لم تكن حرب السادس من أكتوبر مجردَ معركةٍ عسكرية، بل كانت ملحمةً إيمان وصمود، أعادتْ لمصر والعرب كرامتهم، وأثبتت للعالمِ أجمع أنّ الإرادة والعزيمة أقوى من أي حصن أو حاجز.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لم تكن حرب السادس من أكتوبر مجردَ معركةٍ عسكرية، بل كانت ملحمةً إيمان وصمود، أعادتْ لمصر والعرب كرامتهم، وأثبتت للعالمِ أجمع أنّ الإرادة والعزيمة أقوى من أي حصن أو حاجز.
من عمق اليأسِ الذي خيَّم على قلوبِ المصريين بعد هزيمة ١٩٦٧م، ومن بين أنقاضِ جرح الأمة الغائر تسلّل نور الأمل؛ ليعلنَ فجرًا جديدًا، فقد مرَّ المصريونَ بأصعب اللحظات التي مرّت عليهم في العصر الحديث؛ حيثُ كانت السنواتُ الستُّ التي سبقت السادسَ من أكتوبر عام ١٩٧٣م ثقيلةً على نفوس المصريين، فلا يزالُ أثر الانكسار والجرح الذي نتج بعد هزيمة ١٩٦٧م يدمي القلوب، ولما مرَّ الوقت بعدها، وانقضى العام تلو العام، تسرّب اليأس إلى نفوس البعض، وظنّوا أن الكرامةَ قد ضاعت، وأنّ العودة إلى العزة أصبحت مستحيلةً، وكانت تلك الفترةُ أشبهَ بليلٍ طويل لا فجر له يخيم على الأمة، لكن مشيئة الله – تعالى - قدرت أن يكون الفجر قريبًا، وأن تشرق شمس النصر من جديد على أرض سيناء، وتعيد السرور والفرح إلى قلوب أهل مصر، والوطن العربي.
ويؤكدُ الواقعُ للجميع أنه لم تكن حربُ أكتوبر مجردَ معركة عسكرية، بل كانت فصلًا جديدًا من تاريخ الأمة، فصلًا كُتب بدمِ الشهداء، وعرقِ الأبطالِ، كان عنوانُه الأبرز هو الإيمان بالله، والثقة بوعدِهِ.
واجه الجيشُ المصري العديدَ من الصعاب، كانت توصف بالمستحيلات، ولم يكن أمامه إلا أن يعبرَها جميعًا، وكانَ لهذا العبور العديد من المعاني، فلم يكن عبورُ خط بارليف مجرد عملية عسكرية محفوفة بالمخاطر، بل كان عبورًا من حالةِ اليأس إلى حالة اليقينِ، ومنَ الشعور بالهزيمةِ إلى الشعورِ بالنصر.
إنّ النصرَ الحقيقيّ لم يأتِ فقط من التخطيط العبقري، أو التدريب الشاقّ، بل كان نابعًا من إيمانٍ عميق بأنّ الله – تعالى - لا يخذلُ عبادَه الصادقين، ولقد أدركَ أبطالُ الجيش المصري أنهم يقاتلون في سبيل الله، وأنهم يدافعونَ عن كرامةِ أمتهم، وأرضهم، وهذا المعنى العميق للنصر نابعًا من قول الله – تعالى - في كتابه العزيز: {إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ} [آل عمران: ١٦٠]، فقد كانت هذه الآيةُ الكريمةُ محفورةً في قلوب، وعقول الجنود؛ حيث كانوا على يقين تام بأن النصر قادم طالما أنهم على الحق.
ولقد صدقوا في وعدهم لله، فكان النصر حليفهم يقول الله - عز وجل-: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} [محمد: ٧]، ولما تمكَّن من قلوبهم هذا اليقين، ثبَّت الله أقدامهم، وبارك جهودهم، فأذهلوا العالم بسرعة وفعالية عبورهم.
وقد سجلت تلك اللحظات عظمة الإيمان عندما يمتزج بالعمل الجاد، والاستعداد بكل ما تيسر من القوة.
للنصر جناحان: الإيمان بالله، والتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب، والتخطيط الدقيق، فنصرُ أكتوبر لم يأتِ صدفة؛ بل كان نتيجةَ سنوات منَ الإعداد السريّ، والدقيق، والتخطيط المحكم، والتدريب المستمر، فقادةُ الجيش المصري أدركوا من أول وهلةٍ أهميةَ إعداد القوة، وتجهيزها، وهذا ما حثّ عليه الإسلام، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لو أنَّكم توَكلتُم عَلَى اللَّهِ حَقَّ توَكُلِه لَرزَقَكم كما يرزقُ الطَّيرَ تغدو خماصًا وتروحُ بطانًا» [رواه الترمذي، وابن ماجه].
وهذا الحديثُ الشريفُ يوضح أنّ التوكلَ الحقيقيّ لا يعني التواكل، بل يعني الأخذ بالأسباب، والعمل بجد واجتهاد مع الثقة الكاملة في نصر الله، ولقدْ عملَ الجنودُ المصريون في صمت، وجهّزوا أنفسهم؛ لملاقاةِ العدو، وكانوا يثقون في أنّ الله سينصرُهم طالما أنهم يبذلونَ كل ما في وسعهم.
لم يكن أثر نصر أكتوبر مقتصرًا على استرداد الأرض، بل كان الأهم هو استرداد الروح، وإعادة الأمل إلى القلوب، وإحياء الشعور بالعزة والكرامة، ولقد كان نصر أكتوبر بمثابة نقطة تحول في تاريخ الأمة، فبعدما كانت تعيش حالة من الانكسار، أصبحت لديها ثقة في قدرتها على مواجهة التحديات.
لقد أثبتتْ حرب أكتوبر أنّ الإرادة أقوى من السلاح، وأنّ إيمان الأُمة هو حصنها الحقيقي، وقد تجسّد هذا المعنى في تضحيات الجنود البواسل الذين استشهدوا في سبيل الله والوطن، وخلدهم التاريخ بدمائهم الزكية.
يقولُ الشاعر "فاروق جويدة":
كلّ الأحبةِ يطلبون رضاكي .. وأنا بدمي قد رويتُ ثَرَاكِي
إنْ كانَ في سننِ الحياة ضريبةٌ .. فأنا بروحي قد فديتُ حماكي
إنهم ليسوا مجردَ جنود، بل كانوا أيقونات للتضحية، والإخلاص، قدّموا أرواحهم فداءً للأُمة، فكانَ هذا النصرُ فجرًا جديدًا لمصر، وللأمة العربية بأكملها، ففتح الطريق أمام تحقيقِ السلام، وبناء المستقبل.
إنّ نصرَ أكتوبر ليس مجردَ ذكرى عابرة، إنما هو درسٌ خالدٌ للأجيال القادمة، نصرٌ يفتحُ أعيننا على الحقيقة؛ لنعيش بها، وهي أن الإيمان الصادق، والعمل الجاد هما: مفتاح كل نصر، ونور أكتوبر سيبقى منارة تهدي طريقنا، وتلهمنا؛ لتحقيقِ المزيد من الإنجازات؛ ليكونَ هذا النصر فجرًا جديدًا لا يغيب، وعلامة على عظمة هذه الأُمة، وقدرتها على تحقيق المستحيل.