وعَلَامَةُ الصَّديقِ: أَنْ يُحِبَّكَ لله، فَالْصَقْ بِهِ؛ فَإِنَّ
أَهْلَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ قَلِيلٌ.
أراد
بقوله: لا دواء للحمق، قطع الأمل عن معالجة الأحمق؛ لأن الحمق داء غريز في
الطبع لا ينسلخ إلا بانسلاخ الرُّوح عن البدن، ولذلك ورد أن عيسى عليه الصلاة
والسَّلامُ كان يقول: "مَا أَعْجَزَنِي إِحْيَاءُ المَوتَى، وَلَكِنْ
أَعْجَزَنِي مُعَالَجَةُ الأَحْمَق".
ومما
يُنسب للإمام علي كرم الله وجهه قوله:
لكل داء دواء يُسْتَطَبُّ بِهِ *** إلا الحماقةَ أَعْيَتْ مَنْ يُداويها
ولهذا
نهى الشرع عن مصاحبة الأحمق، وجاء في الأثر: «الصُّحْبَةُ مَعَ العَاقِلِ
زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ والدُّنيا والآخرة، والصحبَةُ معَ الأَحَمَقِ نُقْصَانُ
فِي الدِّينِ والدُّنيا، وحَسْرَةٌ ونَدَامَةٌ عند الموت، وخَسَارَةٌ فِي
الآخِرَةِ» [رواه الديلمي في الفردوس].
وقوله
رضي الله عنه: ولا دافع للحَقِّ، مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَیُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ
بِكَلِمَٰتِهِۦ﴾ الآية [يونس : ۸۲] .
من
أحسن الحكم في هذا المعنى قول علي أمير المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَرَّمَ
اللَّهُ وَجْهَهُ: "للحَقِّ نورٌ يَبْرُزُ ضَعِيفًا مُضْمَحِلًا ثُمَّ
ينمو وَيَعْظُمُ، وللباطِلِ صَوْلَةٌ تَبْرُزُ قويَّةً ثُمَّ تَضْمَحِلُّ وَتَضْعفُ
حَتَّى لَا يَبْقَى لَهَا أَثَر".
ويناسب
هذا المعنى قول الفاضل عبد الباقي العمري الموصلي رحمه الله في الإمام علي أمير المؤمنين رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ:
إذا الحق انْتَمَى لِحِمَى عَلِيّ *** فَلا تَعْجَبْ فَإِنَّ الحَقَّ يَعْلُو
وانظر
كيف يقول النَّبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم: «الحقُّ أَصْلٌ فِي الجَنَّةِ،
وَالبَاطِلُ أَصْلٌ فِي النَّارِ» [رواه الطبراني في الأوسط، ولفظه «وَإِنَّ
الْبَاطِلَ»].
وقول
سيدنا رضي الله عنه: ولا صُحْبَةَ للمغرور، حكمة جليلة؛ لأن المغرور برأيه،
المعجب بنفسه لا يعرف قدر صاحبه، ولا يتبع رأيه، ويرى أنه على كل شيء حال كونه ليس
بشيء، فإذًا لا يتمكن العاقل من صحبته.
وقوله:
ولا عهد للغَادِر، مبرهن بالطبع؛ فإنَّ من كان طبعه الغدر لا يقف عند عهد، ولا
يتقيد بحد.
وقوله:
ولا نُورَ للغَافِلِ، ثابت بالبداهة؛ لأنَّ الغفلة ظلمة، والانتباه نور،
وهما ضدان، والضّدَّان لا يجتمعان، ومن الغفلة عند الله تنتج المعاصي، والمعاصي
تنتج سوء الفهم حتى يضل صاحبها سواء السبيل.
