تُعد الأتابكية نظامًا سياسيًا فريدًا، برز في تاريخ الشرق الإسلامي مع السلاجقة، حيث تحول دور الأب الوصي إلى قوة حاكمة مستقلة.
تُعد الأتابكية نظامًا سياسيًا فريدًا، برز في تاريخ الشرق الإسلامي مع السلاجقة، حيث تحول دور الأب الوصي إلى قوة حاكمة مستقلة.
أتابك: لفظ تركي يتكون من مقطعين: (أتا) أو (أطا) بمعنى أب، و(بك) بمعنى أمير؛ فالمعنى - إذًا - هو (الأب الأمير).
وأول من لقب بالأتابك هو نظام الملك أبو علي الحسن بن علي الطوسي (ت ٤٨٥هـ - ١٠٩٢م) وزير السلطان السلجوقي ألب أرسلان (ت ٤٦٥ هـ / ١٠٧٢م) ووزير ابنه ملكشاه بن ألب أرسلان (ت ٤٨٥ هـ /١٠٩٢م) الذي فوَّض إليه سنة (٤٦٥هـ/ ١٠٧٢ م) تدبير مملكة السلاجقة، ولقبه بألقاب منها الأتابك أي الأمير الوالد أكبر الأمراء في الدولة السلجوقية بعد النائب الكافل الذي يحكم في كل ما يحكم فيه السلطان، ويعلم في التقاليد، والتواقيع وغير ذلك مما يؤشر به السلطان نفسه. [راجع القلقشندي: صبح الأعشى ج٢ ص١٨ وراجع ص ١٦-١٧].
فالأتابكية ظهرت مع السلاجقة، وكان صاحبها مسئولًا عن قيادة الجيش، وتربية أولاد الملك حربيًا، وتلقينه أسس وقواعد إدارة شئون الدولة.
وبفضل ما كان للأتابك من سلطة أبوية على الأمير السلجوقي غدا من النفوذ، والسلطان ما جعله أكثر من مجرد قائد.
يضاف إلى ذلك ما درج عليه الأتابكة من أن يتزوج الواحد منهم والدة الأمير السلجوقي المتوفى أو أن يتزوج الأمير السلجوقي من ابنة الأتابك. [د. السيد الباز العريني: الشرق الأوسط والحروب الصليبية، ج١ ص٢١ طبعة].
وكان آل سلجوق في بعض الأحيان إذا امتاز أحد قادتهم، وأرادوا تشريفه أضافوا إليه هذا اللقب (الأتابك) إمعانًا في تكريمه، والإشادة به، مع إقطاعه مدينة أو قلعة يحكمها؛ لكونه من المقربين. [د. سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبيةج١، ص ١١٢- ١١٣، ودكتورة علية عبد السميع الجنزوري: الحروب الصليبية (المقدمات السياسية) ص ٢٤١ تاريخ المصريين ١٥٣].
ومن أشهر تلك الأتابكيات:
١- أتابكية دمشق: التي أسسها ظهير الدين طغتكين (ت ٥٢٢هـ/١١٢٨م) الذي كان مملوك الملك السلجوقي تتش بن ألب أرسلان، ثم قائدًا له وأتابكًا لابنه دقاق صاحب دمشق، ووصف هذا الأتابك طغتكين بأنه كان عاقلًا، خيرًا، كثير الغزو، والجهاد للصليبيين، حسن السيرة في رعيته بدمشق، مؤثرًا للعدل فيهم. [ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص ٢١٩].
