Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الهجرة النبوية وفاء وخلق تحول إلى عنف على أيدي جماعات التطرف

الكاتب

حسين القاضي

الهجرة النبوية وفاء وخلق تحول إلى عنف على أيدي جماعات التطرف

سوء توظيف الهجرة النبوية من قِبل جماعات متطرفة مثّل تحريفًا لمقاصد الإسلام، حيث استُغلت لتبرير العنف وسرقة الأموال باسم الدين، بينما أكد العلماء حرمة ذلك ورفضوه جملة وتفصيلًا.

مفهوم الهجرة

من الأحداث المهمة التي غيَّرت مجرى التاريخ، حادث الهجرية النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والهجرة كغيرها من أحداث السيرة النبوية، تم استخدامها من قِبل الحركات الإسلامية استخدامًا مغلوطًا معوجًا، وهذا الاستخدام المغلوط هو أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم، فالتحريف العميق لقيم الإسلام ومقاصد السيرة النبوية أمر خطير، فقد تم تحويل الهجرة النبوية إلى نموذج للقطيعة مع المجتمع وإعلان الحرب عليه، والتعدي على أموال الآخرين، كما استُخدمت كدعوة للمسلمين للخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام، مع إبرازها كخطوة أولى للجهاد القتالي، وإضفاء قداسة على فكرة ترك الأوطان لصالح خدمة التنظيمات، وقدموا الهجرة النبوية في إطار أيديولوجي عسكري صدامي، رغم أن الهجرة في حقيقتها حدث عظيم يمثل منهج بناء وحضارة وعمران، ويعبر عن الوفاء والتعارف والتعايش.

الفهم المغلوط للهجرة لدى جماعات التطرف

نأخذ حدثًا مهما عظيما وقع في هجرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم- حولته تيار التطرف إلى نموذج غارق في الفهم المغلوط والمختل، فعندما قرر النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- الهجرة إلى المدينة، ترك عليًا بن أبي طالب -رضي الله عنه- في مكة ليرد الأمانات التي كانت عنده إلى أصحابها، ونلاحظ هنا أن هذه الأمانات والودائع لكفار قريش الذين حاصروا الرسول وأصحابه وآذوهم وعذبوهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، ومع ذلك فإن هذا لم يمنع رسول الله-عليه الصلاة والسلام- من الوفاء بحقوقهم، ورد أماناتهم إليهم، وفي ذلك درس إنساني عظيم، هو عدم فصل العدل عن الأخلاق، فمع وجود خصومة دينية وعداءٍ كبير إلا أن حقوق الآخرين المالية محفوظة ومرعية، وغير مرتبطة بالإيمان أو التدين أو الخصومة، فالكافر المعادي للإسلام لا تُلغي حقوقه، ولا يُسمح لأحد أن يتصرف في أماناته، أو مصادرتها، بحجة أنهم كفار يحاربون الإسلام ويعادون أهله، كما لا تلغى إنسانيته.

فالإسلام وهو يتخذ كافة السبل المشروعة للدفاع عن نفسه، والتخطيط الدقيق والإعداد المحكم، وفي الهجرة نفسها رتب النبي خطةً محكمة من التخطيط الدقيق المدروس بعناية فائقة، من حيث توقيت الهجرة، وتوزيع الأدوار، واختيار المسار الدقيق، وإخفاء الأثر، وإدارة المخاطر، واختيار الصحبة، والثقة في الله،  إلا أن الإسلام لا ينتصر بالعشوائية أو الاندفاع الأعمى أو الارتجال أو الغدر أو السطو وسرقة الأموال وسلب الحقوق تحت ستار الدين، بل ينتصر بالعدل والوفاء والتخطيط المحكم وصيانة القيم، ورد الأمانات والحقوق، حتى في أشد لحظات الصراع، ومع أشد أعدائه، وهو ما رسخته الهجرة النبوية ورسخته النصوص الشرعية المتعددة.

في المقابل تترك جماعات التطرف الديني كل ذلك، وتبيح التعدي على ما يسمونهم الكفار والمرتدين، بل وعلى المؤسسات، واعتبار ذلك غنيمة لهم، ولهم فتاوى تبرر سرقة ممتلكات غير المسلمين، بل وسرقة المسلمين المختلفين معهم، وانتهاك الحقوق والأمانات، ومصادرة  أموال الناس بغير وجه حق، رغم أن هؤلاء لم يكونوا في حالة حرب معهم، بل كانوا مدنيين.

