Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تهذيب النفس ومعاملة الخلق من حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

تهذيب النفس ومعاملة الخلق من حكم الإمام الرفاعي

تتضافر سبل جلاء القلوب من رين الغفلة عبر أنوار الاستغفار والذكر، كما رسم معالمها أهل الطريق في قبساتهم النورانية. ومن صفاء الباطن ينطلق المؤمن نحو ضبط قواعد التعامل مع الخلق؛ متميزًا ببيان علامات الصديق والعدو، وكيفية الترفع عن دناءة الحماقة والغدر، تحقيقًا للكمال الإنساني في الظاهر والباطن.

حقيقة الحجاب القلبي ومنهج المحمدي في دفعه

قَالَ أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:

كُلُّ النَّاسِ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ فَيُغَانُ عَلَى قُلُوْبِهِمْ؛ فَالْمُحَمَّدِيُّ يَسْتَغْفِرُ وَيَدفَعُ الحِجَابَ، والمَحْجُوبُ يَزْدَادُ طَمْسًا عَلَى طَمْسٍ، والمَعْصُوْمُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.

أشار بهذه الحكمة لقول النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» [ رواه مسلم].

قال الإمام عبد الرؤوف المناوي قُدِّسَ سِرُّهُ في كتابه (التيسير على الجامع الصغير) عند شرح هذا الحديث ما نصه: «إنَّه» أي: الشأن «لَيُغَانُ» بغين معجمة من الغين الغطاء على قلبي، الجار والمجرور نائب عن فاعل يغان؛ أي: ليغشى قلبي «وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله» أطلب منه الغفر؛ أي: الستر «فٍي الْيَوْمِ» الواحد «مِائَةَ مَرَّةٍ» وهذا غَيْنُ أنوار، لا غين أغيار، ولا حجاب ولا غفلة، وأراد بالمائة: التكثير، فلا ينافي رواية سبعين. انتهى.

وأوضح سيدنا قُدِّسَ سِرُّهُ أَنَّ حجاب الغين يغشي قلوب الناس جميعًا فتنحجب عن لذائذ الحضور برؤية الأنفس، فالمحمدي؛ أي: المؤمن الذي تخلّق بخُلق النبي صلى الله عليه وسلم، واقتدى به بالأقوال والأفعال يستغفر الله، ويدفع الحجاب بذكر الله، فتنجلي حضيرة قلبه برجوعه من غي نفسه إلى ربه، وهذا الخلق من سر قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰۤئِفࣱ مِّنَ ٱلشَّیۡطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].

وملخص ما ذكره الإمام الرازي في تفسير الآية: " أن "طائف" قرأها الكسائي (طيف) بغير ألف، وابن كثير، وأبو عمرو كذلك، والباقون (طائف) بالألف، واختلفوا فيه: فمنهم من قال: إنه مصدر؛ ومنهم من قال غير ذلك؛ وقال بعضهم في معناه: إنَّه الغضب والوسوسة؛ وقالوا: إنه الخاطر؛ وقالوا: إنَّه ما يطوف حول القلب من الخيال، وغير ذلك.

فالمتقون إذا مسهم هذا الطائف من الشَّيطان حالة غضب يظهر فيها عجزهم عن دفع وسوسة الشيطان، ذكروا الله له وتحققوا أنَّ كلَّ واحدٍ منهم عاجز بالنسبة إلى قدرة الله، وتذكروا أيضًا ما أمرهم به من ترك إمضاء الغضب، والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش، فتنقلب قلوبهم عند حضور هذه التذكرات في عقولهم إلى إسداء الخير للمغضوب عليهم، والعفو في الحال، يزول طائف الشيطان، ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي والخلاص من وسوسة الشيطان".

هذا ملخص ما ذكره الفخر رحمه الله، والذي عليه مشايخنا السادة الرفاعية: أنَّ الذين اتقوا، أي: الذين خافوا الله إذا مسهم خاطر من الشيطان فزين لهم عملًا قبيحًا غير مرضي عهد الله، وانحجب القلب حالة تغطيته بالخاطر المذكور: ذكروا الله فزانوا الخاطر بميزان الشرع، وحاسبوا أنفسهم، وتذكروا عذاب الله وغضبه، فدفعوا بهذا حجاب الغين عن القلب، فإذا هم مفاجأة في الحال مبصرون بأعين بصائر الطريق الحق والباطل، فيدفعون الشيطان، وما أتى به من البطلان، ويشدون مآزر الحزم، وحزم العزم إلى طاعة الله ومرضاته، ويستغفرون الله ندمًا عما ألم بهم من الخواطر الشيطانية، معرضين عن الأغيار بالكلية.

هذا شأن من كان محمدي المقام، وأما من كان محجوبًا عن التقوى، وخوف الله، إذا مسه طائف من الشيطان، ازداد طمسًا على طمس، وحجابًا على حجاب، والعصمة والوقاية من الله سبحانه وتعالى.

جوامع الكلم في التعامل مع أصناف البشر

ثُمَّ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:

لا دَوَاءَ لِلْحُمْقِ، وَلا دَافِعَ لِلْحَقِّ، وَلا صُحْبَةَ لِلْمَغْرُورِ، وَلَا عَهْدَ لِلْغَادِرِ، وَلَا نُورَ للغَافِلِ، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ.

