Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

صقلية في العصر الإسلامي

الكاتب

أ.د / أيمن فؤاد سيد

صقلية في العصر الإسلامي

تُعَدّ جزيرة صقلية نموذجًا فريدًا لتفاعل الحضارات وتلاقح الثقافات، فقد شهدت هذه الجزيرة على مرِّ العصور سلسلة من التحولات التاريخية، لكن الحقبة التي بصمتها وغيرت وجهها الحضاري كانت فترة الحكم الإسلامي، لم تكن صقلية مجرد أرض تُحكم من قبل المسلمين، بل تحولت إلى مركز مزدهر للعلم والفن والعمران، لتقدم للعالم مثالًا حيًا على التعايش والازدهار.

الموقع الجغرافي لجزيرة صقلية

تقع جزيرة صقلية في الحوض الغربي من البحر المتوسط ويفصلها عن إيطاليا مضيق مسينا الضيق، فتُعدُّ بذلك امتدادًا لشبه الجزيرة الإيطالية، ومن الجانب الآخر تقع الجزيرة على مسافة يسهل عبورها بحرًا من الشمال الإفريقي حيث توطد الإسلام دينًا ودولة منذ أواسط القرن السابع الميلادي / الأول الهجري.

التقسيم الجغرافي للجزيرة

تنقسم جزيرة صقلية إلى ثلاثة أقاليم جغرافية، هي: إقليم ما زر (Val Di Mazara)، وإقليم نوطس (Val Di Noto) واقليم منش (Val Di Demone)، وفي أثناء الوجود العربي الإسلامي في صقلية، كان الإسلام الديانة الرئيسة في إقليم ما زر، بينما قَلَّ عدد المسلمين في إقليم نوطس، وظل معظم سكان إقليم دمنش من النصارى.

فتح العرب المسلمين لجزيرة صقلية

مع تمركز العرب المسلمين في الشمال الإفريقي اتخذ البيزنطيون صقلية قاعدة لشن الهجوم على العرب المسلمين في برقة، وتعددت غزوات العرب المسلمين نتيجة لذلك على صقلية في العهد الأموي إلا أن النجاح لم يكن دائمًا حليفها، وتعددت هذه المحاولات بعد فتح العرب للأندلس، وفي العهد العباسي لم تجر محاولات جادة لفتح صقلية مما مكَّن الروم البيزنطيين من تحصين جنوب إيطاليا، وانطلقت منها حملات ضد الشمال الإفريقي مما دفع بالقائد هرثمة بن أعين والي إفريقية للعباسيين لبناء سور مدينة طرابلس سنة (١٥٢هـ/ ٧٦٩م)، وبإنشاء رباط المنستير في العام نفسه.

ولم يمنع ذلك من استمرار الحركة التجارية بين العرب المسلمين والروم البيزنطيين، من خلال صقلية، ومع قيام دولة الأغالبة في إفريقية أنشأ الأغالبة أسطولًا قويًا، وتمكن القائد أسد ابن الفرات من إتمام فتح جزيرة صقلية سنة (٢١٢هـ/ ٨٢٧م)، واستقر في إقليم ما زر، وتقدم منها لمحاصرة مدينة " بَلِرْم " التي استسلم قائدها البيزنطي بعد حصار دام نحو العام في سنة (٢١٦هـ /٨٣١م)، وهكذا تم فتح العرب المسلمين لجزيرة صقلية بطريقة تدريجية، وكان سكان الجزيرة في عهد الأغالبة مزيجًا من الشعوب والأجناس والأديان: الصقليين النصارى والمسلمين، واليونان، واللمبارد، واليهود، والعرب، والبربر، وشكل العرب النخبة الحاكمة، وتلاهم في الأهمية البربر الذين قاموا بدور مهم في افتتاح الجزيرة، وتركز هذا الوجود على الأخص في إقليم ما زر، أما النصارى فقد شكّلوا أكثرية سكان الجزيرة الذين يمكن تقسيمهم إلى أربع فئات:

أقسام سكان جزيرة صقلية من النصارى

هناك فئة ظلت مستقلة إلى حد كبير، وفئة دفعت الجزية، وفئة الإقطاعيين، وفئة الرقيق، وحمل الوالي العربي لصقلية في عهد الأغالبة لقب: أمير، ووالٍ، أو صاحب، وتمتع بحرية كبيرة، فكان يعلن الحرب ويُعقد الصلح بقرار منه، وحملت السكة المضروبة في صقلية في المرحلة الأولى اسمي والي صقلية والأمير الأغلبي حاكم إفريقية، أما العملات التي ضُربت في المرحلة التالية فانفردت بحمل أسماء الأمراء الأغالبة فقط، ودلالة ذلك أنه بينما كان الولاة الأوائل يضربون العملة في صقلية فإن العملات بعد ذلك كانت تُضرب في إفريقية ثم تُجْلَبُ إلى الجزيرة كما كان يُذكر اسم الأمير الأغلبي مع اسم الخليفة العباسي في خطبة الجمعة، وبعد سقوط الأغالبة وقيام الدولة الفاطمية في إفريقية حل الفاطميون محلهم في السيادة على صقلية.