وقد
أنشد الإمام الشافعي رضي الله عنه هضمًا لنفسه، وتعليمًا لغيره:
شكوت إلى وكيع سوء فهمي *** فأرشدني
إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور *** ونور الله لا يُهْدَى لعاصي
وقد
أوجز سيدنا رضي الله عنه الحكمة فذكر ما جاء في السُّنَّةِ بقوله: «وَلا
إِيمَانَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ» [رواه الطبراني في الأوسط، ولفظه: «لَا
إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ»]، وبيان ذلك أنَّ الرجل لا يجترئ على نقض
العهد والميثاق بعد أن جعل الله عليه وكيلًا إلا لأحد أمرين: إما أنه لا يعتقد
اللقاء، ولا يخشى الحساب، وإما أن يستخف بعهد الله، وكلاهما - والعياذ بالله - نقص
في الدين والإيمان، ونزغ ودسيسة من عمل الشيطان.
وقوله:
كتب الله، أي: قضى وقدّر على كُلِّ نَفْسٍ زكية صالحة مطهرة من العيوب
المذمومة شرعًا: أنْ تُعَذَّبَ وتُهان بنسبة حالها سواء كانت كبيرة أو
صغيرة في الدنيا بأيدي الأشرار، أي: بما اكتسبته أيديهم من المساعي القبيحة، وأن
تساء بألسنة الفجار فتذم بلا موجب، وتستغاب بلا سبب، وتذكر بالسوء وهي مبرأة، وذلك
لهوان هذه الدنيا عند الله، ولكونه أراد الله أن يرفع لتلك النفس الزكية الرضية
لواء عز في الآخرة الباقية.
وكتب وقضى وقدر على كل نفس خبيثة
منحرفة عن طريق الحق أن تسيء لِمَنْ أحسن إليها، وأن تمكر بمن عاملها بالجميل،
ولكن العون والحفظ الإلهي محيط بالعبد المخلص لله المنكسر لسلطان ربوبيته، شامل في
حركاته وسكناته له، وما للظالمين الذين يضعون الباطل محل الحقِّ من أنصار وأعوان
يحفظونهم من سيوف بطش الله، وسهام غيرة الله، على أنَّ الظالم سيف الله ينتقم به،
ثم ينتقم منه.
وقال:
علامةُ العَدُوِّ التي تدلك على كونه عدوًّا: أَنْ يَرْغَبَ بما في يَدَيْكَ من العَرَض والحطام، وأنْ يَرْغَبَ عنك
ويهجرك إذا قَلَّ مَالُكَ وضَعُف حالك، وأن يَسْتَلَّ سيف لسانه بمغيبتك، فيجرح
جسم عرضك؛ ومصداق ذلك ما قاله القائل:
جِرَاحَاتُ السِّنان لها التئام *** ولا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللّسَانُ
ومن
علامته أيضًا: أن يكره أن تُمدَحَ وتُذكر بخير، ويسر أن تُذم وتذكر بسوء، فَدَعْهُ
لله ولا تقابله؛ فإِنَّ مَنِ انتصر لنفسه
تعب، ومن سلّم لمولاه تولى نصره وكفاه، واصبر عليه معتزًّا بالله، منتظرًا غارة
الله، وأبشِر فهو عثور يقع على رأسه، ويحفر لحتفه بظلفه، ومثله كالنار تضرم لهبها،
وتأكل حطبها: ﴿وَكَفَىٰ
بِٱللَّهِ نَصِیرࣰا﴾ [النساء: ٤٥]، لمن أعرض عن الأغيار،
وانتصر بالملك الجبار.
ثم
قال: وعلامَةُ الصَّدِيقِ: أنْ يُحِبَّكَ لله، لا لَعَرَضِ وَلا لَغَرَضِ،
فَالصَق بِهِ ولازمه ولا تنفك عنه؛ فإنَّ أهل المحبة لله قليل، بل أقل من القليل.
وقد
عرَّف سيدنا الإمام علي أمير المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَرَّمَ وَجْهَهُ
شَأْن الصديق الذي تسكن الروح إليه، ويستريح القلب معه بقوله:
صديقُكَ الَّذِي بِأَمْرَيْكَ معك *** ومَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَكَ
ومن إذا ريبُ الزَّمانِ صَدَّعَك *** شَتَّتَ فِيهِ شَمْلَهُ لِيَجْمَعَكْ