علمتنا حرب أكتوبر أن الاستقلال الحقيقي ليس مجرد علم يرفع فوق مبنى، بل هو إرادة تتخذ القرارات المصيرية بعيدًا عن الضغوط الخارجية، ومن أخطر الحروب والضغوط التي تمارس على الدول اليوم هي الحروب الاقتصادية، وفي مواجهة الحروب الاقتصادية التي تمارس على الدول، تبنت مصر استراتيجية العبور الاقتصادي من التبعية إلى الاكتفاء الذاتي، مجسدةً هذه الإرادة في مشروعات قومية عملاقة تغطي كافة القطاعات الحيوية.
- ففي مجال تحقيق الأمن الغذائي، يبرز مشروع الدلتا الجديدة الذي يحول الصحراء إلى جنات خضراء، تحقيقًا لرؤية طموحة لتوسيع الرقعة الزراعية. كما يمثل مشروع المليون ونصف مليون فدان إحياءً للريف المصري من خلال إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة وأنشطة زراعية وصناعية على مساحة ٥٠٠ ألف فدان موزعة على ٩ مناطق، بما فيها الفرافرة والدخيلة والمغرة؛ مما يسهم بشكل مباشر في تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية وتوفير وحدات سكنية وفرص عمل للآلاف.
- ولتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، تعمل مصر على عدة محاور متوازية، ففي مجال الطاقة النووية يجري العمل على إنشاء أربع مفاعلات في محطة الضبعة النووية بقدرة إجمالية تصل إلى ٤٨٠٠ ميجاوات على أن تبدأ المحطة الأولى في الإنتاج بحلول عام ٢٠٢٤.
وفي مجال الطاقة المتجددة تُعد محطة بنبان للطاقة الشمسية في أسوان نواة ضخمة لتوليد الكهرباء؛ حيث تضم ٤٠ محطة بقدرة ٢٠٠٠ ميجاوات، وهي طاقة تعادل ٩٠% من إنتاج السد العالي.
كما شهد قطاع البترول والغاز طفرة غير مسبوقة؛ حيث يسهم حقل ظهر العملاق بإنتاج بلغ ٢.٧ مليار قدم مكعب غاز يوميًّا، إلى جانب حقل نورس الذي يضيف ١.١ مليار قدم مكعب، وحقل أتول بشمال دمياط بإنتاج ٣٥٠ مليون قدم مكعب يوميًّا و١٠ آلاف برميل متكثفات، كما يتم تنمية احتياطيات ضخمة في حقول شمال الإسكندرية وغرب دلتا النيل تقدر بحوالي ٥ تريليون قدم مكعب من الغاز.
- وفي إطار بناء قاعدة صناعية راسخة، أنشأت الدولة مجمعًا للصناعات الصغيرة والمتوسطة في مدينة العاشر من رمضان ليضم ٣٨٤ ورشة صناعية على مساحة ٤٥٤ ألف متر مربع، بتكلفة وصلت إلى ٣٨٦ مليون جنيه، بهدف توفير فرص عمل دائمة ومؤقتة للشباب، كما أصبحت مدينة دمياط للأثاث قلعة صناعية جديدة تجمع أمهر الصانعين، وتوفر ١٣٠ ألف فرصة عمل، مما يدعم الصناعات والحرف التقليدية العريقة.
- ولتعزيز البنية التحتية والدخل القومي، مثل مشروع قناة السويس الجديدة تحديًّا وطنيًّا تجسد في إنجاز التفريعة الجديدة وتطوير البحيرات المرة في عام واحد فقط بدلًا من ثلاثة، بتمويل مصري خالص؛ مما سمح بمرور السفن العملاقة وزيادة إيرادات القناة، وفتح آفاقًا جديدة للتنمية عبر مشروع تنمية محور قناة السويس.
- أما على صعيد التنمية العمرانية والإسكان، فقد أطلقت الدولة خطة طموحة لإنشاء ١٦ مدينة جديدة، منها العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة التي تقام على مساحة ٤٨ ألف فدان لتصبح بوابة للاستثمار السياحي والعقاري، ومدينة الإسماعيلية الجديدة التي تمثل أول مدينة مصرية مهيأة بالكامل لذوي الاحتياجات الخاصة، وقد استطاعت الدولة إنشاء ٧ مدن جديدة تضم آلاف الوحدات السكنية في وقت قياسي، بهدف تخفيف التكدس السكاني وتوفير فرص عمل.
- ولتعزيز قطاع السياحة والتراث، يعد المتحف المصري الكبير بالقرب من أهرامات الجيزة أكبر متحف في العالم للآثار؛ حيث سيعرض أكثر من ١٠٠ ألف قطعة أثرية على مساحة ١١٧ فدانًا، كما يقع المتحف القومي للحضارة المصرية في مدينة الفسطاط على مساحة ٣٣.٥ فدانًا، ليستعرض خمسين ألف قطعة تحكي تطور الحضارة المصرية عبر العصور.
وتمثل هذه المشروعات مجتمعة نسيجًا متكاملًا لرؤية مصرية طموحة تهدف إلى بناء اقتصاد وطني قوي قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتوفير ملايين فرص العمل، وخلق مستقبل أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة، كما تؤكد على أن الإرادة المصرية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وترسخ مبدأ أن الاستقلال الاقتصادي هو ركيزة السيادة الوطنية الحقيقية.