لما قبض رسول الله صلي الله عليه وسلم انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة [السقيفة مكان عليه ظلة، وهي دار اجتماع الأنصار لتبادل الرأي والتشاور مثل دار الندوة بالنسبة لقريش في مكة وكانت قرب دار سعد بن عبادة زعيم الأنصار]، واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة رضي الله عنها، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر وانضم إليهم أسيد بن حضير، وكان أبو بكر قد أقبل من السنح (إحدى ضواحي المدينة) على فرس له، لما بلغه خبر وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم، ودخل على رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو مُسجى في البيت ببرد حبرة (نوع من ثياب اليمن) فكشف عن وجهه ثم أقبل عليه يقبله ويقول: ما أطيبك حيًا وميتًا!، ثم خرج رضي الله عنه فهدأ الناس الذين هزتهم المصيبة.
وأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يُفرغ من أمر تجهيزه بعد أن أغلق أهله الباب دونه، قال عمر: قلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه، فانطلقنا نؤمهم، وانضم إليهما في الطريق أبو عبيدة بن الجراح، فلقينا رجلان صالحان من الأنصار فذكروا ما تمالأ عليه القوم، [الرجلان هما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي، والأول ممن قال الله فيهم (فيه رجال يحبون أن يتطهروا وآلله يحب المطهرين)، والثاني هو القائل يوم وفاة النبي: والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيًّا] وقالا: أين تريدان يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا من الأنصار، قالا: فلا عليكم ألا تأتوهم يا معشر المهاجرين وأبرموا أمركم، قال: قلت: والله لنأتيهم، فانطلقنا حتى آتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟، قالوا: سعد ابن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: وجع، فجلسنا نسمع خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم -أي أتت جماعة- قال: وإذا هم يريدون أن يجتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر" قال عمر: فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت (أي أعددت) في نفسي مقالة قد أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، فقال أبو بكر: على رسلك، قال عمر: وكنت أعرف عنه الجد، فكرهت أن أغضبه، ولما في عمر من حدة ربما لا تكون مفيدة في هذا الموقف، قال عمر: فتكلم -أي: أبو بكر- وكان أعلم مني وأوقر، والله ما ترك كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل، قال: أما ما ذكرتم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا ، نحن المهاجرين أول الناس إسلامًا وأوسطهم دارًا وأحسنهم وجوهًا، وأكثرهم ولادة في العرب، وأمسُّهم رحمًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم، وقُدمنا في القرآن عليكم، فقال تبارك: {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ} [التوبة: (١٠٠)]، فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار، إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيْ، وأنصارنا على العدو، أما ما ذُكر فيكم من خير فأنتم له أهل وأفضل منه، أما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، فمنا الأمراء ومنكم الوزراء، لا تفتاتون في مشورة ولا تقضى دونكم الأمور، وقال: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وكان بيننا، قال عمر: ولم أكره شيئا مما قاله غيرها، كان فيهم أبو بكر، والله أن أقدم فتضرب عنقي ولا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلىَّ من أن أتأمَّر على قوم بعد ذلك، قال قائل الأنصار وهو الحباب بن المنذر: أنا جُذيلها المُحكّك وعُذيقها المرجب [جذيلها المحكك، مثل لمن يستشفى برأيه وتوجد عنده الراحة، عزيقها المرجب مثل للرجل الشريف المعظم في قومه والذي يكثر خيره كأنه يقول أنا داهيتها] منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف، فقلت -وكان جهوري الصوت-: ابسط يدك يا أبا بكر، ألم يأمر النبي أن تصلي أنت بالمسلمين، وارتضاك بذلك لديننا أفلا نرتضيك لدنيانا، امدد يدك نبايعك فنبايع خير من أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم منا جميعًا، فبسط يده فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، وكان عمر قد قال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم بالناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟، فقال الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر، ثم قام المهاجرون فبايعوا ثم بايع الأنصار، قال عمر: ثم نزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قال: قلت: قتل الله سعد بن عبادة.
وجاء في بعض الروايات أن أبا بكر قال لسعد بن عبادة: قد علمت يا سعد أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، فقال له سعد: صدقت؛ نحن الوزراء وأنتم الأمراء، وهكذا وقى الله المسلمين الفتنة وجمعهم على خيرهم.
وتلك البيعة التي حدثت في السقيفة هي البيعة الخاصة، وهي بمثابة ترشيح سوف يتأكد عندما يطرح الأمر على المسلمين في المسجد النبوي في اليوم التالي، وكل هذا حدث والرسول صلى الله عليه وسلم مُسجى في بيته لم يتم تجهيزه بعد، وهذا يعني إدراك المسلمين منذ هذا الزمن المبكر لمبدأ قانوني يفاخر به رجال القانون في العصر الحديث، وهو مبدأ استمرارية الدولة، لقد كره المسلمون أن يبيتوا من غير أن يكون لهم أمير أو يتولى عليهم رئيس.
