غزوة الخندق من أبرز المحطات في التاريخ الإسلامي؛ حيث تجلت فيها عبقرية التخطيط النبوي، وصمود المسلمين في وجه تحالف واسع من الأعداء، وقد مثلت هذه الغزوة نقطة تحول حاسمة في الصراع بين المسلمين وقوى الشرك والعدوان.
غزوة الخندق من أبرز المحطات في التاريخ الإسلامي؛ حيث تجلت فيها عبقرية التخطيط النبوي، وصمود المسلمين في وجه تحالف واسع من الأعداء، وقد مثلت هذه الغزوة نقطة تحول حاسمة في الصراع بين المسلمين وقوى الشرك والعدوان.
وقعت حوادث هذه الغزوة في شهر شوال من سنة خمس للهجرة (مارس٦٢٧م)، وهي إحدى حلقات الصراع المسلح بين المسلمين وقريش، غير أن كفار قريش لم يكونوا وحدهم في تلك الجولة، بل تحالفوا مع يهود بني النضير، أولئك الذين طردهم المسلمون من المدينة في السنة الرابعة الهجرية ٦٢٥م؛ لنقضهم عهدهم مع المسلمين، فذهب أكثرهم إلى خيبر، فأقاموا بها مع إخوانهم يهود خيبر، لكن هؤلاء النضيريين لم ينسوا أبداً ما أصابهم من الذلة والانكسار بإخراجهم من المدينة على أيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك بعد أن كانوا - قبل الهجرة النبوية- من سراتها وسادتها، فتعاهد زعماؤهم (حُيَيُّ بن أخطَب، وعبد الله بن سلام بن أبي الحُقَيق، وسلَّام بن مِشْكَم، وكِنانة بن الربيع وغيرهم من رجال بني النضير) مع زعماء قريش على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا لهم: "نكون معكم حتى نستأصله، فأجابوهم إلى ذلك".
كذلك انضم إلى هذا الحلف المعادي للإسلام والمسلمين قبائل: غَطَفان، وفَزَارة، ومُرَّة، وسُليم، وأسد، وأشْجَع، فتجمع من هؤلاء وأولئك جيش ضخم لم يُسمع بمثله بين العرب من قبل، وزحفوا نحو المدينة، يقودهم زعيم قريش أبو سفيان بن حرب بن أمية، وهدفهم القضاء على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ودعوته، واقتسام أموال المسلمين من الأوس والخزرج.
وفور أن علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمر هؤلاء الأحزاب، جمع أصحابه؛ ليستشيرهم فيما ينبغي عمله لمواجهة هذا الموقف الخطير!؟ فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بفكرة استوحاها من أساليب الفرس في قتال أعدائهم، فقال: (يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حُوصِرْنا خَنْدَقْنا علينا)، أي: أن ما ينبغي القيام به الآن، هو أن يحفر المسلمون خندقًا في المنطقة المكشوفة التي يمكن للعدو أن يقتحم المدينة منها، وهي المنطقة الواقعة بين طرفي حرة واقِم [الحرة: الأرض البركانية التي يكسو سطحها الحجارة المدببة السوداء، وهى منتشرة حول المدينة]، وحرة الوَبْرة (اللابة الشرقية، واللابة الغربية) شمال المدينة، أما جهات المدينة الأخرى، فكانت كالحصن، تتصل فيها الدور، وتتشابك النخيل، وتحيط بها الحرات التي يتعذر على المشاة والدواب السير فيها.
وقد وافق النبي -صلى الله عليه وسلم- على تلك الفكرة الجديدة على العرب، وتم على الفور تقسيم الرجال إلى مجموعات عمل، كل مجموعة عشرة رجال، ومهمتهم حفر أربعين ذراعًا من الخندق، روى الطبري بإسناده إلى عمرو بن عوف المُزَني، قال: "خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخندق عام الأحزاب.. ثم قطعه أربعين ذراعًا بين كل عشرة".
وبدأ الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - عملهم الكبير في حفر هذا الخندق الذي به يكمل تحصين المدينة، فلا يتمكن العدو من اقتحامها أو النفاذ إليها من أي جهاتها الأربع، ولأن الفرصة الزمنية المتاحة للمسلمين ضيقة جدًا، فقد انخرطوا في إنجاز تلك المهمة دون كلل أو ملل، وكانوا تحت قيادة النبي -صلى الله عليه وسلم - يستعينون على تحمل عناء هذا العمل المضني بإنشاد الأرجاز التي تهون عليهم التعب، وترفع معنوياتهم.
وإذا علمنا أن طول هذا الخندق ٥٥٤٤ مترًا، وعرضه ٤.٦٢ متر تقريبًا، وعمقه ٣.٢٣٤ متر تقريبًا - كما حدد ذلك الدكتور/ شوقي أبو خليل- إذا علمنا ذلك تبين لنا مدى الجهد الفائق الذي بذله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته في إتمام هذا العمل الضخم قبل أن يصل جيش الأحزاب إلى مشارف المدينة، وكان ذلك من توفيق الله، ورحمته بالمسلمين، ومن أجل هذا الخندق أطلق على تلك الغزوة اسم غزوة الخندق، ومن تتمة القول في أمر الخندق: إن المسلمين قد أقاموا من الأتربة والرمال التي أنتجها الحفر ساترًا ترابيًا عاليًا فوق الحافة الجنوبية للخندق- ناحية المدينة - فأضافوا بذلك حصانة أخرى للمدينة، فزادت به أيضًا صعوبة اجتيازه على الأحزاب.