وهذا خلل شنيع وتحريف ظاهر للقيم الأخلاقية العليا لصالح أجندات الغلو والعنف والتطرف، وتناقض صارخ مع موقف النبي،-عليه الصلاة والسلام- الذي أمر برد أمانات الكفار في أصعب وأشد لحظات الاضطهاد، مع أنه في ذلك الوقت كان من الممكن أن ينشغل بالتخطيط والهجرة والتنظيم، ثم يفكر في رد الأمانات بعد أن يستقر به المقام في المدينة المنورة.

ومنظرو التيار الجهادي من المتأثرين بفكر قطب كشكري مصطفى زعيم تنظيم التكفير والهجرة، وعبد السلام فرج صاحب كتاب (الفريضة الغائبة) وزعيم تنظيم الجهاد، قالوا صراحة إن أموال المجتمع الجاهلي مباحة، فعبد السلام فرج يرى أن أموال الطواغيت والكافرين غنيمة للمسلمين، وتركها لهم إقرار لطغيانهم، ولا عذر لأحد أن يقول: هذا المال أمانة،  فالكافر الحربي أو المرتد ماله حلال!!

ولعدم استشعار هذا المعنى العظيم من الرسول الكريم-عليه الصلاة والسلام- برد الأمانات للكفار كانت الحوادث الإرهابية التي وقعت في تسعينيات القرن الماضي، فمع تصاعد موجات العنف المسلح في مصر، لجأت بعض الجماعات الدينية المسلحة إلى تبني مفهوم جديد وخطير، يُعرف الآن  بمفهوم "الجهاد الاقتصادي"، ويقوم على فكرة زائفة مغلوطة هي استهداف ممتلكات الآخرين، وفي هذا السياق جاءت سلسلة من الجرائم التي استهدفت محلات الذهب المملوكة لمواطنين مسيحيين، خصوصًا في منطقة الزيتون بالقاهرة، وأطلقوا خلالها النيران على أصحاب المتاجر وحرَّاسِها، وسرقوا محتوياتها من مشغولات ذهبية، ثم استخدموا الأموال المسروقة في تمويل أنشطتهم الإرهابية، وقد عبر قادة هذه الجماعات آنذاك عن فخرهم بما حققوه من نجاحات في الاعتداء على أموال المسيحيين،  إذ رأوا أن الاستيلاء على مال المخالفين غنيمة مشروعة في معركتهم، وأداة لإضعاف العدو اقتصاديًا.

وهذا المسلك السافر تحريف لمبادئ الإسلام، الذي ينص بوضوح على احترام أموال غير المحاربين، وسيرة النبي الكريم خير شاهد، ففي الهجرة أمر عليًا بالبقاء في مكة ليرد أمانات الكفار إلى أصحابها، رغم أن هؤلاء الكفار هم الذين طاردوه وآذوه.

وفي ضوء هذا المبدأ، يتبين زيف جماعات التطرف وتفريغ المفاهيم الإسلامية من محتواها الأخلاقي، واستخدام الدين كغطاء للسلب والنهب والاعتداء على الأبرياء، وغفلتهم عن أن الجهاد في الإسلام دفاع مشروع منضبط تحكمه قواعد صارمة، تبدأ بتحريم الاعتداء على المدنيين، وتحريم قتل غير المحاربين، وتحريم أخذ الأموال بغير حق، وتحريم الغدر.

ومضت جماعات العنف تضرب عرض الحائط بهذا الموقف النبوي في الهجرة النبوية، وتنظر إلي الهجرة على أنها هجرة من مجتمع جاهلي لقيام دولة الإسلام من وجهه نظرهم والتمكين لتياراتهم، وتقسيم المجتمع إلى دار الإسلام ودار الكفر.

جذور وسلالات الاستمداد المزيف من الهجرة النبوية

ولذلك توالت جذور وسلالات الاستمداد المزيف من الهجرة النبوية:

فقد جاء في مجلة (دابق) التي يصدرها تنظيم داعش، العدد الرابع: "أموال الكفار وموالاة الطاغوت كفر بواح... أموالهم حلال غنيمة للمجاهدين في دار الكفر ودار الحرب."

