الإمام محمد بن علي بن خلف الحسيني المالكي، الشهير بـ"الحداد"، وُلد هذا العلّامة المقرئ، الفقيه الأصولي، بل والرسّام النحوي، تتلمذ السيد الحداد على كوكبةٍ من أكابر علماء عصره، ممن أثروا الحياة العلمية في مصر.
الإمام محمد بن علي بن خلف الحسيني المالكي، الشهير بـ"الحداد"، وُلد هذا العلّامة المقرئ، الفقيه الأصولي، بل والرسّام النحوي، تتلمذ السيد الحداد على كوكبةٍ من أكابر علماء عصره، ممن أثروا الحياة العلمية في مصر.
هو السيد الشريف محمد بن علي بن خلف الحسيني المالكي، الشهير بـ"الحداد". وُلد هذا العلّامة المقرئ، الفقيه الأصولي، بل والرسّام النحوي، في عام ١٢٨٢هـ، في بيتٍ تغمره أنوار العلم والشرف. لم تبلغ به السنون العاشرة حتى أودع القرآن الكريم صدره، متقناً تجويده. بعدها، شدّ الرحال إلى القاهرة المحروسة سنة ١٢٩٤هـ، ليستقر عند عمه العلّامة الشيخ حسن بن خلف الحسيني، وهناك التحق بقلعة العلم، الجامع الأزهر الشريف، فغرف من بحوره الزاخرة، جامعاً بين علوم المنقول والمعقول.
تتلمذ السيد الحداد على كوكبةٍ من أكابر علماء عصره، ممن أثروا الحياة العلمية في مصر؛ فمن شيخ الإسلام سليم البشري، إلى العلّامة أبو الفضل الجيزاوي، ويوسف الحواتكي، وهارون بن عبد الرزاق، وإبراهيم الظواهري، ومحمد النجدي، وعبد الفتاح بن أبي النجاء، ومحمد البحيري، وسالم بن عطاء الله البولاقي، ومحمد البجيرمي. ولم يقتصر علمه على هؤلاء، بل كان له حضورٌ في مجالس الشيخين الجليلين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
أما علوم القرآن، فكانت له فيها منزلةٌ خاصة؛ فقد تلقّاها عن عمه المقرئ المحقق، العلّامة حسن بن خلف الحسيني، الذي كان من خيرة تلاميذ الإمام المتولي. على يد عمه، قرأ ختمةً كاملةً برواية حفص، وتلقّى عنه أسرار علم التجويد، وحفظ عليه متني الشاطبية والدرة. ولازم مجالس الإقراء في مسجد "خوند بركة"، حيث قرأ ختمةً كاملةً بالقراءات العشر الصغرى، وختمة أخرى برواية حفص من طريق الطيبة، وفقاً لنظم الإمام المتولي المعروف بـ"النبذة المهذبة".
في عام ١٣١٦هـ، تقدم للاختبار أمام لجنةٍ ضمت قاماتٍ أزهريةً سامقة، كالإمام سليم البشري، والشيخ محمد عبده (مفتي الديار المصرية حينها)، والشيخ محمد أبي الفضل، والشيخ محمد طموم، والشيخ محمد البجيرمي وغيرهم. أجمعوا جميعاً على منحه درجة العالمية، لتتويج مسيرته العلمية.
شرع بعد ذلك في التدريس بالأزهر الشريف، فدرّس من عيون الفنون، كـ"مجموع الأمير" في فقه المالكية، و"المواهب اللدنية" في الحديث، و"شرح الأشموني" في النحو، وتصدر للتدريس في علومٍ شتى، حتى تولّى مشيخة السادة المالكية بالأزهر. كما عُيّن للإقراء بمسجد السيدة زينب رضي الله عنها، وتولّى رئاسة الجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم.
في عام ١٣٢٣هـ، صدر أمر ملكي بتولّيه مشيخة القراء، فسار فيها بسيرةٍ حسنة، متمسكاً بالمنهج السويّ، حتى آخر أيامه، حافظاً على أمانة القراءات.