ولكن مع تفاقم حركة أبي يزيد مخلد بن كجداد التي كادت تطيح بحكم الفاطميين في إفريقية، حاولت بعض العناصر الموالية للفاطميين اللجوء إلى صقلية، كما رفضت عدة مدن دفع الجزية والخراج إلى بيت المال الفاطمي، وبعد انقضاء حركة أبي يزيد وهزيمته استعمل الخليفة المنصور بالله الفاطمي على حكم صقلية أسرة عربية هي أسرة بني كلب، وكان أول من قام منهم الأمير الحسن بن علي الكلبي لإحكام السيطرة على الجزيرة، وبولايته بدأ فصل جديد في تاريخ الجزيرة.

ولم يحدث تغيير كبير على الخريطة السكانية في العصر الفاطمي لصقلية سوى أن الوافدين الجدد على الجزيرة كان أكثرهم من الصناع والجند النازحين وظل تركزهم الأساسي في إقليم ما زر، ومع نجاح الفاطميين في فتح مصر سنة (٣٥٨هـ/ ٩٦٩م) وانتقال الخليفة الرابع المعز لدين الله إليها في سنة (٣٦٢هـ / ٩٧٣م)، الذي كان انتقالًا بمعنى الكلمة لا توسعًا بغرض كسب أراض جديدة، عَهِدَ المعز لدين الله إلى أسرة بني كلب بحكم جزيرة صقلية نيابة عنه مثلما عَهِدَ إلى أسرة بني زيري بحكم إفريقية نيابة عنه كذلك.

فترة حكم العرب المسلمين لجزيرة صقلية

تقارب الفترة التي حكم فيها العرب المسلمون صقلية قرنين ونصف القرن، من أوائل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، إلى أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ولما استولى النورمان على صقلية وحكموها قرنًا من الزمن (٤٧١- ٥٨٧هـ /١٠٧٨م – ١١٩١م) ظل للمسلمين تأثير كبير على نظم البلاط النورماني والإدارة، والحياة العامة، كما يشهد بذلك الرحالة ابن جبير الذي زار صقلية في أواخر أيام حكم النورمان لها، ثم لما خلفت أسرة "هوهنستاوفن" الألمانية الملوك النورمان في حكم الجزيرة كان ضمن الأهداف الرئيسة لملوك هذه الأسرة، وعلى الأخص الملك فريدريك الثاني، إيجاد تعايش سلمي مع رعاياهم من العرب في الجزيرة.

وبناًء وعلى ذلك فقد استمر تأثير المسلمين مدة طويلة تقرب من قرنين من الزمن بعد نهاية سيادتهم عليها، ومن صقلية وعن طريق إيطاليا انتقل تراث الفكر العربي إلى أوروبا، وعلى الأخص في ميادين الطب والفلسفة والعمارة، ورغم أنها كانت في طرف ناءٍ من العالم الإسلامي، فقد ازدهرت فيها العلوم والآداب، وكانت خلال الفترة التي سادها فيها المسلمون مأوى لجأ إليه العلماء المضطهدون في شمال إفريقيا، وبالمقابل فقد رحل عنها علماؤها أثناء فترات الاضطراب إلى شمال إفريقيا أو مصر أو حتى المشرق الإسلامي في طلب العلم، وكان المذهب الفقهي السائد في صقلية هو المذهب المالكي، وفي مجال علم الكلام اتبع علماء صقلية إجمالًا المذهب الأشعري، ولم يصل إلينا للأسف سوى شذرات من أعمال الشعراء العرب في صقلية جمعها ابن القطاع الصقلي، أبو القاسم علي بن جعفر بن علي، المتوفى بالقاهرة سنة (٥١٥هـ / ١١٢١م) في كتابه: "الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة"، وديوان ابن حَمْديس الصقلي، وأبي محمد عبد الجبار بن أبي بكر، المتوفى سنة (٥٢٧هـ/١١٣٣م).

التقارب الفكري بين شعراء الأندلس وصقلية

توجد صلة وثيقة بين التقاليد الشعرية في كل من الأندلس وصقلية، فقصائد أعلام شعراء الأندلس كابن زيدون، وابن اللبانة، وابن الزقَّاق لها الخصائص نفسها التي نجدها في المقطوعات الباقية من الشعر الصقلي، بحيث يمكن القول إن صقلية كادت أن تكون ولاية أدبية أندلسية خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة / العاشر والحادي عشر للميلاد.

ومعظم ما وصل إلينا من الشعر العربي الصقلي نظمه في الفترة النورمانية شعراء هاجروا من الجزيرة، وذهب عدد كبير منهم إلى الأندلس التي كانت آنذاك تحت حكم ملوك الطوائف وحظي هؤلاء الشعراء الذين لمعت أسماء بعضهم في ميدان الأدب برعاية ملوك الطوائف، كالمعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، والمعتصم بن صمادح صاحب المريَّة، ومن بين هؤلاء الشعراء النازحين مصعب بن محمد القرشي المعروف بأبي العرب الصقلي الذي التحق ببلاط المعتمد بن عباد، وأبو سعيد عثمان بن عتيق الذي التحق ببلاط المعتصم صاحب الدولة المرية.