والأتابك طغتكين اشترك مع أمير دمشق دقاق في التصدي للصليبيين عند أنطاكية سنة ٤٩٠ هـ / ١٠٩٧م مع أمير الموصل كربوقا، والسلطان السلجوقي في فارس بركيارق وغيرهما، لكن أنطاكية وقعت في أيدي الصليبيين في السنة السابقة. [ابن القلانسي: السابق ص ١٣٤، وابن العديم: زبدة الحلب، ج ٢ص ١٣١-١٣٢]، وقام أتابك دمشق طغتكين بجهاد الصليبيين سنة ٥٠٣هـ /١١٠٩م. وأسهم مع أمير الموصل مودود وغيره في هزيمة الصليبيين عند نهر الفرات [ابن القلانسي: السابق ص ١٦٩- ١٧١، وابن العديم: السابق، ج٢، ص ١٥٤ – ١٥٥].
وأبرز انتصار تحقق مع الأتابك طغتكين، وإيلغازي صاحب ماردين وغيرهما على الصليبيين حدث سنة ٥١٣هـ /١١١٩م عند أرتاح القريبة من حلب في معركة البلاط (معركة ساحة الدم)؛ لكثرة قتلى الصليبيين فيها. [ابن العديم: السابق ج ٢، ص ١٨٧- ١٩٤، وابن الأثير: الكامل ج.١، ص ٥٣٩- ٥٤٤].
وقد تم القضاء على أتابكية دمشق سنة ٥٤٩ هـ / ١١٥٤م، باستيلاء نور الدين محمود على دمشق التي كانت تابعة لحفيد طغتكين وهو مجير الدين آبق الذي كان صاحب دمشق الفعلي، بينما الأمور تدار عن طريق الأتابك معين الدين أنر. [ابن الأثير: السابق ج ١١، ص ١٩٧ - ١٩٨. وابن العديم: السابق ص ٣٠٣-٣٠٥، وابن واصل: مفرج الكروب ج ١، ص١٢٥- ١٢٧].
وهكذا كانت الأتابكية تتحول في نهاية الأمر إلى ملك وإمارة، يحكمها الأتابك السابق، ويتلقب بلقب الأمير، ويتخذ له أتابكا أيضًا.
٢- ومن أظهر الأتباكيات أيضًا أتابكية الموصل: التي صنف ابن الأثير كتابًا يتناول تاريخها هو: (التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية) بالموصل، ومؤسس دولة أتابكية الموصل هو: عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آقسنفر الحاجب الذي ولاه السلطان السلجوقي مغيث الدين محمود بن محمد بن ملكشاه (ت ٥٢٥هـ/ ١١٣٠م) الموصل سنة ٥٢١هـ / ١١٢٧م، وتلقب بلقب أتابك؛ لأنه تولى تربية ابن السلطان السلجوقي محمود وهو ألب أرسلان، المعروف بالخفاجي، فزنكي تولى إعداد وتهيئة السلطان ألب أرسلان بأمر من أبيه السلطان السلجوقي محمود، ولما توفي السلطان محمود سنة ٥٢٥هـ / ١١٣٠م كان زنكي يظهر أمام الخلفاء العباسيين: المسترشد (ت٥٢٩هـ/ ١١٣٤م) ثم الراشد (ت ٥٣٠هـ / ١١٣٥م) والمقتفي (ت ٥٥٥هـ/ ١١٦٠ م) وغيرهم من حكام الأقاليم المختلفة أنه نائب عن السلطان ألب أرسلان، فكان إذا أرسل رسولًا، أو أجاب عن رسالة، فإنما يقول: "قال الملك: كذا وكذا". [ابن الأثير: الباهر ص ٣٠، ٣٤، ٤٢، ٧١، ٧٢].
والأتابك عماد الدين زنكي صاحب جهاد طويل للصليبيين في الفترة ما بين سنوات (٥٢١- ٥٤١هـ/١١٢٧- ١١٤٦م). وقد سجل له التاريخ بحروف من نور دوره في توحيد منطقة الموصل والجزيرة وشمال الشام، ودوره في فتح الرها (أورفة الحالية بتركيا) سنة ٥٣٩هـ/ ١١٤٤م أولى الإمارات الصليبية قيامًا في الشرق الإسلامي، وأولاها فتحًا وتحررًا. [ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص ٢٧٩ وابن الأثير: الباهر ص ٦٦- ٠ ٧].