تتلمذ على يديه جمهورٌ غفيرٌ من العلماء والقراء، من طبقته ومن تلاها، نذكر منهم: ولده العلّامة أبو بكر الحداد الصغير، والعلّامة عمران الإدفوي، والشيخ همام قطب عبد الهادي، والشيخ محمد دياب، والشيخ سيد غريب، والشيخ أبو الخير علي، والشيخ محمد صادق المجددي، والعلّامة علي الضباع، والشيخ محمد قنديل الرحماني، والشيخ حسنين مخلوف، وغيرهم من كبار المقرئين الذين حملوا علمه من بعده.
ومن أبرز إسهاماته الجليلة، أنه كتب المصحف الشريف بخطّه الظاهر، مطابقاً للرسم العثماني. وقد أقرّته الحكومة المصرية، وطُبع على أساسه مصحف فؤاد الأول، ليصبح مرجعاً معتمداً في ربوع مصر والعالم الإسلامي. كما أسهم في تأسيس جمعيات المحافظة على القرآن الكريم، بالاشتراك مع علي بك حسن ومحمد بك القاضي، وكان من الداعمين لجمعية منع المسكرات، إلى جانب الدكتور أحمد علوش.
أما باب التأليف، فقد ولجه بثباتٍ وعلو كعب، فأبدع وأجاد. من مؤلفاته البارزة: "القول السديد في بيان حكم التجويد"، "فتح المجيد في علم التجويد"، "تحفة الراغبين في تجويد الكتاب المبين"، "إرشاد الإخوان إلى الهداية والصيانة"، "إرشاد الحيران إلى ما يجب اتباعه في رسم القرآن"، "الخلاصة النصوص الجلية في نزول القرآن وجمعه ووجوب اتباع رسم المصاحف العثمانية"، "السيوف الساحقة لمنكري نزول القراءات من الزنادقة"، "الكواكب التربة فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية"، "سعادة الدارين في بيان وعد أي معجز الثقلين"، و"المواهب الربانية فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية". وله كذلك شرحٌ على الشاطبية لم يتمّه، ومقالات علمية في القضايا القرآنية، كان رأيه فيها مرجعاً يُرجع إليه.
كما راجع العديد من الكتب النافعة وأذن بتدريسها، منها: "سمير الطالبين" للعلّامة الضباع، و"البهجة الفريدة" للعلّامة الرحماني.
وبعد عمرٍ عامرٍ بالعلم والتعليم والتأليف، ناهز الخامسة والسبعين، توفي رحمه الله ليلة الخميس، العشرين من شهر ذي الحجة سنة ١٣٥٧هـ. وصُلي عليه في الجامع الأزهر في مشهدٍ مهيب، يليق بجلال قدره ورفعة علمه. رحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
مراجع للاستزادة:
- جمهرة أعلام الأزهر الشريف، تأليف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري (٤/ ٢١٨) الطبعة الأولى سنة ٢٠١٩.
الإمام محمد بن علي بن خلف الحسيني المالكي، الشهير بـ"الحداد"، وُلد هذا العلّامة المقرئ، الفقيه الأصولي، بل والرسّام النحوي، تتلمذ السيد الحداد على كوكبةٍ من أكابر علماء عصره، ممن أثروا الحياة العلمية في مصر، في عام ١٣١٦هـ، تقدم للاختبار أمام لجنةٍ ضمت قاماتٍ أزهريةً سامقة، أجمعوا جميعًا على منحه درجة العالمية، لتتويج مسيرته العلمية، في عام ١٣٢٣هـ، صدر أمر ملكي بتولّيه مشيخة القراء، فسار فيها بسيرةٍ حسنة، متمسكاً بالمنهج السويّ، حتى آخر أيامه، حافظاً على أمانة القراءات، وبعد عمرٍ عامرٍ بالعلم والتعليم والتأليف، ناهز الخامسة والسبعين، توفي رحمه الله ليلة الخميس، العشرين من شهر ذي الحجة سنة ١٣٥٧هـ، وصُلي عليه في الجامع الأزهر في مشهدٍ مهيب، يليق بجلال قدره ورفعة علمه - رحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.