ولكنّ الحقيقة أن
الدين لم يكن السببَ الوحيدَ، ولا السببَ المهمّ لها، فهناك
أسباب ودوافع وراء هذه الحروب منها:
أولًا: الأسباب التاريخية:
فالحروب الصليبية هي فصل من فصول الصراع بين الشرق والغرب، ذلك الصراع الذي بدأ
بحرب طروادة وفارس في الأزمنة الغابرة، وانتهى بالتوسع الاستعماري الأوروبي في العصر الحديث فهي حلقة من هذه السلسلة. وهذا الصراع بين الشرق والغرب يهدأ ويثور كالبركان في هدوئه وثورته.
فلما جاء القرن الحادي عشر اشتد غليان البركان، فثار متخذا الصليب هذه المرة أداة له
أو مظهرا
لغليانه.
ثانيًا: الأسباب الدينية:
كان الشرق هو المهد الحقيقي لدين المسيح عليه
السلام، ولكن المسيحية ترعرعت في أوروبا، وانتشرت من خلال كنائس أوروبا وجامعاتها، وكانت هناك أديان تزاحم المسيحيّة في عصورها المختلفة مثل: اليهودية والبوذية والكونفشيوسية والإسلام.
ولكن الإسلام كان هو الدين الوحيد الذي انتشر بقوة جارفة، مقتحمًا على أوروبا المسيحيّة أبوابها من الغرب عن طريق الأندلس، ومن الشرق عن طريق القسطنطينية التي دق المسلمون أبوابها
منذ العهد
الأموي، كل هذا جعل أوروبا تناصب الإسلامَ العداء.
فضلًا عن ذلك، فإن سقوط الخلافة الأموية بالأندلس، وما تبع ذلك من
هزائم وقعت بالمسلمين في الميدان الغربي، شجع أوروبا لأن تضرب ضربتها من جهة الشرق؛ لتدمير قوى المسلمين، ووقف أي محاولات ترمي إلى مساعدة المسلمين لإخوانهم بالأندلس، أو مد يد العون لهم،
ليستردوا قوتهم مرة أخرى، وواكب كل ذلك يقظة دينية مسيحيّة في أوروبا آنذاك جعلت من أهدافها الإستيلاء على الأماكن المقدسة
في فلسطين،
لتتولى الكنيسة البابوية بروما حماية هذه الأماكن المقدسة وإدارتها.
ثالثًا: الأسباب التجارية:
وهي من الأسباب عظيمة الشأن في هذا المقام،
حيث إن
التجار بالساحل الشمالي للبحر المتوسط في البندقية، وجنوة، وبيزا، أرادوا
امتلاك بعض الموانئ على الساحل الشرقي والجنوبي للبحر المتوسط، لتكون هذه الموانئ
مراكزًا لتجارة الغرب في الشرق، ولتتصل تجارة أوروبا عن طريق هذه المنافذ بالخطوط التجارية بالشرق، لذلك فقد بذل هؤلاء التجار المال والسلاح للتشجيع على
الحروب الصليبية.
كل هذه الأسباب تتصل بصورة مباشرة بالصليبيين، لكن هناك أسباب تتصل
بالجبهة الإسلامية في هذه الحروب منها:
- حالة الضعف التي أصابت العالم الإسلامي بذهاب شوكة السلاجقة وتفككهم إلى دويلات تنازعت فيما بينها.
- ترنح
الخلافة الفاطمية، وما حدث فيها من اضطراب وفوضى في عهد الحاكم بأمر الله، ولم يصلح من جاء بعده هذه الأمور وإعادتها إلى نصابها نتيجة لتولي الصبية الصغار للخلافة، مما جعل زمام الأمور في يد الوزراء.
- النزاع بين الفاطميين والسلاجقة على بلاد الشام، وكان الفاطميون على مذهب الشيعة، والسلاجقة على مذهب أهل السنة، فسعى كل فريق منهم إلى الإيقاع بالآخر، فنشبت بينهم الحروب التي أنهكت قواهم وأضعفتهم.