أما أشهر شعراء صقلية العرب الذين اختاروا الرحيل عن الجزيرة فابن حَمْديس الصقلي أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر الأزدي، الذي غادر صقلية بعد الغزو النورماني سنة ٤٧١هـ والتحق ببلاط المعتمد في إشبيلية، ولكنه فقد موضعه بعد أن خلع السلطان المرابطي ملوك الطوائف فاضطر إلى الرحيل عن الأندلس إلى شمال إفريقيا.

وتعتز جزيرة صقلية بأنها كانت موطن أول جغرافي متخصص في هذا الفن في التاريخ، والذي لا يوجد بين الجغرافيين العرب من طارت شهرته مثله وهو الشريف الإدريسي صاحب كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" والذي لم يظفر أحد من الجغرافيين العرب بما ظفر به من دراسات هو وكتابه الشهير، وقد ألّف الإدريسي كتابه عن جغرافية العالم بأمر من الملك النورماني روجر الثاني وتحت رعايته، لذلك فالكتاب يُعرف أيضًا بالكتاب الروجري وهو شرح لخريطة أعدها المؤلف نفسه للعالم في وقته وتُعرف بخريطة الإدريسي، وفرغ من تصنيفه في شوال سنة (٥٤٨هـ/ يناير سنة ١١٥٤م)، واستغرق في تأليفه للكتاب خمس عشرة سنة.

وقرر الشريف الإدريسي - خلافًا للمثقفين المسلمين الصقليين الذي تركوا صقلية في العصر النورماني وهاجروا إلى الأندلس وشمال إفريقيا - أن يستقر في البلاط النصراني في صقلية.

وما تزال الكثير من التأثيرات الإسلامية باقية في صقلية أهمها زخارف صور الفريسكو بالكابلابلاتينا، أو كنيسة القصر في بَلِرْم والتي أمر بعملها الملك النورماني روجر الثاني، فمجموعة الصور الجدارية بألوانها الزاهية التي تزين هذه الكنيسة تختلف تمامًا عن الفسيفساء البيزنطية الموجودة في الكنيسة نفسها، فأسلوب صور هذه الأيقونات والكلمات العربية داخل الصور، وكذلك صيغ التبرك العربية المطولة المستخدمة كأطر لتزويق الصور، تُظهر بوضوح أن الذي نفذ هذه الأعمال فنانون مسلمون مارسوا الفن الشائع في العصر الفاطمي في مصر وشمال إفريقيا وظل هذا الفن مستمرًا معهم منذ أن كانت صقلية خاضعة للمسلمين، وتشتمل هذه الرسوم على كثير من الصور المدنية مثل صور الراقصات والموسيقيات ومجالس الشراب والطرب وصور الحيوان والطير في أوضاع متماثلة، أو في حالة انقضاض بعضها على بعض، فضلًا عن زخارف نباتية من النخل والأزهار وأوراق الشجر والفاكهة، وتتفق بعض صور الكابلابلاتينا في كثير من مميزاتها مع بعض الصور التي اكتشفت في مصر الفاطمية وعلى الأخص في الحمام الفاطمي الذي اكتشف بمنطقة أبي السعود بمصر القديمة.


مراجع للاستزادة:

  • ميشيل أماري: المكتبة الصقلية العربية
  • عزيز أحمد: تاريخ صقلية الإسلامية، ترجمة أمين توفيق الطيبي، تونس، الدار العربية للكتاب، ١٩٨٠م.
  • أيمن فؤاد سيد: الأدب العربي في صقلية والأندلس، في كتاب العالم العربي والعالم اللاتيني - دروب التواصل، تونس - الأليكسو ٢٠٠٦م، ٢٥٩ - ٢٦٩.
  • Renato Traini, El art. Siciliana VIII, PP.١١- ٦٠٤

الخلاصة

تُعد جزيرة صقلية أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط، وتقع في موقع استراتيجي جنوب شبه الجزيرة الإيطالية، ما جعلها مركزًا حيويًا لتقاطع الحضارات والثقافات عبر العصور، شهدت صقلية مرور العديد من القوى الكبرى مثل: الإغريق، والرومان، والعرب، والنورمان، ما منحها طابعًا حضاريًا فريدًا يجمع بين الشرق والغرب، وتتميز صقلية بجمالها الطبيعي، وسواحلها الخلابة، وجبالها البركانية إلى جانب مدنها التاريخية، واليوم تُعَدُّ وجهة سياحية بارزة، تحتفظ بتراث غني يشهد على عظمة ماضيها وتنوعها الحضاري.

موضوعات ذات صلة

 أسرة عربية تنتمي إلى إبراهيم بن الأغلب بن سالم التميمي.

فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م) في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.

سلالة أمازيغية من قبائل مصمودة أسّسوا دولة إسلامية قوية في المغرب والأندلس.

موضوعات مختارة