Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزّياديون (الدولة الزّيادية)

الكاتب

أ.د/ محمد عيسى الحريري

الزّياديون (الدولة الزّيادية)

دولة بني زياد التي تأسّست في اليمن، كانت نقطة تحوّل تاريخية جمعت بين دعم الخلافة العباسية وظهور قوى مذهبية وسياسية جديدة مثل الزيدية والإسماعيلية، وشكّلت هذه الدولة مركزًا حضريًّا ونفوذًا واسعًا، لكنها واجهت تحديات كبيرة قادت في النهاية إلى انحسارها ولكنها أثرت في تاريخ اليمن الإسلامي.

تأسيس الدولة الزّيادية

أسّس الزّياديون دولتهم في اليمن سنة (٢٠٤ هـ / ٨١٩ م)، واختطوا مدينة زبيد في الرابع من شعبان من نفس السنة، واتخذوها عاصمة لهم، ومنها سيطروا على معظم بلاد اليمن، وقد عاون الخليفة العباسي المأمون واليه على اليمن محمد بن زياد - مؤسس هذه الدولة - بقوات من الجند الخراسانية، مكنته من بسط نفوذه على جبال اليمن، وامتد نفوذ بني زياد - ممثلي الخلافة العباسية- إلى حضر موت وديار كندة والشحر ومرياط وأبين ولحج وعدن والتهائم وحلى والجند وأعمالها ومخلاف جعفر وصنعاء وصعدة ونجران وبيجان،

وبضعف الخلافة العباسية وازدياد سيطرة الأتراك عليها، تحولت التبعية الزّيادية للعباسيين إلى تبعية اسمية، تتمثل في حكم بلاد اليمن باسم الخليفة العباسي وإظهار الولاء له من أجل إضفاء الشرعية على حكم الزياديين، و تجلى ذلك في ذكر اسم الخليفة في الخطبة ونقش اسمه على السكة، وقد ظهر هذا التطور واضحًا في علاقة الزياديين بالعباسيين خلال عهد إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد، الذي تولى أمر الزياديين بعد أخيه زياد بن إبراهيم وتلقب بأبي الجيش، وقد طالت مدة حكمه لليمن حتى بلغت ثمانين عامًا، تمكن خلالها من توطيد نفوذ الزياديين على اليمن وحضرموت وجزر البحر، وتشبه بمُلوك اليمن فركب المظلة، وظهر بمظهر الحاكم المستقل.

وتجدر الإشارة إلى أن العباسيين في توجيه سياستهم في بلاد اليمن عمدوا منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي إلى تأييد أية قوة سياسية سنية جديدة ناشئة في بلاد اليمن، ومنحها الشرعية بصورة لا تتعارض مع الشرعية السياسية التي منحوها قبل ذلك لحلفائهم الزياديين؛ وذلك لمواجهة الاتجاهات المذهبية الجديدة التي شرعت في الظهور بحدة في بلاد اليمن؛ نتيجة لضعف الخلافة العباسية، وهذه الاتجاهات الجديدة هي الاتجاه الزيدي الشيعي، والاتجاه الإسماعيلي الفاطمي.

أشهر أئمتها وأعمالهم

وكانت هذه القوة السنية الجديدة التي ظهرت في الأفق السياسي لبلاد اليمن هي قوة بني يعفر الحواليين في صنعاء، وكان على رأسها الأمير محمد بن جعفر بن عبد الرحيم، الذي أخذ البيعة في منطقة نفوذه التي اشتملت على صنعاء ومخاليفها والجند وحضر موت، للخليفة العباسي المعتمد على الله أبي العباس أحمد بن جعفر المتوكل، فلما وصل خبره سنة (٢٥٧ هـ/ ٨٧٠ م) إلى المعتمد كما يقول الخزرجي: "كتب إليه بنيابته على صنعاء ومخالفيها".

وبذلك أصبح في اليمن قوتان تدافعان عن الاتجاه السني والذي يبدو من روايات الخزرجي أن القوتين نظمتا العلاقة بينهما في ضوء تبعية كل منهما للعباسيين، وقد يكون ذلك بتوجيه من المعتمد العباسي نفسه، أو لشعور بني يعفر بقوة الزياديين؛ فيذكر الخزرجي أن الأمير محمد بن جعفر كان يوالي ابن زياد صاحب زبيد ويحمل إليه الخراج، كما يروي يحيى بن الحسين أيضًا أن بني جعفر في أيام أبي الجيش الزيادي كانوا يخطبون له ويضربون السكة باسمه".

وتولى بنو يعفر (الحواليون) مقاومة علي بن الفضل الذي اتجه إلى توحيد اليمن تحت قيادته بعد أن رفض كل مظاهر التبعية للمذهب الإسماعيلي، بينما تولى بنو زياد مقاومة سائر القوى السياسية والمذهبية الأخرى المناهضة للنفوذ العباسي وللمذهب السني، مذهب جمهور المسلمين في العالم الإسلامي وفي اليمن أيضًا في ذلك الوقت.