وتولى أتابكية الموصل بعد وفاة زنكي ابنه الأتابك سيف الدين غازي بن زنكي (ت ٥٤٤هـ - ١١٤٩ م) ثم أخوه قطب الدين مودود بن زنكي الذي ملك أولاده الموصل بعد وفاته.
وكان الملك مسعود بن محمد بن ملكشاه (ت ٥٤٧ هـ - ١١٥٢م) هو السلطان السلجوقي الذي يحكم باسمه أولاد زنكي: غازي ومودود [ابن الأثير: الباهر ص ٨٤، ٨٦، ٩٢، ٩٤، ٩٧، ٩٨، ١٠٥]، وهذا السلطان كان له العراق وغرب إيران.
وقد برزت الأتابكة بوضوح بعد وفاة الملك مسعود سنة ٥٤٧هـ/ ١١٥٢م، فما إن مات إلا ظهر هؤلاء الأتابكية على المسرح السياسي بقوة، فأخذوا يقومون بالأدوار الرئيسية، وبرزت شخصياتهم، وأسماؤهم، وصار سلاطين السلاجقة أدوات في أيديهم، يأتمرون بأمرهم، وينفذون رغباتهم، دون أن يكون لهم نفوذ أو شخصية واضحة، وقد سقطت دولة السلاجقة بالمشرق سنة ٥٥٢ه/ ١١٥٧م على أيدي الغز الأتراك، وسقطت دولة السلاجقة بالعراق سنة ٥٩٠هـ/١١٩٣م على أيدي حكام الدولة الخوارزمية، وكان هذا إيذانًا بظهور أتابكية جديدة بأذربيجان، هي أتابكية أذربيجان. [د. عبد النعيم محمد حسنين: دولة السلاجقة ص ١١٧- ١٢١].
٣- أتابكية آذربيجان: أسسها عبد مملوك يدعى إيلدكز، كان مملوكًا للسميري وزير السلطان مسعود، ثم ساعدته شخصيته المرحة على الوصول إلى حضرة السلطان في صورة مضحك، ونديم له، ثم صار ضابطًا ، ثم عهد إليه بتربية الطفل أرسلان ابن طغرل الثاني، فصار في درجة أتابك، ثم لم يلبث أن تزوج أرملة السلطان طغرل الثاني، فعينه السلطان مسعود واليًا على منطقة أذربيجان في عام ٥٣١ هـ، ١١٣٦م فأسس فيها أتابكية عرفت بأتابكية آذربيجان، أصبح الحكم فيها متوارثًا بين أبناء إيلدكز وأحفاده من بعده، وكان الواحد منهم يتخذ لقب ( أتابك أذربيجان). وظلت أتابكية آذربيجان قائمة أكثر من تسعين عاماً إلى أن سقطت في عام ٦٢٢هـ- ١٢٢٥م.
وكان تدخل أتابكية أذربيجان في توجيه سير الأمور في دولة سلاجقة العراق عاملًا من عوامل إسقاط دولة سلاجقة العراق. [د. عبد النعيم محمد حسنين: السابق، ص ١٢١- ١٢٢].
وقُضي على أتابكية آذربيجان على يد جلال الدين خوارزم شاه الذي دخل آذربيجان سنة ٦٢٢هـ/ ١٢٢٥م منهياً حكم أتابكية آذربيجان، وحكم آخر أتابك بها، وهو مظفر الدين أزبك بن البهلوان [ابن واصل: مفرج الكروب ج ٤ ص ١٤٨- ١٥٢. و٤٧، ٤٨، ٥٢، ٩٠، ١١١، ١١٥، ١٣٣، ١٣٥، ٣١٧].
