Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أبو طالب المكي

الكاتب

أ. د/ عبد الحميد مدكور

أبو طالب المكي

أبو طالب المكي هو أبو طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي العجمي، صوفيّ بارزٌ، عاش بين بغداد ومكة، وألف كتابه الشهير "قوت القلوب". 

نسبه ونشأته

أبو طالب المكي (٠٠٠ - ٣٨٦ هـ / ٠٠٠ – ٩٩٦م) هو أبو طالب: محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي العجمي. أغفلت المصادر الصوفية الحديث عنه، ولم تورد هذه المصادر عنه إلا معلومات قليلة، وكان الخطيب البغدادي هو أول من ترجم له، وكانت ترجمته أساسًا لما تلاها من ترجمات، وهو لا يحدد تاريخا لمولده، وقد كانت ولادته بعراق العجم، ونشأ بين بغداد وواسط، ثم هاجر إلى مكة، فعاش بها ونسب إليها كما نسب إليها غيره، وحضر مجالس العلم والوعظ التي كانت تعقد بالحرم المكي، وتوفي ببغداد عام ٣٨٦هـ.

رحلته العلمية

والتقى في مكة بكثير من شيوخه وتلاميذه، ومنهم شيخه أبو سعيد ابن الأعرابي، وأبو بكر الآجري صاحب كتاب الشريعة، وأبوعلي الكرماني الذي يعده المكي من الأبدال. ولم تكن حياته بها يسيرة فيما يبدو، ومما يدل على ذلك أنه كان يشكو مما حلَّ بها من غلاء. ولم تسكن شكواه حتى رأى رؤيا يقال له فيها: إن الموضع عزيز، وكل شيء به عزيز، فإن أردت أن ترخص الأشياء عليك فضمها إلى شرف الموضع حتى ترخص.

وذهب المكي إلى بغداد، وكان لرأيه في السماع الصوفي - الذي قبله بشروط شديدة - أثر في خلافه مع بعض شيوخها. ويحتمل أن يكون ذلك قد تم قبل ٣٤٦هـ.

ثم خرج المكي إلى البصرة فالتقى بأهم من عاصره من شيوخه؛ وهو أبو الحسن أحمد ابن محمد بن سالم الذي تنسب إليه أو إلى أبيه فرقة السالمية، وهي فرقة كلامية ما تزال تحتاج إلى جمع آرائها لتكوين فكرة دقيقة عنها، ثم عاد إلى بغداد مرة ثانية فعقد له مجلس الوعظ بها، واجتمع الناس على مجلسه، وسمعوا منه كلامًا كثيرًا عن تطهير القلوب من كل ما يشغلها عن الله تعالى، وضرورة إخلاص النية والعبادة لله تعالى، ومراقبة الله في السر والعلن، ومخالفة أهواء النفوس، ومجاهدة نوازعها، وضبط مشاعرها وخواطرها، كما سمعوه يتحدث عن مقامات الصالحين، وأحوال الموقنين، ومعارف أهل الولاية، وثمرات الطاعة، وكان يستعين في ذلك كله بمحفوظه من القرآن والسنة، ومعرفته بأحوال السلف، وأقوال أئمة التصوف وأهل طريق الله، ناثرا ذلك كله في أسلوب رائق وعبارة طلية، وقد كان مما وصف به أنه كان له لسان حلو في الوعظ والتصوف.

أئمة منهجه في التصوف

وينسب المكي نفسه إلى عدد من كبار أهل الزهد والتصوف ممن سبقوا عصره، لأنه رأى بينه وبينهم تقاربا في المشرب والاتجاه والمنهج، ويأتي على رأس هؤلاء: الحسن البصري الذي يصفه: (بأنه أول من أنهج سبيل هذا العلم، وفتق الألسنة به، ونطق بمعانيه وأظهر أنواره)، وهو إمامه في هذا العلم (أثره نقفو، وسبيله نتبع، ومن مشكاته نستضيء). وقد أورد كثيرًا من أقواله وأحواله، مع عناية شديدة بتحديد ملامح شخصيته النفسية والخلقية، وما كان يغلب عليه من خوف وحزن.

ثم يأتي بعده في سلسلة هؤلاء الذين لم يلتق بهم: إبراهيم بن أدهم، وهو يصفه بأنه: من أئمته في هذا العلم، وبأنه: (كان أحد المشتاقين وكانت له - رحمه الله - أماكن من المحبة رفيعة ومكاشفات في القرب علية)، وهو يذكر أحواله في الزهد والورع والعبادة، وتربية السالكين من المريدين على حب العمل والامتناع عن المسألة.

ويأتي بعد الحسن البصري وابن أدهم، سهل التستري الذي يصفه بأنه شيخ شيوخه، وهو يتابعه متابعة عارف بقدره، مقر بفضله ومكانته، وهو يعلق على بعض أقواله بقوله: (وهذا كما قال وقولنا بقوله تبع).

وقد التقى بعدد من كبار صوفية عصره وعلمائه، ومنهم: أبو بكر بن الجلاء، وأبو سعيد بن الأعرابي شيخ الحرم، وأحمد بن سالم وآخرون، وهو يصف شيخه ابن سالم بأنه كان له من هذا الطريق مشاهدات ومطالعات وسياحات في الغيوب وجريان في الآخريات، وانقلبت له الأعيان، وظهر له العِيان، وطوي له المكان، واجتمع حوله المريدون، الذين كانوا نواة لفرقة السالمية التي وصف المقدسي أهلها: برفعة المجالس وبعد الخلاف ورقة الكلام، وبأن أكثر المذكرين بالبصرة كانوا منهم.