كَتَبَ اللهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ زَكِيَّةٍ أَنْ تُعَذّبَ فِي الدُّنْيَا بِأَيْدِي الْأَشْرَارِ، وَأَلْسِنَةِ الفُجَّارِ.

وَكَتَبَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ خَبِيثَةٍ أَنْ تُسِيءَ لِلْمُحْسِنِ، وَأَنْ تَكفرَ بِالْمُجْمَلِ، وَالعَوْنُ الإلهي مُحِيطٌ بِالعَبْدِ الْمُخْلِصِ الْمُنْكَسِرِ: ﴿وَمَا لِلظَّٰلِمِینَ مِنۡ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠].

عَلامَةُ العَدُوِّ: أَنْ يَرْغَبَ بِمَا فِي يَدَيْكَ، وَأَنْ يَرْغَبَ عَنْكَ إِذَا قَلَّ مَالُكَ، وَأَنْ يَسْتَلَّ سَيْفَ لِسَانِهِ بِمَغِيْبَتِكَ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ تُمْدَحَ فَدَعْهُ للَّهِ، فَهُوَ عَثُوْرٌ عَلَى رَأْسِهِ، كَالنَّارِ تَأْكُلُ حَطَبَهَا: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِیرࣰا﴾ [النساء: ٤٥].

سنن الله في الابتلاء وعلامات الصداقة والعداوة

وعَلَامَةُ الصَّديقِ: أَنْ يُحِبَّكَ لله، فَالْصَقْ بِهِ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ قَلِيلٌ.

أراد بقوله: لا دواء للحمق، قطع الأمل عن معالجة الأحمق؛ لأن الحمق داء غريز في الطبع لا ينسلخ إلا بانسلاخ الرُّوح عن البدن، ولذلك ورد أن عيسى عليه الصلاة والسَّلامُ كان يقول: "مَا أَعْجَزَنِي إِحْيَاءُ المَوتَى، وَلَكِنْ أَعْجَزَنِي مُعَالَجَةُ الأَحْمَق".

ومما يُنسب للإمام علي كرم الله وجهه قوله:

لكل داء دواء يُسْتَطَبُّ بِهِ *** إلا الحماقةَ أَعْيَتْ مَنْ يُداويها

ولهذا نهى الشرع عن مصاحبة الأحمق، وجاء في الأثر: «الصُّحْبَةُ مَعَ العَاقِلِ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ والدُّنيا والآخرة، والصحبَةُ معَ الأَحَمَقِ نُقْصَانُ فِي الدِّينِ والدُّنيا، وحَسْرَةٌ ونَدَامَةٌ عند الموت، وخَسَارَةٌ فِي الآخِرَةِ» [رواه الديلمي في الفردوس].

وقوله رضي الله عنه: ولا دافع للحَقِّ، مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَیُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ﴾ الآية [يونس : ۸۲] .

من أحسن الحكم في هذا المعنى قول علي أمير المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: "للحَقِّ نورٌ يَبْرُزُ ضَعِيفًا مُضْمَحِلًا ثُمَّ ينمو وَيَعْظُمُ، وللباطِلِ صَوْلَةٌ تَبْرُزُ قويَّةً ثُمَّ تَضْمَحِلُّ وَتَضْعفُ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهَا أَثَر".

ويناسب هذا المعنى قول الفاضل عبد الباقي العمري الموصلي رحمه الله في الإمام علي أمير المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

إذا الحق انْتَمَى لِحِمَى عَلِيّ *** فَلا تَعْجَبْ فَإِنَّ الحَقَّ يَعْلُو

وانظر كيف يقول النَّبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم: «الحقُّ أَصْلٌ فِي الجَنَّةِ، وَالبَاطِلُ أَصْلٌ فِي النَّارِ» [رواه الطبراني في الأوسط، ولفظه «وَإِنَّ الْبَاطِلَ»].

وقول سيدنا رضي الله عنه: ولا صُحْبَةَ للمغرور، حكمة جليلة؛ لأن المغرور برأيه، المعجب بنفسه لا يعرف قدر صاحبه، ولا يتبع رأيه، ويرى أنه على كل شيء حال كونه ليس بشيء، فإذًا لا يتمكن العاقل من صحبته.

وقوله: ولا عهد للغَادِر، مبرهن بالطبع؛ فإنَّ من كان طبعه الغدر لا يقف عند عهد، ولا يتقيد بحد.

وقوله: ولا نُورَ للغَافِلِ، ثابت بالبداهة؛ لأنَّ الغفلة ظلمة، والانتباه نور، وهما ضدان، والضّدَّان لا يجتمعان، ومن الغفلة عند الله تنتج المعاصي، والمعاصي تنتج سوء الفهم حتى يضل صاحبها سواء السبيل.

