦٩]، أما قتلى الطغاة فهم في خزي وعذاب، لا أجر لهم ولا بركة في دمائهم.

التوفيق الإلهي وراء التصدِّي والضربات الناجحة

لا ننكر فضلَ الأخذ بالأسباب والتخطيط الدقيق والتدريب الاحترافي، لكن الحقّ أن النصر الحقيقيَّ لا يأتي إلّا بتوفيق الله، قال تعالى مبينًا حقيقةَ الحَدَث في واقعةٍ عظيمة: {فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: ١٧]، أي: إن الرامي توفيقه من الله، والمقذوف لا تَحِلُّ فيه نتائجٌ حقيقيةٌ إلاّ بتسديدٍ إلهيٍّ، وهذا يمنح المؤمنين توكّلًا واعيًا: أن يعملوا ويتقنوا، ويأخذوا بالأسباب، ويعلموا أن ثمرةَ الإتقان والتسديد من عند الله وحده، فالاستناد إلى الأسباب شرطٌ شرعيٌّ، لكن التمسّك بالقلوب الطاهرة والنية الخالصة هو سببُ تفضيلِ الله للنصر على أيدي هؤلاء.

دروس من تاريخ الأمة وصفات النصر المستمر

جاء في تاريخ الطبري في قصة نهايةِ الملك الفارسي بعد نهاوند وما تلاها من مواقف ملكِ الصين: لما سمع أوصاف المسلمين من الوفاء بالعهد، والطاعة لأمرائهم، وتمسّكهم بالحلال والحرام، قال: "هؤلاء قومٌ لا يهلكون؛ لأنهم أوفياء بالعهد، مطيعون لمرشدهم، يحفظون حدودَ الله فلا يحلّون ما حَرّمَه الله ولا يحرّمون ما أحلَّه"، ثم كتب إلى يزدجرد ناصحًا: "سالمهم وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تُهَيِّجهم ما لم يُهَيِّجوك" [٤/١٣٣ وما بعدها].

هذا الوصف التاريخي شاهد يُعلّمنا أنَّ الاستقامة على الدين، والصدق في الطاعة، والتمسّك بالأخلاق، هي عناصرُ دوامِ النصر واستمراريته، فالنصرُ عند الله ليس مؤقتًا لمن اغترّت نفسه بالهيمنة، بل هو ثمرُ ثباتٍ يَصونُه الالتزامُ بالشرع.

آياتٌ ونماذج تشهد لِوَعْدِ الله والمنّة على المؤمنين

يزخر القرآن الكريم بالعديد من الآيات التي فيها ابتهاجٌ بوعود الله لعباده المخلصين، قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ} [غافر: ٥١]، وقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [الروم: ٤٧]، وقال تعالى: {وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [النمل: ٥٣]، وجميعها تذكّر أن النصر والتأييد مرتبطان بالتقوى والعمل الصالح والتمسّك بمنهج الله.

شواهد نبوية

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم«يَدُ اللهِ مع الجماعةِ» [أخرجه الترمذي (٤/‏٤٦٦، رقم ٢١٦٦) وقال: حسن غريب].

وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه إلى سعد بن أبي وقاص: "إنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن استوينا نحن وهم في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة" [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٤٧٢].

التطبيق العملي: كيف نحيي روح الجندية لله اليوم؟

يكونُ ذلك بإصلاح النيات فنجعل كل عملٍ ابتغاءَ وجه الله، فتصير النيةُ معيارَ قبول العمل، والأخذ بالأسباب بحرفيةٍ وإخلاصٍ، فالتدريب والعمل والتخطيط واجب، ولكن يكون مصاحبًا بالذكر والافتقار إلى الله، إن المجتمع الذي يُحيي منهجَ الله في أحكامه وعلاقاته يكون أحقَّ بأن يُنصره ربه، ثم الثبات على الحق، فلا تنسحب الأمة من ميدانِ الأخلاق والعدل، لأن ذلك سببٌ في السقوط، كما قال عمر لابنِه في وصايـاه: "إنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله".

وعلينا الاستفادة من التاريخ، فَتَعَلُّمُ صفاتِ الأمة المنتصرة -الوفاء بالعهد، الطاعة للخير، حفظ الحلال والحرام- يجعلها أمةً لا تُهلك.

الخلاصة

إنَّ تحقيق الإيمان والجندية لله رب العالمين ليس شعارًا يُرفع في المعارك فقط، بل هو منهج حياةٍ كامل، ومن اتقى الله وأخلص نياته، وأخذ بالأسباب، وأقام الشريعة على نفسه ومجتمعه، فهو على وعد الله بالنصر أو الشهادة، قال تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ} [النور: ٥٥].

موضوعات مختارة