وعرف الأيوبيون نظام الأتابكية أيضاً، فلقد كان الأتابك شهاب الدين طغريل الخادم أتابكًا للملك العزيز بن الملك الظاهر غازي صاحب حلب، بعد وفاة الأخير سنة ٦١٣هـ- ١٢١٦م، وكانت الأمور كلها مفوضة إلى هذا الأتابك شهاب الدين طغريل، فهو القائم بتدبير أمر المملكة في جميع أمورها من تفريق الأموال والإقطاع، وإقامة الحصون والقلاع، وترتيب كافة الأمور[ابن واصل مفرج الكروب ج ٣، ص،٢٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٤١، ٤٦، ٤٨، ٤٩، ٥١، ٥٢، ٦٣، ٦٤، ٦٨، ٦٩] ، كما كان بهاء الدين قراقوش أتابكا للملك المنصور ابن الملك العزيز الذي توفى سنة ٥٩٥ هـ / ١١٩٨م فاتفقت كلمة الأمراء بالديار المصرية على إقامة ابن الملك العزيز في الملك، وقيام بهاء الدين قراقوش بأتابكيته، وطمع بعض الأيوبيين في أتابكية الملك المنصور الذي كان في التاسعة من عمره، ووقع الاختلاف بين أمراء الدولة .
واتفقت كلمة الأمراء على مكاتبة الملك الأفضل أكبر أولاد صلاح الدين الأيوبي وصاحب دمشق على أن يكون أتابكًا لابن أخيه المنصور سبع سنين، فإذا انتهى هذا الأجل، سلم الأمر إليه، والتدبير، ولا يذكر اسم الأفضل في خُطبة ولا سكة. [ابن واصل : السابق ص ٨٧، ٨٨- ٩٠] وقد أصبح الملك العادل الأيوبي أخو صلاح الدين الأيوبي أتابكًا للمنصور سنة ٥٩٦هـ- ١١٩٩م إلى أن يكبر، ويسلم مصر إليه ، إلا أنه طمع في مصر وقال للأمراء: "إنه قبيح أن أكون أتابكًا لصبي مع الشيخوخة، والتقدم"، مع أن الملك ليس هو الميراث، وإنما هو لمن غلب، وإنه يخشى الفتن؛ وإن الصبي المنصور عليه أن يمضي إلى الكتاب، ويقام من يؤدبه، ويعلمه، فاستقل العادل بمصر، وعزل المنصور [ابن واصل: السابق ص ١٠٢-١٠٩] كان سيف الدين سنقر مملوك الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين الدين بن أيوب ( ت٥٩٨ - ١٢٠٢م) أتابكًا لابنه الملك الناصر بعد وفاة والده، وتزوج الأتابك سنقر من أم الملك الناصر ، ثم قام بالأتابكية بعده غازي بن جبريل (ابن واصل: السابق ص ١٣٥- ١٣٨) ، وتزوج من أم الملك الناصر وأنجبت منه ذكرًا، وقام غازي بن جبريل بأتابكية الملك باليمن، ثم سم الملك الناصر، وأصبح متملكًا للبلاد وحده مدة من الزمن، إلى أن قتلته جماعة من عرب اليمن، وبقيت اليمن خالية من أي سلطان حتى سنة ٦١٢هـ / ١٢١٥م وفيها استولى الملك المسعود بن الملك الكامل على اليمن. [ابن واصل : مفرج الكروب : ج ٣، ص ١٣٧- ١٣٨، ٢٢٧].
نشأت الأتابكية كنظام وصاية على الأمراء السلاجقة الصغار، فتحول الأتابك من مجرد مربٍّ إلى حاكم فعلي، بفضل نفوذه، وتأسيسه لإمارات مستقلة كأتابكية دمشق والموصل وأذربيجان، ولعب هؤلاء الحكام أدوارًا محورية في الجهاد ضد الصليبيين وتشكيل الخارطة السياسية للمنطقة، مما أظهر تحولًا جذريًا في بنية الحكم أدى إلى سيطرتهم على مقاليد الأمور.