وقد أدى هذا بطبيعة الحال إلى صراع حاد أضعف الدولة الزّيادية؛ لأن العباسيين الذين كانوا يعانون من سيطرة الأتراك- كما قلنا قبل ذلك- عجزوا عن معاونة الزياديين في مواجهة هذه المتغيرات الجديدة التي ظهرت في بلاد اليمن، ولذلك وقف الزّياديون وحدهم يواجهون تطورات سياسية بالغة الخطورة مزقت وحدة اليمن تحت سيادتهم، وآذنت بظهور قوى سياسية ومذهبية عديدة أثرت تأثيرًا قويًا في البناء السياسي والمذهبي لليمن الإسلامي، وما زالت أصداؤه تتردد فيه حتى الآن.. ففي صعدة قامت دولة الأئمة الزيدية، بينما انتشر دعاة الإسماعيلية في مواقع كثيرة من اليمن، وسيطر ابن حوشب وعلي بن الفضل على كثير من بلدانه، وتمكن بنو يعفر (الحواليون) من إقامة دولة لهم في صنعاء، وعلاوة على ذلك، أصبح مقر الدولة الزّيادية نفسه في تهامة عرضة لهجمات قاسية عنيفة من قبل هذه القوى المختلفة، حتى وصلت الدولة الزّيادية إلى أقصى درجات الضعف والهزال، ولم يبق لها من نفوذ إلا منطقة تمتد فيما بين شرجة حرض وعدن طولًا وما بين غلافقة إلى أعمال صنعاء عرضًا، وقد حدد بعض المؤرخين حجم دولة بني زياد المتداعية في ذلك الوقت، فذكر أنه لم يتجاوز عشرين مرحلة طولًا من الشرجة إلى عدن، وخمس مراحل عرضًا من غلافقة إلى أعمال صنعاء.

وبوفاة الأمير أبي الجيش إسحاق سنة (٣٧١هـ/٩٨١م)، قفز موالي بني زياد من الأحباش إلى قمة السلطة في الدولة الضعيفة المتهالكة، وقلدوا الحكم لطفل صغير يسمى زيادًا أو عبد الله أو إبراهيم، وواضح من روايات معظم المؤرخين أن الطفل الذي نصب على عرش الزياديين كان ابنًا للأمير أبي الجيش إسحاق؛ لأنهم يقولون إن أخته هند التي تولت الوصاية عليه بترتيب من موالي بني زياد الأحباش كانت بنتًا لأبي الجيش إسحاق، وينفرد ابن الديبع من بين المؤرخين برواية يذكر فيها أن الوصية كانت عمة للطفل وهي في نفس الوقت أخت لأبي الجيش إسحاق، وهذا يعني أن الطفل ابن لأبي الجيش وفقًا لجميع الروايات.

ومنذ تلك اللحظة أصبح الطفل وأخته هند التي تولت الوصاية عليه في كفالة عبد من عبيد بني زياد اسمه رشيد، تولى منصب الوزارة، وكان أستاذًا حبشيًا من بين الأستاذين العاملين في الخدمة في بلاط بني زياد ولكنه لم يلبث مدة طويلة في الوزارة فتوفي بعد فترة قصيرة من توليه.

تولى الوزارة وإدارة شئون الدولة بعده الحسين بن سلامة الذي كان وصيفًا نوبيًا لرشيد تمتع بسمعة طيبة وأثبت براعة فائقة في إدارة الدولة الزّيادية، التي انتعشت كثيرًا في أيامه واستردت معظم ما فقدته من أراضيها ونشطت فيها حركة بناء المدن، وتعمير المساجد، وإنشاء الطرق، وحفر الآبار، ولذلك ظل الحسين ابن سلامة يتقلد منصب الوزارة ثلاثين عامًا كان خلالها " عادلًا على الرعية كثير الصدقات، والصلات في الله تعالى مقتديًا بسيرة عمر بن عبد العزيز في أكثر أحواله ".

نهاية الدولة الزّيادية

بوفاة الحسين بن سلامة اقتربت الدولة الزّيادية من نهايتها المحتومة، حيث لم يكن لبني زياد سوى طفل صغير، يظن عمارة أنه كان يسمى عبد الله كفلته عمته وتقلد الوزارة لهما أستاذ حبشي من عبيد الحسين بن سلامة اسمه مرجان.

وتذكر نفس الرواية لعمارة أنه كان لمرجان عبدان أحدهما (نفيس) والآخر: يدعى (نجاح)، تولى نفيس منصب الوزارة، وأقام في العاصمة الزّيادية في زبيد، متمتعًا بسلطات واسعة ونفوذ مطلق، أما نجاح فكان يتولى الأعمال الشمالية في مدن الكدراء والمهجم، ومور والواديين.