وقد أنشد الإمام الشافعي رضي الله عنه هضمًا لنفسه، وتعليمًا لغيره:

شكوت إلى وكيع سوء فهمي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور *** ونور الله لا يُهْدَى لعاصي

وقد أوجز سيدنا رضي الله عنه الحكمة فذكر ما جاء في السُّنَّةِ بقوله: «وَلا إِيمَانَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ» [رواه الطبراني في الأوسط، ولفظه: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ»]، وبيان ذلك أنَّ الرجل لا يجترئ على نقض العهد والميثاق بعد أن جعل الله عليه وكيلًا إلا لأحد أمرين: إما أنه لا يعتقد اللقاء، ولا يخشى الحساب، وإما أن يستخف بعهد الله، وكلاهما - والعياذ بالله - نقص في الدين والإيمان، ونزغ ودسيسة من عمل الشيطان.

وقوله: كتب الله، أي: قضى وقدّر على كُلِّ نَفْسٍ زكية صالحة مطهرة من العيوب المذمومة شرعًا: أنْ تُعَذَّبَ وتُهان بنسبة حالها سواء كانت كبيرة أو صغيرة في الدنيا بأيدي الأشرار، أي: بما اكتسبته أيديهم من المساعي القبيحة، وأن تساء بألسنة الفجار فتذم بلا موجب، وتستغاب بلا سبب، وتذكر بالسوء وهي مبرأة، وذلك لهوان هذه الدنيا عند الله، ولكونه أراد الله أن يرفع لتلك النفس الزكية الرضية لواء عز في الآخرة الباقية.

وكتب وقضى وقدر على كل نفس خبيثة منحرفة عن طريق الحق أن تسيء لِمَنْ أحسن إليها، وأن تمكر بمن عاملها بالجميل، ولكن العون والحفظ الإلهي محيط بالعبد المخلص لله المنكسر لسلطان ربوبيته، شامل في حركاته وسكناته له، وما للظالمين الذين يضعون الباطل محل الحقِّ من أنصار وأعوان يحفظونهم من سيوف بطش الله، وسهام غيرة الله، على أنَّ الظالم سيف الله ينتقم به، ثم ينتقم منه.

وقال: علامةُ العَدُوِّ التي تدلك على كونه عدوًّا: أَنْ يَرْغَبَ بما في يَدَيْكَ من العَرَض والحطام، وأنْ يَرْغَبَ عنك ويهجرك إذا قَلَّ مَالُكَ وضَعُف حالك، وأن يَسْتَلَّ سيف لسانه بمغيبتك، فيجرح جسم عرضك؛ ومصداق ذلك ما قاله القائل:

جِرَاحَاتُ السِّنان لها التئام *** ولا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللّسَانُ

ومن علامته أيضًا: أن يكره أن تُمدَحَ وتُذكر بخير، ويسر أن تُذم وتذكر بسوء، فَدَعْهُ لله ولا تقابله؛ فإِنَّ مَنِ  انتصر لنفسه تعب، ومن سلّم لمولاه تولى نصره وكفاه، واصبر عليه معتزًّا بالله، منتظرًا غارة الله، وأبشِر فهو عثور يقع على رأسه، ويحفر لحتفه بظلفه، ومثله كالنار تضرم لهبها، وتأكل حطبها: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِیرࣰا﴾ [النساء: ٤٥]، لمن أعرض عن الأغيار، وانتصر بالملك الجبار.

ثم قال: وعلامَةُ الصَّدِيقِ: أنْ يُحِبَّكَ لله، لا لَعَرَضِ وَلا لَغَرَضِ، فَالصَق بِهِ ولازمه ولا تنفك عنه؛ فإنَّ أهل المحبة لله قليل، بل أقل من القليل.

وقد عرَّف سيدنا الإمام علي أمير المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَرَّمَ وَجْهَهُ شَأْن الصديق الذي تسكن الروح إليه، ويستريح القلب معه بقوله:

صديقُكَ الَّذِي بِأَمْرَيْكَ معك *** ومَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَكَ

ومن إذا ريبُ الزَّمانِ صَدَّعَك *** شَتَّتَ فِيهِ شَمْلَهُ لِيَجْمَعَكْ

الخلاصة

ختامًا، تتجلى في حِكم الإمام الرفاعي حقيقة العبودية الصادقة؛ التي تبدأ بالمراقبة الدائمة لدفع حجب الغفلة بالاستغفار والاقتداء، وتمرُّ بفقه التعامل عبر اعتزال الحمقى والترفع عن كيد الأعداء اعتصامًا بالله، لتنتهي إلى قيمة الأخوة في الله كأسمى معيار للصداقة. فالنفوس الزكية مهما مُحِّصَت بالابتلاء، يبقى العون الإلهيُّ بها محيطًا، والمددُ الربانيُّ لها رفيقًا، وما ذلك إلا جزاء الإخلاص والانكسار بين يدي الملك الجبار.

موضوعات ذات صلة

تهذيب السلوك عملية ترتبط بتزكية النفس الإنسانية باعتبارهما - أي (التهذيب، والتزكية) - لب العمل التربوي.

إن طريق السالك إلى الله لا يقوم إلا على هدم تدبير النفس، وبناء حقيقة التسليم.

في رحاب قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي تتجلّى أسرارُ التوكّل، وصفاءُ العقل.

موضوعات مختارة