في السادس من أكتوبر انطلقت صيحةُ المجد من قلب سيناء؛ لتكتبَ مصرُ بدماء أبنائها صفحةً من أنصع صفحات التاريخ، لم يكن نصرُها على عدوها وليدَ المصادفة، بل كان ثمرةَ عواملَ متشابكةٍ منَ الإيمان، والتخطيط، والتضحية، والإرادة التي لا تلين، وتمثّلت هذه العواملُ في:
أ. قوة الإيمان، والتوكل على الله:
لقد أيقنَ جنودُنا البواسلُ أنّ النصرّ بيد الله - عز وجل - وأنّ الأخذً بالأسبابِ هو تمام التوكل كما قال سيدنا المصطفى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [رواه الترمذي برقم: ٢٥١٧]،
وكانوا يردِّدون: (الله أكبر)، فزلزلت صيحاتُهم قلوبَ العدو كما قال سبحانه: {لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} [الحشر: ١٣].
ب. الأخذ بالأسباب، والإعداد الجيد:
لم يكنِ النصرُ معجزة بلا جهد، بل ثمرةَ تخطيطٍ محكمٍ، وإعدادٍ مدروس، يصدِّقه قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ} [الأنفال: ٦٠].
ج. وحدة الصف، والتلاحم الشعبي:
في هذه الملحمةِ الخالدةِ كان شعبُ مصرَ على قلبِ رجلٍ واحدٍ، فتلاحمَ المسلمون والمسيحيون، وكلُّ فئات الشعب مع الجيش في صفٍّ واحدٍ، فكانوا كالجسد الواحد، فصدق فيهم قول سيد الخلق سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ [رواه البخاري برقم: ٢٤٤٦، ومسلم برقم: ٢٥٨٥].
فهذه المرحلةُ تطلبت التفافَ الجميعِ على قلب رجلٍ واحدٍ؛ حيثُ يمثلُ الشعبُ ظهيرًا قويًّا لقواته المسلحة في حربها مع العدو، وقد مثّلت هذه الأيام أعلى صورِ التكاتف والتلاحم بين الشعب، وقيادته ومؤسساتنا الوطنية، والأزهر الشريف.
د. التضحية والشهادة:
سالت دماءُ الشهداء؛ لترويَ ترابَ سيناءَ، وقد بشَّر النبي -صلى الله عليه وسلم– بأن أمثال هؤلاء في سبيل الله، فقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [ رواه البخاري برقم: ١٢٣، ومسلم برقم: ١٩٠٤]، فكانَ النصرُ عزًّا للشهداء، وكرامة للأحياء.
هـ. الدور الروحي والعلمي:
قادَ علماءُ الأزهر الجنود بالوعظ والتذكير، يثبتونهم كما ثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في "غزوة بدر" حتّى شعَر الجنديُّ المقاتل أنه بدفاعه عن أرضه، هو يجاهد في سبيل الله.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك الدور العظيم الذى قام به فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر، في دعم قواتنا المسلحة خلال فترة الحرب؛ حيثُ كانَ على اتّصال دائم بالقيادة السياسية، مقدمًا كل العون اللازم، فقد ذهب الإمام إلى الجامع الأزهر، وألقى خطبة بليغة أوضح فيها فضل الجهاد، والدفاع عن الأوطان، وبيَّن فيها عوامل النصر، بحيثُ تحولَ الأزهرُ الشريفُ في أيام المعركة إلى غرفة عمليات مدنية تقدم الدعم لجيشنا في معركته من خلال فريق متكامل من كتائب الدعاة الأزهريين، يدعون إلى حماية جبهتنا الداخلية، والحفاظ على المنشآت الوطنية، والدعوة للتبرع بالدم، ونشر وعي المعركة بين الشعب.
وكان للإمام الجليل الشيخ/ محمد متولي الشعراوي - رحمه الله تعالى - دور كبير في الإعداد النفسي للجنود في فترة ما قبل الحرب؛ فكان يذهب للجبهة، ويلتقي بالجنود، والضباط، ويبين لهم فضل الجهاد في سبيل الحق، والدفاع عن الأرض والعرض، وفى إحدى محاضراته المسجلة مع الجنود قال فيها: "ما أسعدني بهذا اللقاء! أسعد به سعادة تستشعر ثمرات ذلك اللقاء .. إننا جميعًا جنود الحق، أنا بالحرف، وأنتم بالسيف، وأنا بالكتاب، وأنتم بالكتائب، وأنا باللسان، وأنتم بالسنان".