ويروي المؤرخون أن نفيسًا كان عسوفًا مرهوبًا ويبدو أن ذلك أثار طفل بني زياد وعمته، فجرت بينهما وبين نجاح - الذي كان رؤوفًا عادلًا محبوبًا من الرعية -بعض الاتصالات التي توجس منها نفيس خيفة فسارع إلى إبلاغ سيده مرجان، فما كان من مرجان إلا أن أمر بالقبض على الطفل وعمته، وأمر نفيسًا أن يقتلهما بطريقة مثيرة لا شفقة فيها ولا رحمة "فبنى عليهما (نفيس) جدارًا وهما قائمان يناشدانه الله عز وجل، حتى ختمه عليهما"، ويذكر ابن الديبع أن ذلك كان في دار الملك سنة (٤٠٧ هـ / ١٠١٦م)، وهذا التاريخ اتفق عليه معظم المؤرخين كالخزرجي وابن الديبع، وهذا يعني أن دولة بني زياد استمرت (٢٠٣) سنة، وعلى هذا ينبغي أن نتردد كثيرًا أمام رواية عمارة التي تؤرخ لهذا الحادث بسنة (٤٠٩ هـ / ١٠١٨م) وتجعل عمر دولة بني زياد يمتد في التاريخ إلى ٢٠٥ سنة.

ونجح الزّياديون أيضًا طيلة قرنين من الزمان في المحافظة على النفوذ العباسي وعلى المذهب السني في اليمن، وجاء من بعدهم النجاحيون فاستمروا في نفس السياسة، وأظهرت الدراسة أنهم نجحوا في تكوين دولة حاجزة بين قوى المعارضة التي كانت مزدهرة في اليمن في ذلك الوقت - والمتمثلة في المذهب الزيدي والمذهب الإسماعيلي - وبين امتداد نشاط هذه القوى إلى بلاد الحجاز بصورة تهدد بقاء الأراضي المقدسة ضمن مناطق النفوذ العباسي.


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • الخزرجي: أبو الحسن علي بن الحسن الخزرجي (ت: ۸۱۲ هـ): المسجد المسبوك فيمن ولي اليمن من الملوك، نسخة مصورة عن المخطوط الأصلي للمرة الثانية، طبعة وزارة الإعلام والثقافة اليمنية (١٤٠١هـ - ۱۹۸۱م)، دار الفكر، دمشق.
  • ابن خلدون: عبد الرحمن (ت: ۸۰۸هـ)، العبر وديوان المبتدأ والخبر، طبعة دار الكتاب اللبناني، ١٩٦٨م، المجلد الأول، المجلد الرابع.
  • ابن الديبع: أبو الضبا عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني الزبيدي (ت: ٩٤٣ هـ)، قرة العيون بأخبار اليمن الميمون، تحقيق: محمد بن علي الأكوع الحوالي، المكتبة السلفية، القاهرة، ۱۹۷۱م.
  • بغية المستفيد في تاريخ مدينة زبيد، تحقيق: عبد الله الحبشي، مركز الدراسات اليمنية، صنعاء، ۱۹۷۹م.
  • عمارة: نجم الدين بن أبي الحسن علي الحكمي اليمني، (ت: ٥٦٩هـ)، تاريخ اليمن، تحقيق: د. حسن سليمان محمود، نشر مكتبة مصر، القاهرة، ١٩٥٧م.
  • ابن المجاور: جمال الدين أبو الفتوح يوسف بن يعقوب، صفة بلاد اليمن، تحقيق: أوسكر لوفغربين، طبعة ليدن. ١٩٥١م
  • أبو مخرمة: أبو محمد عبد الله الطيب بن عبد الله بن أحمد، تاريخ ثغر عدن، طبعة ليدن، ١٩٣٦م.
  • الوصابي: وجيه الدين الحبيشي، (ت: ۷۸۲ هـ)، الاعتبار في التواريخ والآثار، تحقيق: عبد الله محمد الحبشي، مركز الدراسات والبحوث اليمنية، صنعاء، الطبعة الأولى، ۱۹۷۹م.

الخلاصة

دولةُ بني زياد مثّلتْ مرحلةً مفصليّةً في تاريخ اليمن الإسلاميّ، إذ كانت جسرًا بينَ النفوذ العباسيّ ومقاومة القوى السياسيّة والمذهبية الجديدة، ورغم جهودها في الحفاظ على الولاء السنيّ والسلطة المركزيّة، فإنّ الصراعاتِ الداخليةَ والخارجيةَ أدّتْ في النهاية إلى انهيارها، وتظلّ هذه الدولةُ نموذجًا مهمًّا لفهمِ التحولاتِ السياسيّةِ والمذهبيّةِ التي شكّلت المشهدَ اليمنيّ الإسلاميّ.

موضوعات ذات صلة

أبناءُ العبّاس بن عبد المطلب، عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد رأوْا أنهم الأحق بالخلافة، فأسسوا دعوة سرية منظمةً ضد الأمويين.

 أسرة كُردية الأصل بلغت أوج مجدها على يد صلاح الدين، فأسقطت الدولة الفاطمية ووحّدت مصر والشام.

من أبرز الحركاتِ الثوريّةِ التي ظهرتْ في العصر العباسيّ، وقدِ انطلقتْ منَ الفكرِ الإسماعيليّ.

موضوعات مختارة