Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نصر أكتوبر: قصة عبور الأمة من ذل الهزيمة إلى عزة النصر

الكاتب

هيئة التحرير

نصر أكتوبر: قصة عبور الأمة من ذل الهزيمة إلى عزة النصر

يمثل نصر أكتوبر العظيم قصة تحوّل تاريخي من مرحلة الذل والهزيمة إلى تحقيق العزة والانتصار، من خلال إرادة قوية وإيمان راسخ ووحدة وطنية، ليكون نموذجاً يُحتذى به للأجيال القادمة.

نصر أكتوبر وسنن الله الكونية

قال تعالى: {وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [آل عمران: ١٣٩]، تمر ذكرى نصر أكتوبر لتذكر الأمة الإسلامية جمعاء بسنة ماضية من سنن الله في كونه، سنة التدافع بين الحق والباطل، التي أشار إليها القرآن الكريم: {وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ} [الحج: ٤٠].

فتأتي ذكرى العبور والنصر في السادس من أكتوبر مجسدةً لعبور أكبر وأعمق، هو عبور الأمة -ممثلة في مصر- من حالة الذل والهزيمة والانكسار إلى حالة العزة والكرامة والانتصار، هذه القصة ليست قصة مصر وحدها، بل هي نموذج مصغر لقصة الأمة الإسلامية كلها، تقدم لها خارطة طريق للعبور من واقعها المرير إلى مستقبلها المنشود.

الهزيمة تفقد الأمة ثقتها بنفسها وربها

لم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل كانت هزيمة نفسية ومعنوية عميقة؛ لم تكن الهزيمة مجرد احتلال للأرض، بل كانت هزيمة شعرت فيها الأمة بالتمزق والضياع، فحالة الهزيمة النفسية التي انتشرت بين الشعوب أخطر من هزيمة السلاح، لأنها تهزم إرادة الأمة قبل أن تهزم جيوشها، والهزيمة المعنوية تجعل الأمة تفقد ثقتها في تراثها وحضارتها، فتنقطع صلتها بماضيها المجيد، ويعز عليها أن تتطلع إلى مستقبل مشرق، هذه الحالة التي عبر عنها القرآن في قوله تعالى: {هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا * وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا} [الأحزاب: ١١-١٢] ، كانت هي الواقع المرير، وهذا الوصف ينطبق بحذافيره على حالة كثير من أبناء الأمة اليوم، وذلك لأن الأمة تتعرض لهزيمة خطيرة تتمثل في الشك في الذات.

لكن الأمة التي تنتمي إلى تاريخ عريق، وتعتز بانتمائها إلى دين يرفعها، لا يمكن أن تبقى في قاع اليأس، لقد كانت تلك المحنة هي البوابة التي دخلت منها الأمة إلى مرحلة جديدة من التدبر والتفكر، فبدأ السؤال الجاد: أين الخلل؟ الأمة التي تعيش بقلب الإيمان تعلم أن المحن قد تكون مقدمات للمنح، والشدائد قد تفتح أبواب الفرج، فكانت الهزيمة بمثابة الصدمة التي أيقظت الضمير، والدافع الذي حرك الإرادة، وكما قال تعالى: {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ} [البقرة: ١٥٥]، لقد كان هذا البلاء هو الأرض التي بُذرت فيها العزائم، وأنبتت فيها الإرادة للتغيير، وجاء السؤال: كيف نعود إلى الله وإلى قوتنا الحقيقية؟

العبور الداخلي.. حين تستيقظ الإرادة وتتجه القلوب إلى الله

سنة الله تعالى تقضي بأن الليل لا بد أن ينجلي، لم يكن العبور العسكري ليحدث لولا ذلك العبور الداخلي الذي تمثل في:

 - استعادة الثقة بالله: كان اختيار توقيت الحرب في رمضان رسالة إيمانية عميقة، ففي السادس من أكتوبر ١٩٧٣م، الموافق العاشر من رمضان ١٣٩٣هـ، تحركت الجيوش بعزيمة المؤمنين، واختاروا وقتًا هو وقت عبادة وصيام، ليؤكدوا أن المعركة لله، وأن النصر منه سبحانه قال تعالى: {وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} [آل عمران: ١٢٦].

 لقد كان المشهد يعيد إلى الأذهان مشهد المؤمنين من المهاجرين والأنصار يوم بدر، يوم التقى الجمعان فأيد الله المؤمنين بجند من الملائكة منزلين ومردفين، قال تعالى: {إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} [الأنفال: ١٢-١٣]، وهو ما يؤكده الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته: "لقد اختير هذا التوقيت بعناية فائقة، فهو يجمع بين عنصر المفاجأة التكتيكية للعدو، والعنصر المعنوي للجندي المصري المسلم الذي يستحضر نصر الله في غزوة بدر"، ويضيف الشاذلي موضحًا أن "الجندي المصري الصائم كان يدرك أنه يحقق معجزة، وكان إيمانه هو وقود هذه المعجزة" [انظر: مذكرات الفريق الشاذلي، ص ١٤١-١٤٣].

- استعادة الثقة بالنفس: لقد أدركت القيادة والشعب في مصر أن النصر لا يأتي بمجرد تراكم السلاح، بل لا بد له من روح تُعمره، وإيمان يحركه، فكانت كلمات "الله أكبر" تتردد في الثكنات العسكرية، ومعها تتلى الآيات القرآنية: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ} [الأنفال: ٦٠]، لقد فطنوا إلى أن القوة هنا شاملة: قوة الإيمان، وقوة العدة، وقوة الإرادة، مهتدين بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ» [صحيح مسلم، رقم ٢٦٦٤]، فجمعوا بين القوة المادية والاعتماد على الله، وهو سر العزة.