وجاء في الوثيقة الموجهة لجنود الدولة الإسلامية والصادرة ٢٠١٥: "لا حرج في الاستيلاء على أموال الكفار المحاربين وأموال المرتدين... فهذه أموال معطَّلة يحلُ أخذها، فهم يعتبرون مجرد وجود الخصومة يُسقط حق الكافر أو "المرتد" في ماله.

وجاء في مجلة رومية التي يصدرها تنظيم القاعدة، العدد الثالث: "المال الذي يُترك في ديار الكفر هو مال مباح، لا حرمة له، ومن واجب المجاهدين الاستيلاء عليه وغنمه متى تمكنوا."

وأبو محمد العدناني، المتحدث باسم داعش، والمتأثر بكتاب (الظلال) لسيد قطب – كما قال- له خطبة يقول فيها: "لا تقولوا هذا مال جارك أو قريبك من النصارى أو المرتدين... بل خذوه غنيمة تقرّبكم إلى الله!"

وفي كتاب (فرسان تحت راية النبي) لأيمن الظواهري ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فقال ص٧٥:  " إن رمي تجمعات الكفار – حتى وإن اختلط بهم مسلمون أو من لا يجوز قتله من الكفار – جائز لحاجة الجهاد أو ضرورته دون تعمد قصد المسلمين أو من لا يجوز قتلهم من الكفار بالرمي"، فهو أباح دمائهم وليس فقط أموالهم.

ولما احتاج عنف جماعة الإخوان إلى دليل ومسوغ شرعي لتبرير أعمال  العنف بعد عزل محمد مرسي، تم تشكيل لجنة أعادت أفكار العنف، عُرفت باسم "الهيئة الشرعية لعلماء الإخوان المسلمين"، وتأسست في سبتمبر ٢٠١٤، وأصدرت في أوائل ٢٠١٥ كتاب (فقه المقاومة الشعبية)، لمؤلفه الدكتور/ مجدي شلش، ووضع الكتابُ الضوابطَ المختلفة لاستهداف الأفراد والمنشآت العامة، مثل حرق محولات الكهرباء، واستحلال الأموال، والإرباك الاقتصادي.

وقال الإخواني: أشرف عبد الغفار على قناة العربي برنامج (العربي اليوم): "هناك عمليات نوعية سنقوم بها في مصر، على سبيل المثال تفجير محطات الكهرباء، وهذا لا ينافي السلمية".

دور الفقهاء وعلماء الأزهر ضد التطرف

وفقهاء الإسلام، وعلماء الأزهر الشريف على وجه الخصوص، وقفوا ضد هذا الانحراف، مؤكدين أن أموال المواطنين غير المسلمين أيًا ما كانوا، هي أموال محرمة التعدي عليها، وأن الاعتداء عليها يُعد غدرًا وظلمًا وجريمة في ميزان الشرع، لأن الإسلام يدعو إلى حماية أموال غير المسلمين واحترام حقوقهم، ويظل الحفاظ على هذه القيم ركيزة أساسية في بناء مجتمعات تسودها العدالة والسلام، بعيدًا عن أي تحريفات أو تبريرات مزيفة تحت مسميات لا تمت إلى الدين بصلة.

وقد جاء في البيان الختامي لمؤتمر الأزهر الشريف (الأزهر في مواجهة الفكر الإرهابي.. ٣- ٤ ديسمبر ٢٠١٤م) ص٣٤٠ ما نصه: "إن ترويع الآمنين، وقتل الأبرياء، والاعتداء على الأعراض والأموال، وانتهاك المقدسات هي جرائم ضد الإنسانية، يدينها الإسلام شكلًا وموضوعًا، وهذه الجرائم لا تتعارض مع صحيح الدين فحسب، ولكنها، تسيء إلى الدين الذي هو دين السلام والوحدة، ودين العدل والإحسان والأخوة الإنسانية".

وما يقال في تجريم التعدي على أموال الغير يقال في تجريم التعدي على المؤسسات.

الخلاصة

لقد انحرفت بعض الحركات المتطرفة عن الفهم الصحيح للهجرة النبوية، فحوّلتها من نموذج أخلاقي راقٍ إلى ذريعة لشرعنة العنف ضد غير المسلمين ومؤسسات الدولة. وقد تصدّى العلماء، وعلى رأسهم علماء الأزهر، لهذه الانحرافات، مؤكدين أن الإسلام يحرّم الغدر والاعتداء، ويقوم على العدل والرحمة، لا على الطمع في الغنائم.

موضوعات مختارة