لما وصلت جموع الأحزاب إلى مشارف المدينة، وانسالوا، فملأوا السهل الذي بين جبل أحد وبين المدينة، فوجئوا بهذا الخندق يحول بينهم وبين تحقيق هدفهم، وهو اجتياح عاصمة الإسلام، واستئصال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فوقعوا أمامه في حيرة وذهول، وقالوا: "هذه مكيدة لم يعرفها العرب من قبل!".
وكان الجند المسلمون يومئذ نحو ثلاثة آلاف قد اصطفوا على الناحية الأخرى من الخندق في مواقعهم القتالية؛ ليمنعوا أي محاولة قد يقوم بها المشركون؛ لعبور الخندق، كذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بجمع النساء والولدان والشيوخ الذين لا يستطيعون القتال في مكان أمين بوسط المدينة، وكلف بضع مئات من الرجال بحراستهم، ولم يكن أمام الأحزاب في هذا الموقف إلا أن يفرضوا الحصار المحكم حول الخندق ومَنْ وراءَه، وينتظروا ما تتمخض عنه الأيام!
وعلى الرغم من طول أمد هذا الحصار (نحو عشرين يومًا) فلم يقع التحام بين الفريقين، إلا ما كان من بعض محاولات المشركين اقتحام الخندق، غير أنهم كانوا يصطدمون بيقظة المسلمين، وصلابتهم في ردهم على أعقابهم مهزومين، فظل موقف المعسكرين على ما هو عليه، وكان ذلك يزيد من ثقة المؤمنين في نصر الله إياهم في نهاية الأمر، على حين يستبد القلق والحسرة بالأحزاب الذين اعتقدوا - آنفًا- أنهم قادرون على استئصال المسلمين في يوم أو بعض يوم! وكان زعماء يهود بني النضير خاصة أشدهم قلقًا وهلعًا من فوات هذه الفرصة التي لن تتكرر أبداً دون تحقيق أهدافهم!
لذلك تسلل حيي بن أخطب النضري إلى حصن كعب بن أسد زعيم يهود بني قريظة - الذين تربطهم بالمسلمين معاهدة حسن جوار، وتعايش سلمي بالمدينة- وظل حيي يغري كعبًا بالانضمام إلى الأحزاب، ونقض العهد مع المسلمين حتى أقنعه بالغدر، وخيانة جيرانه، وحلفائه المسلمين وهم في تلك الظروف الحرجة، وفي لحظة واحدة تحول بنو قريظة من جيران مسالمين، وحلفاء يؤمَن جانبُهم إلى أعداء محاربين للنبي -صلى الله عليه وسلم-وأصحابه! فاشتد الأمر حينئذ، وعظُم الخَطْب على المسلمين؛ إذ أصبحوا محصورين بين عدوين يطبقان عليهم من أمامهم، ومن ورائهم كما صور القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ * هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا} [الأحزاب: ١٠- ١١] في أثناء هذه الشدة المطبقة على المسلمين، والمعاناة الجسدية، والنفسية، كان الصحابة يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو موئلهم الذي يجدون لديه الطمأنينة، وهدوء النفس، فقد سألوه يومئذ: "أما من شيء تقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر!؟ قال: «بَلى، اللهم مُنزِلَ الكِتَابِ، مُجْرِيَ السَّحاب، هَازِم الأَحْزاب، سَرِيع الحِساب، اهْزِم الأَحْزاب، اللَّهُمَّ اهزِمْهُم وانصُرنا عَلَيْهِم». (رواه النسائي في "السنن الكبرى".
ولم يكن جهاد المسلمين يومئذ هو الدعاء وحده، بل لقد فكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في تخفيف حدة هذا الحصار الشديد الوطأة على المسلمين فبعث إلى (عُيَيْنة بن حِصن، والحارث بن عوف قائدي غطفان) يفاوضهما على تخلي غطفان عن حصار المدينة، وعودتهم إلى بلادهم في مقابل ثلث ثمار المدينة، فقبلا هذا العرض، ولم يبق إلا أن يكتب الاتفاق، ويتم الأمر، وكان لا بد من معرفة موقف زعيمي الأوس والخزرج (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) أولًا: فسألهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالا: يا رسول الله شيء تحب أن تصنعه، أم شيء أمرك الله به، أو شيء تصنعه لنا؟ قال: «بل شيء أصنعه لكم، إني رأيتُ العَربَ قد رَمَتْكُم عن قَوْسٍ واحدة فأردتُ أن أكْسِر عنكُم شَوْكَتَهُم» فقال سعد ابن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، ولا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قِرًى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا !؟ ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فلم يتم الأمر". (رواه البيهقي في "دلائل النبوة").