يذكر الفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية الأسبق، التفاصيل الدقيقة لمرحلة الإعداد: "كنا نعلم أن المعركة ليست مع العدو فحسب، بل مع النفس أولاً، كان علينا أن نقتلع جذور الهزيمة من قلوب جنودنا، وأن نبني فيهم الثقة بأنهم قادرون على تحقيق المستحيل"، ويضيف أيضًا: "بدأنا برنامجًا تدريبيًا مكثفًا، كل يوم كان يمضي كان يزيد من ثقة الجندي بنفسه وبقدراته" [انظر: الفريق محمد فوزي: حرب الثلاث سنوات، ص ٢٠٣، ٢٠٩، ٢١٥.]

وما أن تحققت إرادة الجنود لنصر الله في نفوسهم، حتى أنزل الله عليهم نصره، فأصبح يوم السادس من أكتوبر "فرقاناً" يفرق بين حق الأمة في أرضها وباطل الاحتلال، مصداقاً لقوله تعالى: {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} [محمد: ٧] ، ولقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا * وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} [الإسراء: ٨٠-٨١]، لقد كان النصر رسالة إلى الأمة كلها بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن الذل لا يمكن أن يلازم أمة تعتصم بحبل الله.

- توحيد الصف الداخلي

كانت الوحدة الوطنية هي سر القوة، فلم يكن للخلاف ولا للاختلاف بين المصريين مكان، لأن أملهم في ربهم أن ينصرهم جعلهم يمتثلون لقوله تعالى: {وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الأنفال: ٤٦]، فاتحدوا خلف قيادتهم، وشدوا على سواعد أبنائهم، وتحملوا الجوع والحرمان حتى من أساسيات الحياة من أجل أن يؤمنوا احتياجات الجيش في استعداده ليوم ثأرهم، فقد كان لكل بيت من بيوت مصر ثأر عند عدوهم.

 يوضح المؤرخ العسكري جمال حماد: "لقد نجحت خطة الخداع الاستراتيجي لأن كل مواطن مصري كان جنديًا في المعركة، من الفلاح في الريف إلى العامل في المصنع، كلهم التزموا بخطة واحدة"، ويوضح قائلًا: "هذه الوحدة الوطنية كانت السلاح السري الذي حير العدو، لأنه كان يتعامل مع شعب بكامله تحول إلى جيش واحد" [جمال حماد: العمليات الحربية على الجبهة المصرية، جـ٢، ص ٢٩٤، ٣٢٥].

العبور الكبير وتحول الإرادة إلى عزة ونصر

في لحظة فارقة من تاريخ الأمة، انطلقت الطلائع المؤمنة لتعبر القناة، لقد اختير توقيت المعركة بعبقرية، لكنها عبقرية مستمدة من الفهم العميق لنفسية العدو ونفسية الجندي المسلم في شهر الصيام والعبادة، لقد كان المشهد يُذكر بقوله تعالى عن غزوة بدر: {إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ} [الأنفال: ٤٢].

لقد رأى العالم كله كيف تحطمت أسطورة خط بارليف المنيع في ساعات، وكأنها جدران من ورق أمام إرادة مؤمنة، وهذا ما سجله الجنرال حاييم بارليف نفسه في مذكراته بقوله: "لقد فوجئنا تمامًا بالهجوم المصري، لقد حطموا خطنا بشراسة غير متوقعة" [حاييم بارليف: حرب يوم الغفران، ص ١١٨]، لكننا نؤمن أن المفاجأة كانت بتقدير العزيز الحكيم.

في هذا اليوم تحول الاستعداد إلى فعل ملموس، تحولت الاستراتيجية العسكرية من قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ} [الأنفال: ٦٠]، إلى قوله تعالى: {قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ *وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: ١٤-١٥].

 يصف الكاتب أنيس منصور اللحظات الأولى للهجوم: "كانت الدقائق الأولى للهجوم تمثل لحظة تاريخية فارقة، لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت تحولًا في مسار الأمة كلها، لقد شاهدنا بعيوننا كيف تتحول الإرادة إلى فعل، والتصميم إلى نصر ملموس"، ويقول أيضًا عن هذه اللحظة التاريخية: "ما حدث في تلك الظهيرة لم يكن عبورًا للمانع المائي فحسب، بل كان عبورًا لكل حواجز العجز والهزيمة النفسية التي كبلت الأمة لسنوات طوال" [انظر: أنيس منصور: العبور العظيم، ص ٧٨-٨٣ ].

فيومها أعطت مصر درسًا للعالم كله الذي توقف ليسأل: كيف يمكن لدولة نامية أن تفرض إرادتها على القوى العظمى، وأن تغير خريطة التوازنات الإقليمية والدولية بقوة إرادتها وإيمانها بعدالة قضيتها.

الخلاصة

يمثل نصر أكتوبر تجسيداً عملياً لسنة التدافع الإلهية بين الحق والباطل، حيث عبرت الأمة من حالة الهزيمة النفسية والمعنوية إلى تحقيق العزة والكرامة، قام هذا التحول على أساس "العبور الداخلي" الذي تمثل في استعادة الثقة بالله والنفس من خلال الإيمان العميق والتخطيط الاستراتيجي، وأسهمت الوحدة الوطنية وتوحد الصف في تحويل الإرادة الجماعية إلى فعل ملموس حطم أسطورة القوة الغالبة، ويؤكد النصر أن الهزيمة ليست قدراً محتوماً وأن النصر حليف المؤمنين عندما يجمعون بين الإعداد المادي والتوكل على الله، وتبقى هذه الملحمة خارطة طريق للأمة في مواجهة التحديات وإثبات أن السنن الإلهية ناصرة للمؤمنين الصابرين.

موضوعات مختارة