ولما استقرّ الأمر لدولة (محمد علي الكبير) واتجه إلى الاستفادة من
الحضارة الأوروبية آنذاك، واتجه إلى إرسال البعوث العسكرية والمدنية إلى إيطاليا
وفرنسا وروسيا وغيرها، اختار أعضاءها جميعًا من الأزهريين، وبعودتهم تباعًا انبعثت
في مصر - في عهده وعهود أبنائه - حركة علمية ناشطة، غطت ساحات العمل الميداني من
ناحية، وساحات الترجمة والتعليم والإعلام والقانون من ناحية أخرى.
وحتى ذلك
التاريخ كان التعليم في الأزهر قائمًا على الاختيار الحر، بحيث يختار الطالب
أستاذه ويختار الأستاذ المادة التي يقوم بتدريسها، أو الكتاب الذي يقرؤه لطلابه،
ويعرض نصوصه نصًا نصًا، فإذا أتم الطالب حفظه من علم الأستاذ، وآنس من نفسه
التجويد تقدم لأستاذه ليمتحنه مشافهة، فإذا أظهر استيعابًا ونبوغًا منحه الأستاذ
إجازة علمية مكتوبة، وكانت هذه الإجازة كافية لصلاحه بأن يشتغل بالتدريس في
المدارس أو في المساجد أو في جامع الأزهر نفسه، وظل العمل على ذلك حتى أواخر القرن
التاسع عشر، حيث استعيض عنه بنظام التعليم الحديث، أو بنظام قريب منه بحسب الأحوال.
واكب ذلك إصدار عدة قوانين لتنظيم العمل بالأزهر.
الأول من هذه القوانين قانونان في القرن التاسع عشر: أولهما في سنة
١٨٧٢م ينظم طريقة الحصول على العالمية وموادها، وثانيهما في سنة ١٨٨٢م، وأهم ما
تناولاه: تحديد صفة من يتصدى لمهنة التدريس في جامع الأزهر أن يكون قد انتهى من
دراسة أمهات الكتب في أحد عشر فنًا، واجتاز فيها امتحانًا ترضى عنه لجنة من ستة
علماء يرأسهم شيخ الأزهر.
وفي بداية القرن العشرين استصدر قانون سنة ١٩٠٨ في عهد المشيخة
الثانية للشيخ حسونة النواوي، وفيه تم تأليف مجلس عالٍ لإدارة الأزهر برئاسة شيخ
الأزهر، وعضوية كل من مفتي الديار المصرية، وشيوخ المذهب المالكي والحنبلي
والشافعي واثنين من الموظفين.
وفيه أيضًا تقسيم الدراسة إلى ثلاث مراحل: أولية وثانوية وعالية، ومدة
التعليم في كل منها أربع سنوات، يمنح الطالب الناجح في كل مرحلة شهادة المرحلة.
ثم تلاه القانون رقم ١٠١ لسنة ١٩١١، وفيه: تجديد اختصاص شيخ الأزهر،
وإنشاء مجلس الأزهر الأعلى هيئة إشرافية، وتنظيم هيئة كبار العلماء ونظام التوظف
بالأزهر، وإثر صدور هذا القانون لوحظ إقبال المصريين على الأزهر، وأنشئت عدة معاهد
في عواصم المدن المصرية.
وفي عهد المشيخة الأولى للشيخ محمد مصطفى المراغي أُعد مشروع القانون
رقم ٤٩ لسنة ١٩٣٠م، لكنه أُصدر في عهد مشيخة الشيخ محمد الأحمدي الظاهري، ويجمع
الرأي على أن هذا القانون مثّل خطوة موفقة لإصلاح الأزهر، ومكنه من مسايرة التقدم
العلمي والثقافي والمعرفي.
وفي هذا القانون حُددت مراحل التعليم أربع مراحل: ابتدائية لمدة أربع
سنوات، وثانوية لمدة خمس سنوات، وثلاث كليات للشريعة الإسلامية، وأصول الدين،
واللغة العربية، مدة الدراسة بكل منها أربع سنوات، ثم تخصص مهني مدته سنتان في
القضاء الشرعي والإفتاء، وفي الوعظ والإرشاد، وفي التدريس، ثم تخصص المادة لمدة
خمس سنوات تؤهل الناجح للحصول على العالمية مع درجة أستاذ.