وهذا بيانُ
أسرارِ الجهرِ بالذِّكرِ ومواطنِ طردِ الغفلةِ عَنِ البواطن، فإنَّ القلوبَ إذا
رانَ عليها كَدَرُ الغفلةِ في مجامعِ الخلقِ، لم يُوقِظ سِرَّها إلا صدماتُ
الذِّكرِ الجليِّ؛ ولأجلِ كشفِ هذه الحُجُبِ وتنويرِ السَّرائرِ، تظاهرتِ الأخبارُ
والآثارُ بفضلِ جهرِ اللِّسانِ تَبَعًا لِشُهودِ الجَنان، فعَنْ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«مَنْ دَخَلَ
السُّوقَ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ
المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ
الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ
حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ
دَرَجَةٍ» [الترمذي: ٣٤٢٨].
وفي
البُخاريِّ، عن أبي سَعِيدٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ، بِالذِّكْرِ حِينَ
يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ [البخاري: ٨٤١].
عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ
ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ
مِنَ النَّاسِ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ» [مسند
الإمام أحمد: ٨٦٥٠].
وعَنْ أَبِي
قَتَادَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ
لَيْلَةً، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي يَخْفِضُ
مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ: وَمَرَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَهُوَ
يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ
تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ»، قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَقَالَ لِعُمَرَ: «مَرَرْتُ بِكَ، وَأَنْتَ تُصَلِّي
رَافِعًا صَوْتَكَ»، قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوقِظُ
الْوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ - زَادَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: -
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ
ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا»، وَقَالَ لِعُمَرَ: «اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ
شَيْئًا» [أبو داود: ١٣٢٩].
ألا تَرى
أَنَّه ﷺ أَمَر أَبَا بَكْرٍ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وهو الجَهْر، ولم يَأْمُرْ
عُمَرَ بالإِسْرار؛ بل بِخَفْضِ الصَّوْت، وذلك ليس بالإِسْرَارِ، وإذا كان هذا في
القرآن، وهو أفضلُ الذِّكر، فغيرُهُ كذلك؛ بل أَوْلَى.
ويَنْبَغي
للذَّاكر إِذا كان وَحْدَهُ؛ إِنْ كانَ من الخاصَّةِ أَنْ يَخْفِضَ صوتَهُ
بالذِّكر، وإِنْ كانَ من العامَّةِ أَنْ يَجْهَرَ به، وإِنْ كانَ الذَّاكرون جماعةً
فالأَوْلَى في حقِّهم رفعُ الصَّوتِ بالذِّكرِ مع توافُق الأصواتِ بطريقةٍ واحدةٍ
موزونةٍ. قال بعضُهم: مَثَلُ ذِكْرِ الواحدِ وَحْدَهُ وذِكْرِ الجماعةِ كمَثَلِ
مُؤذِّنٍ واحدٍ ومُؤذِّنين جماعة؛ فكما أنَّ أصواتَ المؤذِّنين جماعةً يَقْطَعُ
جرمَ الهواء أكثرَ
مِمَّا يَقْطَعُه صَوْتُ واحدٍ؛ كذلك ذِكْرُ
جماعةٍ على قلبِ واحدٍ أكثرُ تأثيرًا وأشدُّ قُوَّةً في رفع الحُجُبِ عن القَلْبِ
من ذِكْرِ واحدٍ وَحْدَه.
وأيضًا يَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ ثوابُ ذِكْرِ
نفسِهِ، وثوابُ سماعِ الذِّكر مِنْ غيرِه، وشبَّه اللهُ القلوبَ القاسيَةَ
بالحجارة في قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتۡ
قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِیَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةࣰۚ﴾ [البقرة: ٧٤].
والحجارةُ لا تَنكَسِرُ إلَّا بقوَّةٍ، فكذلك
قَساوةُ القلبِ لا تزولُ إلا بالذِّكر القويِّ [مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح].
وقال الإمام السيوطي في "تعريف الفئة
بأجوبة الأسئلة المائة" في جواب السؤال الثالث والثلاثين المتضمن الجمع بين
الأدلة الواردة في الإسرار والأخرى الواردة في الجهر: [الذاكرين إذا كانوا
مجتمعِين على الذكر، فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر والقوة، وأما إذا كان
الذاكر وحده: فإن كان من الخاص؛ فالإخفاء في حقِّه أولى، وإن كان من العام، فالجهر
في حقِّه أفضل] اهـ [تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة: (٢/ ٣٧٦)].
مراجع الاستزادة
صحيح البخاري
مسند الإمام أحمد
جامع الترمذي
سنن أبي داود
تهذيب اللغة للأزهري
إحياء علوم الدين