كتابه قوت القلوب

وكتابه الذي عرف به، واشتهرت نسبته إليه "قوت القلوب في معاملة المحبوب، ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد" من أهم كتب التصوف التي ظهرت في القرن الرابع الهجري، بل هو من أهم كتب التصوف على وجه العموم.

من أسباب ذلك أنه احتفظ بكثير من أقوال أعلام الصوفية والزهاد، مما يعطي صورة دقيقة للتصوف في عصره وقبل عصره، ولذلك يعد الكتاب مرجعا يقدم تعريفا شاملًا للطريق الصوفي، وما يلزم فيه من مجاهدات ومعاملات، وما يترقى فيه من منازل ومقامات، ولذلك كان موضع ثناء الصوفية؛ لأنه كما يقول ابن عباد الرندي: (فتح مغلق علم التصوف، وجمع فيه بين المعاني الصحيحة، والألفاظ الحسنة، وذكر فروع علومهم وأصولها، ورسم مسائلها وفصولها، فكان لذلك كالمدونة في علم الفقه، يقوم مقام غيره، ولا يقوم غيره مقامه)، ووصفه عبد الرحمن الجامي بأنه: (مجمع أسرار الطريقة). وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي يقوم بتدريسه، ويوصي بقراءته، ويقول: (عليكم بالقوت فإنه قوت). وكان يقارن بينه وبين كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي فيقول: (كتاب الإحياء يورثك العلم، وكتاب القوت يورثك النور).

ويتجلى ذلك في حديثه عن أسرار العبادات، ومقامات اليقين، وأخلاق أهل الولاية، وأسرار مقام التوحيد والمحبة، وحاول الجمع بين طهارة الظاهر وأخلاق الباطن، وعلم الشريعة، ومواريثه، ووضع للحديث عن علوم الباطن معيارًا دقيقا حازمًا يقطع الطريق على أدعياء التصوف، وفي ذلك يقول: (فمن تكلم في علم الباطن على غير قواعد العلم الظاهر وأصوله فذلك من الإلحاد في الشريعة، والوليجة بين الكتاب والسنة). ولم يكن هذا بغريب لأنه تحدث عن سلوك الطريق فقال: (وهذا طريق رأس ماله الصدق، وزاده الصبر، وقوته التقوى. فمن عدم الصدق لم يربح، ومن لم يتزود الصبر انقطع، ومن لم يقتت التقوى هلك).

وقد أثر كتابه تأثيرا واضحا في عدد من الكتب الصوفية الكبرى، ومن أهمها إحياء علوم الدين للغزالي، وعوارف المعارف للسهروردي، والغنية للشيخ عبد القادر الجيلاني.

ولم يسلم المكي مع كل تمسكه بأهداف الشريعة، والتزامه بآدابها، ونقده للمتهاونين بحدودها، فنسبوا إليه بعض العبارات الموهمة، فانصرف العامة عن مجلس وعظه.

مؤلفاته

وينسب إلى المكي عدد من الكتب منها:

١- كتاب مناسك الحج، وقد أشار إليه في كتابه: قوت القلوب.

٢- مسند في الحديث، أشار إليه في كتابه القوت.

٣- كتاب مشكل إعراب القرآن، وقد نسبه إليه إسماعيل البغدادي في كتابه: هدية العارفين.

٤- نسب إليه كتاب بعنوان: علم القلوب، وطبع حاملا هذه النسبة، ولكن النقد الداخلي للكتاب ينفي هذه النسبة له، ومن أهم ما يؤكد ذلك أن الكتاب به نصوص لجماعة من المتأخرين عن المكي؛ كأبي الفتح البستي الذي توفي ببخارى عام ٤٠٠ أو ٤٠١هـ، وأبي بكر الخوارزمي الذي توفي ٤٠٣هـ، وأبي سعيد النيسابوري المتوفى عام ٤٠٦ أو ٤٠٧هـ، والذي لم يدخل إلى بغداد إلا بعد عام ٣٩٠هـ، أي بعد وفاة المكي.

ثم إن الكتاب يختلف في أسلوبه وصياغته ومعجمه، وطريقة التعبير فيه عما هو معروف عن المكي، بل إن فيه أفكارًا مضادة لما هو ثابت بالنسبة إلى المكي من آراء.

الخلاصة

أبو طالب المكي هو أبو طالب: محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي العجمي، صوفيّ بارزٌ عاش بين بغداد ومكة. ألف كتابه الشهير "قوت القلوب" الذي يعتبر مرجعًا في التصوف، حيث جمع فيه أقوال الزهاد والصوفية، وهو من أهم كتب التصوف التي ظهرت في القرن الرابع الهجري، بل هو من أهم كتب التصوف على وجه العموم. أرسى منهجًا متوازنًا بين ظاهر الشريعة وباطنها، وتأثر بعدد من الصوفية الكبار مثل الحسن البصري وسهل التستري، وتعرض لانتقادات أدت إلى تراجع حضور مجلس وعظه، وأثر كتابه في أعمال لاحقة مثل "إحياء علوم الدين" للغزالي، وظل مرجعًا مهماً في التصوف الإسلامي.

موضوعات مختارة