سنة الله تعالى تقضي بأن الليل لا بد أن ينجلي، لم يكن العبور العسكري ليحدث لولا ذلك العبور الداخلي الذي تمثل في:
- استعادة الثقة بالله: كان اختيار توقيت الحرب في رمضان رسالة إيمانية عميقة، ففي السادس من أكتوبر ١٩٧٣م، الموافق العاشر من رمضان ١٣٩٣هـ، تحركت الجيوش بعزيمة المؤمنين، واختاروا وقتًا هو وقت عبادة وصيام، ليؤكدوا أن المعركة لله، وأن النصر منه سبحانه قال تعالى: {وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} [آل عمران: ١٢٦].
لقد كان المشهد يعيد إلى الأذهان مشهد المؤمنين من المهاجرين والأنصار يوم بدر، يوم التقى الجمعان فأيد الله المؤمنين بجند من الملائكة منزلين ومردفين، قال تعالى: {إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} [الأنفال: ١٢-١٣]، وهو ما يؤكده الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته: "لقد اختير هذا التوقيت بعناية فائقة، فهو يجمع بين عنصر المفاجأة التكتيكية للعدو، والعنصر المعنوي للجندي المصري المسلم الذي يستحضر نصر الله في غزوة بدر"، ويضيف الشاذلي موضحًا أن "الجندي المصري الصائم كان يدرك أنه يحقق معجزة، وكان إيمانه هو وقود هذه المعجزة" [انظر: مذكرات الفريق الشاذلي، ص ١٤١-١٤٣].
- استعادة الثقة بالنفس: لقد أدركت القيادة والشعب في مصر أن النصر لا يأتي بمجرد تراكم السلاح، بل لا بد له من روح تُعمره، وإيمان يحركه، فكانت كلمات "الله أكبر" تتردد في الثكنات العسكرية، ومعها تتلى الآيات القرآنية: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ} [الأنفال: ٦٠]، لقد فطنوا إلى أن القوة هنا شاملة: قوة الإيمان، وقوة العدة، وقوة الإرادة، مهتدين بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ» [صحيح مسلم، رقم ٢٦٦٤]، فجمعوا بين القوة المادية والاعتماد على الله، وهو سر العزة.
يذكر الفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية الأسبق، التفاصيل الدقيقة لمرحلة الإعداد: "كنا نعلم أن المعركة ليست مع العدو فحسب، بل مع النفس أولاً، كان علينا أن نقتلع جذور الهزيمة من قلوب جنودنا، وأن نبني فيهم الثقة بأنهم قادرون على تحقيق المستحيل"، ويضيف أيضًا: "بدأنا برنامجًا تدريبيًا مكثفًا، كل يوم كان يمضي كان يزيد من ثقة الجندي بنفسه وبقدراته" [انظر: الفريق محمد فوزي: حرب الثلاث سنوات، ص ٢٠٣، ٢٠٩، ٢١٥.]
وما أن تحققت إرادة الجنود لنصر الله في نفوسهم، حتى أنزل الله عليهم نصره، فأصبح يوم السادس من أكتوبر "فرقاناً" يفرق بين حق الأمة في أرضها وباطل الاحتلال، مصداقاً لقوله تعالى: {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} [محمد: ٧] ، ولقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا * وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} [الإسراء: ٨٠-٨١]، لقد كان النصر رسالة إلى الأمة كلها بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن الذل لا يمكن أن يلازم أمة تعتصم بحبل الله.
- توحيد الصف الداخلي
كانت الوحدة الوطنية هي سر القوة، فلم يكن للخلاف ولا للاختلاف بين المصريين مكان، لأن أملهم في ربهم أن ينصرهم جعلهم يمتثلون لقوله تعالى: {وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الأنفال: ٤٦]، فاتحدوا خلف قيادتهم، وشدوا على سواعد أبنائهم، وتحملوا الجوع والحرمان حتى من أساسيات الحياة من أجل أن يؤمنوا احتياجات الجيش في استعداده ليوم ثأرهم، فقد كان لكل بيت من بيوت مصر ثأر عند عدوهم.
يوضح المؤرخ العسكري جمال حماد: "لقد نجحت خطة الخداع الاستراتيجي لأن كل مواطن مصري كان جنديًا في المعركة، من الفلاح في الريف إلى العامل في المصنع، كلهم التزموا بخطة واحدة"، ويوضح قائلًا: "هذه الوحدة الوطنية كانت السلاح السري الذي حير العدو، لأنه كان يتعامل مع شعب بكامله تحول إلى جيش واحد" [جمال حماد: العمليات الحربية على الجبهة المصرية، جـ٢، ص ٢٩٤، ٣٢٥].