وكانت هذه القوة السنية
الجديدة التي ظهرت في الأفق السياسي لبلاد اليمن هي قوة بني يعفر الحواليين في
صنعاء، وكان على رأسها الأمير محمد بن جعفر بن عبد الرحيم، الذي أخذ البيعة
في منطقة نفوذه التي اشتملت على صنعاء ومخاليفها والجند وحضر موت، للخليفة
العباسي المعتمد على الله أبي العباس أحمد بن جعفر المتوكل، فلما وصل خبره
سنة (٢٥٧ هـ/ ٨٧٠ م) إلى المعتمد كما يقول الخزرجي: "كتب إليه
بنيابته على صنعاء ومخالفيها".
وبذلك أصبح في اليمن
قوتان تدافعان عن الاتجاه السني والذي يبدو من روايات الخزرجي أن القوتين نظمتا
العلاقة بينهما في ضوء تبعية كل منهما للعباسيين، وقد يكون ذلك بتوجيه من المعتمد
العباسي نفسه، أو لشعور بني يعفر بقوة الزياديين؛ فيذكر الخزرجي
أن الأمير محمد بن جعفر كان يوالي ابن زياد صاحب زبيد ويحمل
إليه الخراج، كما يروي يحيى بن الحسين أيضًا أن بني جعفر في أيام أبي
الجيش الزيادي كانوا يخطبون له ويضربون السكة باسمه".
وتولى بنو يعفر
(الحواليون) مقاومة علي بن الفضل الذي اتجه إلى توحيد اليمن تحت قيادته بعد
أن رفض كل مظاهر التبعية للمذهب الإسماعيلي، بينما تولى بنو زياد مقاومة
سائر القوى السياسية والمذهبية الأخرى المناهضة للنفوذ العباسي وللمذهب السني،
مذهب جمهور المسلمين في العالم الإسلامي وفي اليمن أيضًا في ذلك الوقت.
وقد أدى هذا بطبيعة
الحال إلى صراع حاد أضعف الدولة الزّيادية؛ لأن العباسيين الذين كانوا
يعانون من سيطرة الأتراك- كما قلنا قبل ذلك- عجزوا عن معاونة الزياديين في مواجهة
هذه المتغيرات الجديدة التي ظهرت في بلاد اليمن، ولذلك وقف الزّياديون وحدهم
يواجهون تطورات سياسية بالغة الخطورة مزقت وحدة اليمن تحت سيادتهم، وآذنت بظهور
قوى سياسية ومذهبية عديدة أثرت تأثيرًا قويًا في البناء السياسي والمذهبي لليمن
الإسلامي، وما زالت أصداؤه تتردد فيه حتى الآن.. ففي صعدة قامت دولة الأئمة
الزيدية، بينما انتشر دعاة الإسماعيلية في مواقع كثيرة من اليمن، وسيطر ابن
حوشب وعلي بن الفضل على كثير من بلدانه، وتمكن بنو يعفر (الحواليون) من
إقامة دولة لهم في صنعاء، وعلاوة على ذلك، أصبح مقر الدولة الزّيادية نفسه في
تهامة عرضة لهجمات قاسية عنيفة من قبل هذه القوى المختلفة، حتى وصلت الدولة الزّيادية
إلى أقصى درجات الضعف والهزال، ولم يبق لها من نفوذ إلا منطقة تمتد فيما بين شرجة حرض
وعدن طولًا وما بين غلافقة إلى أعمال صنعاء عرضًا، وقد حدد بعض
المؤرخين حجم دولة بني زياد المتداعية في ذلك الوقت، فذكر أنه لم يتجاوز
عشرين مرحلة طولًا من الشرجة إلى عدن، وخمس مراحل عرضًا من غلافقة إلى أعمال صنعاء.
وبوفاة الأمير أبي
الجيش إسحاق سنة (٣٧١هـ/٩٨١م)، قفز موالي بني زياد من الأحباش إلى قمة السلطة
في الدولة الضعيفة المتهالكة، وقلدوا الحكم لطفل صغير يسمى زيادًا أو عبد الله
أو إبراهيم، وواضح من روايات معظم المؤرخين أن الطفل الذي نصب على عرش
الزياديين كان ابنًا للأمير أبي الجيش إسحاق؛ لأنهم يقولون إن أخته هند
التي تولت الوصاية عليه بترتيب من موالي بني زياد الأحباش كانت بنتًا لأبي
الجيش إسحاق، وينفرد ابن الديبع من بين المؤرخين برواية يذكر فيها أن
الوصية كانت عمة للطفل وهي في نفس الوقت أخت لأبي الجيش إسحاق، وهذا يعني
أن الطفل ابن لأبي الجيش وفقًا لجميع الروايات.
ومنذ تلك اللحظة أصبح
الطفل وأخته هند التي تولت الوصاية عليه في كفالة عبد من عبيد بني زياد اسمه رشيد،
تولى منصب الوزارة، وكان أستاذًا حبشيًا من بين الأستاذين العاملين في الخدمة في
بلاط بني زياد ولكنه لم يلبث مدة طويلة في الوزارة فتوفي بعد فترة قصيرة من
توليه.
تولى الوزارة وإدارة
شئون الدولة بعده الحسين بن سلامة الذي كان وصيفًا نوبيًا لرشيد تمتع بسمعة
طيبة وأثبت براعة فائقة في إدارة الدولة الزّيادية، التي انتعشت كثيرًا في أيامه
واستردت معظم ما فقدته من أراضيها ونشطت فيها حركة بناء المدن، وتعمير المساجد،
وإنشاء الطرق، وحفر الآبار، ولذلك ظل الحسين ابن سلامة يتقلد منصب الوزارة
ثلاثين عامًا كان خلالها " عادلًا على الرعية كثير الصدقات، والصلات في الله
تعالى مقتديًا بسيرة عمر بن عبد العزيز في أكثر أحواله ".