توجد صلة وثيقة بين التقاليد الشعرية في
كل من الأندلس وصقلية، فقصائد أعلام شعراء الأندلس كابن زيدون، وابن
اللبانة، وابن الزقَّاق لها الخصائص نفسها التي نجدها في المقطوعات
الباقية من الشعر الصقلي، بحيث يمكن القول إن صقلية كادت أن تكون ولاية أدبية
أندلسية خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة / العاشر والحادي عشر للميلاد.
ومعظم ما وصل إلينا من
الشعر العربي الصقلي نظمه في الفترة النورمانية شعراء هاجروا من الجزيرة، وذهب عدد
كبير منهم إلى الأندلس التي كانت آنذاك تحت حكم ملوك الطوائف وحظي هؤلاء الشعراء
الذين لمعت أسماء بعضهم في ميدان الأدب برعاية ملوك الطوائف، كالمعتمد بن عباد
صاحب إشبيلية، والمعتصم بن صمادح صاحب المريَّة، ومن بين هؤلاء الشعراء
النازحين مصعب بن محمد القرشي المعروف بأبي العرب الصقلي الذي التحق
ببلاط المعتمد بن عباد، وأبو سعيد عثمان بن عتيق الذي التحق ببلاط المعتصم
صاحب الدولة المرية.
أما أشهر شعراء صقلية العرب الذين اختاروا
الرحيل عن الجزيرة فابن حَمْديس الصقلي أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر الأزدي،
الذي غادر صقلية بعد الغزو النورماني سنة ٤٧١هـ والتحق ببلاط المعتمد في إشبيلية،
ولكنه فقد موضعه بعد أن خلع السلطان المرابطي ملوك الطوائف فاضطر إلى الرحيل عن
الأندلس إلى شمال إفريقيا.
وتعتز جزيرة صقلية بأنها كانت موطن أول
جغرافي متخصص في هذا الفن في التاريخ، والذي لا يوجد بين الجغرافيين العرب من طارت
شهرته مثله وهو الشريف الإدريسي صاحب كتاب "نزهة المشتاق في اختراق
الآفاق" والذي لم يظفر أحد من الجغرافيين العرب بما ظفر به من دراسات هو
وكتابه الشهير، وقد ألّف الإدريسي كتابه عن جغرافية العالم بأمر من الملك
النورماني روجر الثاني وتحت رعايته، لذلك فالكتاب يُعرف أيضًا بالكتاب
الروجري وهو شرح لخريطة أعدها المؤلف نفسه للعالم في وقته وتُعرف بخريطة الإدريسي،
وفرغ من تصنيفه في شوال سنة (٥٤٨هـ/ يناير سنة ١١٥٤م)، واستغرق في تأليفه للكتاب
خمس عشرة سنة.
وقرر الشريف الإدريسي
- خلافًا للمثقفين المسلمين الصقليين الذي تركوا صقلية في العصر النورماني وهاجروا
إلى الأندلس وشمال إفريقيا - أن يستقر في البلاط النصراني في صقلية.
وما تزال الكثير من التأثيرات الإسلامية
باقية في صقلية أهمها زخارف صور الفريسكو بالكابلابلاتينا، أو كنيسة القصر في بَلِرْم والتي أمر بعملها الملك النورماني روجر
الثاني، فمجموعة الصور الجدارية بألوانها الزاهية التي تزين هذه الكنيسة تختلف
تمامًا عن الفسيفساء البيزنطية الموجودة في الكنيسة نفسها، فأسلوب صور هذه
الأيقونات والكلمات العربية داخل الصور، وكذلك صيغ التبرك العربية المطولة
المستخدمة كأطر لتزويق الصور، تُظهر بوضوح أن الذي نفذ هذه الأعمال فنانون مسلمون
مارسوا الفن الشائع في العصر الفاطمي في مصر وشمال إفريقيا وظل هذا الفن مستمرًا
معهم منذ أن كانت صقلية خاضعة للمسلمين، وتشتمل هذه الرسوم على كثير من الصور
المدنية مثل صور الراقصات والموسيقيات ومجالس الشراب والطرب وصور الحيوان والطير في
أوضاع متماثلة، أو في حالة انقضاض بعضها على بعض، فضلًا عن زخارف نباتية من النخل
والأزهار وأوراق الشجر والفاكهة، وتتفق بعض صور الكابلابلاتينا في كثير من
مميزاتها مع بعض الصور التي اكتشفت في مصر الفاطمية وعلى الأخص في الحمام الفاطمي
الذي اكتشف بمنطقة أبي السعود بمصر القديمة.
مراجع للاستزادة:
- ميشيل أماري: المكتبة الصقلية
العربية
- عزيز أحمد: تاريخ صقلية الإسلامية،
ترجمة أمين توفيق الطيبي، تونس، الدار العربية للكتاب، ١٩٨٠م.
- أيمن فؤاد
سيد: الأدب العربي في صقلية والأندلس، في كتاب العالم العربي والعالم اللاتيني
- دروب التواصل، تونس - الأليكسو ٢٠٠٦م، ٢٥٩ - ٢٦٩.
- Renato
Traini, El art. Siciliana VIII, PP.١١- ٦٠٤