وقد تولى عمر الخلافة يوم مات أبو بكر وكان أبو بكر قد استشار أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار في اختيار عمر خليفة للمسلمين من بعده فأمروه على اختياره وأجمعت عليه الأمة .
وقد شهدت خلافة عمر التي استمرت عشر سنوات وبضعة أشهر عددًا من التطورات الهائلة في دولة الإسلام الناشئة .
يذكر ابن كثير في هذا الصدد: أن عمر هو أول من دعى أمير المؤمنين وأول من كتب التاريخ ، وأول من عس بالمدينة ، وجلد في الخمر ثمانين، وفتح الفتوح، ومصر الأمصار، وجند الأجناد ، ووضع الخراج، ودون الدواوين ، واستقضى القضاة [ابن كثير : البداية والنهاية، بيروت ، دار الكنب العلمية ١٩٨٥م ، ٧/ ١٢٧ ، ١٢٨].
وتستوقفنا هنا بصفة خاصة بضعة أمور، أولها أن عمر أول من استعمل التاريخ الهجري، واتخذ هذا القرار سنة (١٦هـ) حيث رأى عمر أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تعد من أخطر أحداث التاريخ الاسلامي، فقد ترتب عليها نشأة الدولة الإسلامية، ومن هنا اتخذها مبدأ للتاريخ الإسلامي [تاريخ الطبري ٤/ ٣٨ ، ٣٩].
وثاني هذه الأمور ما يتصل بالفتوح الإسلامية في عصر عمر، فقد فتحت الشام والعراق وبلاد الجزيرة وفارس ومصر وبرقة واتسعت الدولة الإسلامية اتساعًا هائلًا وتدفقت الأموال إلى خزانتها. وقد كان من الضروري الاعتماد على جيش نظامي يأخذ أفراده رزقًا ثابتًا من خزانة الدولة الإسلامية ويكون هذا الجيش على أهبة الاستعداد دائمًا، وقد كان ذلك بديلًا ضروريًّا للاعتماد على الجنود المتطوعين الذين قد لا تسهل الاستعانة بهم في المواقف الحاسمة .
وثالث الأمور التي ينبغي الالتفات إليها هنا تمصير الأمصار، فقد أنشأ عمر البصرة والكوفة والفسطاط لتكون مراكز للجيوش الإسلامية الفاتحة، ثم تحولت هذه المراكز بسرعة إلى أمصار كاملة وانضم إليها غيرها في عصور لاحقة كالقيروان وواسط وغيرهما، ومن التطورات الهائلة التي حدثت في عصر عمر نشأة ديوان الخراج وديوان العطاء، فقد رأى عمر أن يجعل الأرض التي استولى عليها المسلمون في فتوحاتهم ملكية عامةً للأمة الإسلامية يدفع عنها أهلها الخراج ويزرعونها، والخراج بمثابة أجرة الأرض.
ويدخل هذا الخراج بيت مال المسلمين ليتم الإنفاق منه على مصالح المسلمين، وهكذا نشأ بيت المال في عصر عمر ونشأ ديوان الخراج الذي يتولى جمع الأموال من مصادرها المشروعة، وكان ذلك خطوة لإنشاء ديوان العطاء الذي يتولى إنفاق هذه الأموال في وجوهها اللازمة، وأخيرًا وليس آخرًا فإن عمر جعل القضاء ولايةً مستقلة يتفرغ لها صاحبها ويتقاضى نظير القيام بها أجرًا منتظمًا من بيت مال المسلمين، وهكذا نشأ النظام القضائي في الإسلام.
كان عصر عمر- إذن - عصرًا قفزت فيه نظم الدولة الإسلامية قفزات هائلة إلى الأمام وترسخت جذورها وتأكدت هيبتها وأصبحت في طليعة القوى العظمى في العالم.
وقد كان عمر - رغم هذه الإنجازات الهائلة - شديد الزهد، بالغ التواضع، عميق الشفقة برعيته والحرص على مصالحها، وعندما ابتلى المسلمون بعام الرمادة - وهو العام الذي اشتد فيه القحط وصارت الأرض كلها سوداء فشبهت بالرماد - قال بعض أصحابه: لو لم يرفع الله سبحانه وتعالى المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت همًّا بأمر المسلمين. [ابن الجوزي : سيرة ومناقب عمر بن الخطاب، ص٦٧].
وكان عمر يقول : من استعمل فاجرًا - أي ولي ظالمًا شأنًا من شئون الرعية - وهو يعلم أنه فاجر، فهو مثله. [نفس المصدر ٧٣].
ومما يروى عنه أيضا : من استعمل رجلا لمودة أو لقرابة، لا يستعمله إلا لذلك، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين. [نفس المصدر ٧٣].