والمناقشات التي دارت في سقيفة بني ساعدة تذكر بأعظم المؤتمرات التي تعقد في العصر الحديث، فقد عبر كل من المهاجرين والأنصار عن وجهة نظرهم، وتناقشوا وأوضح كل ما يعتقده بمنتهى الحرية والأريحية، وظهرت من خلال المناقشات في الاجتماع أربع نظريات فيما يتعلق بالإمامة أو رئاسة الدولة وهي: فريق يرى أحقية الأنصار بهذا الأمر، وفريق يرى أحقية المهاجرين بهذا الأمر، وفريق يرى حصر الأمر في القرشيين من بين المهاجرين، وفريق يرى من هنا أمير ومن هناك أمير، وقد عبر عن هذه النظرية الأخيرة الحباب بن المنذر، وانتصرت نظرية أن يكون الأمير من قريش آخر الأمر؛ نظرًا لأن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: «قريشٌ وُلاةُ هذا الأمرِ» [رواه الهيثمي، مجمع الزوائد ٥/١٩٤، رجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر أخرجه أحمد (١٨)، والطبري في ((تاريخه)) (١٢/٢٣٢) باختلاف يسير] ومهما يكن من أمر ففي اليوم التالي أي في يوم الثلاثاء، (فقد توفي النبي صلي الله عليه وسلم يوم الاثنين)، اجتمع المسلمون في المسجد النبوي، وقدَّم عمر رضي الله عنه أبا بكر رضي الله عنه بكلمة قال فيها : كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى يدبرنا -يكون آخرنا- فإن يكُ محمد قد مات، فإن الله عزّ وجلّ جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، فاعتصموا به تهتدوا، وإن أبا بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلي الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار أولى الناس بأموركم، فقوموا إليه فبايعوه، فقام الناس كلهم فبايعوه البيعة العامة [صحيح البخاري، كتاب الأحكام باب الاستخلاف]، وبعد ذلك ألقى الصديق رضي الله عنه خطبته الشهيرة التي أوضح فيها أصول الحكم في الإسلام والتي مطلعها: إني وليت عليكم ولست بخيركم... الخ.
وقد دُعي الزبير بن العوام فبايع الصديق، كذلك دُعي علي بن أبي طالب، فبايعه - وكانا غائبين- أي: أنهما بايعا البيعة العامة مع الناس في اليوم الثاني.
أما ما يقال من أن عليًا بايع بعد ستة أشهر فإنما كان تجديدًا للبيعة وتوثيقًا لها، فعلي رضي الله عنه لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه، وخرج معه إلى ذي القَصَّة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتال أهل الردة [البداية والنهاية لابن كثير، ج٥، ص٧٣، والذهبي نقلا عنه في تاريخ الإسلام، ص٨.].
وعند الطبري رواية تقول: إن عليًا كرم الله وجهه كان في بيته يوم السقيفة إذ أتى آت فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلًا كراهة أن يبطئ عنها حتى بايعه، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه، فأتاه فتجلله ولزم مجلسه [تاريخ الطبري، ج٣، ص٧ ٠ ٢ من طبعة محمد أبي الفضل إبراهيم]. وهذا يؤكد أن بيعته كرم الله وجهه بعد ستة أشهر كانت تأكيدًا وتوثيقًا لبيعته يوم السقيفة، وكانت البيعة العامة قبل تجهيز الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا ظهر إجماع الصحابة من مهاجرين وأنصار على تقديم أبي بكر وظهر برهان قوله عليه الصلاة والسلام: «وَيَأْبى اللَّهُ والْمُؤْمِنُونَ إلّا أَبا بَكْرٍ» [صحيح مسلم برقم:(٢٣٨٧)].
وظهر أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم ينص على الخلافة عينا لأحد من الناس، لا لأبي بكر كما قد زعمه طائفة من أهل السنة، ولا لعلي كما يقوله طائفة الرافضة، ولكنه أشار إشارة قوية يفهمها كل ذي لب وعقل إلى الصديق رضي الله عنه [المرجع السابق، وما ذكره ابن كثير من مصادر وأسانيد، ج٥، ص٦٩ وما بعدها]، وترك الأمر دون تحديد وتعيين مقصود من المشرع، إذ النص على من يكون خليفة سيكون ملزمًا للمسلمين في كل العصور، وفي ذلك حرج وتضييق على الناس، وأولى أن يتشاور المسلمون- والشورى قاعدة كبرى من قواعد نظام الحكم في الإسلام- ويختاروا من بينهم خليفة تتفق عليه كلمتهم، وليس هناك أسلوب محدد للتشاور وإنما على كل مجتمع أن يختار من أساليب التشاور ما يتفق مع عصره وزمنه وبيئته.
مصادر ومراجع للاستزادة:
- السيرة النبوية لابن إسحاق أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار، المجلد الثاني،
بتحقيق طه عبد الرؤوف سعد وبدوي طه بدوي، القاهرة ١٩٩٩م.
- تاريخ
الأمم والملوك المعروف بتاريخ الطبري، الطبري أبو جعفر محمد بن جرير، حوادث
سنة١١هـ.
- البداية والنهاية لابن كثير: أبو الفداء عماد
الدين إسماعيل بن كثير، تحقيق سيد إبراهيم الحويطي، المنصورة، جمهورية مصر، ٠٠٧
٢م.
- الخلفاء الراشدون من تاريخ الإسلام للحافظ المؤرخ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي،
نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، سنة ١٩٨٨م.
- السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة، دار القلم،
دمشق- سوريا سنة ٠٣ ٢٠م.
- تاريخ
الإسلام في عهد النبوة والخلافة الراشدة، أد. عبد الشافي محمد عبد اللطيف،
القاهرة، سنة ١٩٦٦ م.
- الخلافة والدولة في العصر الأموي، أ. د. محمد
حلمي محمد أحمد، القاهرة، ١٩٦٦ م.
- النظريات السياسية الإسلامية، أد. محمد ضياء الدين الريس، القاهرة، ١٩٧٩م.