قد
سلك الصديق - رضي الله عنه - في قتال المرتدين طريقين:
- الأول - كان الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة لعلهم يعودون إلى
رشدهم ويتوبون إلى ربهم وهذا ما يمكن أن نسميه بالطريق السلمي ويتجلى ذلك في
الكتاب الذي أرسله أبو
بكر - رضي الله عنه - إلى
المرتدين وأعطى نسخة منه لكل قائد أرسله إلى هؤلاء القوم، وفي هذا الكتاب دعاهم الصديق - رضي الله عنه - إلى الخضوع للحق والعودة إلى الإسلام وإلى الطريق
المستقيم وإلا كان كل أمير أرسله أبو بكر في حل من قتل كل من أَبَى". (البداية
والنهاية ٦/ ٣٢٠)
- الثاني: الحرب، حيث عقد الصديق - رضي الله عنه - أحد عشر لواء وجهها إلى المرتدين في أنحاء الجزيرة
العربية، وفيما يلي موجز لهذه الحروب:
عقد
الصديق - رضي الله عنه - لخالد بن الوليد - رضي الله عنه - لواء وأمره بطليحة بن
خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له. وقام خالد - رضي الله
عنه - بالتوجه أولا إلى طليحة الأسدي والتقى مع طليحة بمكان
يقال له: بزاخه. (المرجع
السابق ٦/ ٣٢٢)
ثم
توجه خالد بعد ذلك إلى مالك بن نويرة التميمي بالبطاح، وكان مالك قد
استجاب لسجاح
بنت الحارث وهي
من نصارى العرب، وقد ادّعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم، وقد عزموا
على غزو أبى
بكر الصديق -
رضي الله عنه -، ثم سار خالد -
رضي الله عنه - بمجموعة إلى اليمامة لقتال مسيلمة الكذاب والتقى الجمعان ودام الحصار أياما ثم قُتِلَ الكذاب لعنه
الله قَتَلَهُ وحشي قاتل حمزة.
وكان
الصديق - رضي الله عنه - قد بعث قبل خالد إلى مسيلمة
عكرمة بن أبى جهل وشرحبيل بن حسنة.
ولما
ارتد أهل البحرين بعث الصديق - رضي الله عنه - إليهم العلاء بن الحضرمي.. وكان العلاء من سادات الصحابة العلماء العُبَّاد مجابي الدعوة (المرجع
السابق ٦/ ٣٣٢)
فالتقوا بجواثي فنصر المسلمون. (انظر: تاريخ الخلفاء، ص ٦١)
أما أهل عمان فخرج فيهم رجل يقال له: في الجاهلية الجُلَنْدى فادعى النبوة أيضا وتابعه الجهلة من أهل عمان
فتغلب عليها وقهر جيفرا وعبادا وألجأهما إلى أطرافها من نواحي
الجبال والبحر، فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه فبعث إليه الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميري، وعرفجة البارقي من الأزد، حذيفة إلى عمان وعرفجة
إلى مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا ويبتدئا بعمان وحذيفة هو الأمير فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير.
وأمر
الصديق عكرمة بن أبى
جهل أن يلحق بحذيفة وعرفجة إلى عمان وكل منكم أمير على جيشه وحذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس فإذا فرغتم فاذهبوا إلى مهرة فإذا
فرغتم منها فاذهب إلى اليمن وحضرموت فكن مع المهاجر بن أبى أمية، ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت واليمن فنكل به. (البداية والنهاية ٦/
٣٣٤)
واستمرت
جيوش الصديق - رضي الله عنه - وأمرائه الذين بعثهم لقتال أهل الردة
جوَّالين في البلاد يمينا وشمالا لتمهيد قواعد الإسلام وقتال الطغاة من الأنام حتى
رد شارد الدين بعد ذهابه ورجع الحق إلى نصابه وتمهدت جزيرة العرب، وصار البعيد
الأقصى كالقريب الأدنى.
وما
تحقق هذا النصر للمسلمين على المرتدين إلا بسبب قوة إيمان الصديق - رضي الله عنه - ومن معه من صحابة رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وقوة إيمان من أرسلهم لمحاربة هؤلاء المرتدين ومهارتهم الحربية
والتخطيط المحكم الدقيق الذى نفذت به تلك الحروب، وبانتصار المسلمين في تلك الحروب
قوى سلطانهم وعز الإسلام ورفعت رايته خفاقة عالية، وكان ما فعله أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - من محاربة المرتدين بعد نصحهم بالعودة
إلى الإسلام من أسدِّ عمله وأفضل ما قدمه للإسلام. (العواصم من
القواصم، للقاضي أبي بكر بن العربي ص ٤٧) فجزى الله الصديق - رضي الله عنه - خير الجزاء إزاء ما قدمه للإسلام والمسلمين، إنه
نعم المولى ونعم النصير.
مراجع للاستزادة:
- البداية
والنهاية، لابن كثير.
- صحيح مسلم بشرح النووي.
-
العواصم من القواصم، للقاضي أبى بكر بن العربي
ص ٤٧ المطبعة السلفية
١٣٩٩ هـ.