ومن عجيب صنع الله -جل وعلا- أن يوافق هذا السلوك من زعماء غطفان إسلام (نُعيم بن مسعود الغَطَفاني) الذي كان له دور مشهود في هذه المعركة الكبرى، وفي بيان هذا الدور قال ابن إسحاق: "ثم إن نعيم بن مسعود أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت فينا رجل واحد، فخَذِّلْ عنا إن استطعت فإن الحربَ خُدْعَة»، فخرج نُعَيم حتى أتى بني قريظة - وكان لهم نديمًا في الجاهلية - فقال لهم: "قد عرفتم وُدِّي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم.
فقال لهم: إن قريشًا وغَطَفان قد جاءوا لحرب محمد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم؛ البلد بلدُكم، به أموالُكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره، فليسوا كأنتم، إن رأوا نُهْزَة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا رُهُنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا، فقالوا: لقد أشرت برأي ونصح! ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه: يا معشر قريش، قد عرفتم وُدِّي إياكم، وفراقي محمدًا، وإنه قد بلغني أمر رأيتُ حقًا عليّ أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عني.
قالوا: نفعل، قال: "فاعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا مع محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكهم فتضربَ أعناقَهُم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم، فإن بَعَثَتْ إليكم يهود يلتمسون منكم رُهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلًا واحدًا، ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال لهم: أنتم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهمونني! قالوا: صدقت ... فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم.!".
قال المؤرخون: "فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من فضل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين أن أرسل أبو سفيان، وزعماء غطفان وفدًا من قِبلهم إلى بني قريظة يطلبون منهم إنشاب القتال غدًا مع المسلمين، وقالوا لهم: إنا لسنا بدار مُقام، وقد هلك الخف والحافر (أي نفد ما كان معنا من طعام) فاغدوا للقتال حتى نُناجِزَ محمدًا، ونفرغ مما بيننا وبينه! فأجابهم يهود قريظة: إنّ اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا، ولسنا مع ذلك نقاتل معكم محمدًا حتى تعطونا رُهنًا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا، فإنا نخشى أن ترجعوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك منه ومن أصحابه.. فلما رجع الوفد، وأبلغوهم رد بني قريظة، قالت قريش وغطفان: والله لقد صدق نعيم بن مسعود! فأرسلوا إلى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا منا، فإن كنتم تريدون القتال، فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة عند ذلك: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لَحَقٌّ! ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك رجعوا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين محمد في بلدكم"، هكذا انصدع ذلك الحلف الغادر بين اليهود والمشركين.
وما هو إلا أن أرسل الله جنوده {وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ} في الليلة التالية تفعل بالمشركين أفاعيلها، فقد أطبق الظلام الدامس، وانهمر عليهم المطر الشديد، وعصفت الريح بهم حتى اقتلعت خيامهم، وقلبت قدورهم، وأطفأت نيرانهم، فأمسوا وهم لا يتمالكون أطرافهم من قسوة البرد، وقصف الريح، وغلظة المطر، فكان شر مساء عرفه المشركون منذ جاءوا قبل أكثر من عشرين ليلة، فقام أبو سفيان وقال:" يا معشر قريش، والله لقد هلك الخُفُّ والحافر، وأخلفتنا قريظة، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل".
وسمعت غطفان وسائر الأحزاب بما صنعت قريش، فرجعوا - جميعًا - إلى بلادهم، لم يربحوا من عدوانهم إلا الخزي، والخسران المبين.
وفي هذا المعنى يقول القرآن الكريم: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا} [الأحزاب: ٢٥] وهكذا انتهت تلك الملحمة الهائلة، وانزاح عن ظاهر المدينة ذلك الكابوس الذي جثم عليه بضعًا وعشرين ليلة طويلة، وكسب المؤمنون الجولة، فهتف النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَه، وأعزَّ جُندَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ». (رواه البخاري في "صحيحه").
وخسر المشركون المعركة التي حشدوا لها أقصى ما يملكون من أموال، ورجال، وأحلاف، وعدة وعتاد، وكان عليهم أن يخسروا معارك المستقبل أيضًا؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم، في ثقة واطمئنان: «الآنَ نَغْزُوهُمْ ولا يَغْزُونَنا». (رواه البخاري في "صحيحه").
فلم يعد في قدرة قريش بعد هذا الفشل المخجل أن تُغِيرَ مرة أخرى على المدينة، وأصبح زمام المبادأة بيد المسلمين منذ ذلك اليوم.
غزوة الخندق: وقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة، حيث تحالفت قريش مع قبائل عربية ويهود بني النضير لتكوين جيش ضخم لم يسبق له مثيل لمحاصرة المسلمين في المدينة، استشار النبي - صلى الله عليه وسلم- أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق، وهو ما تم بالفعل، وأفشل محاولة المشركين؛ لاقتحام المدينة، وفاز المسلمون بالنصر دون قتال مباشر؛ لتصبح المبادرة العسكرية في أيديهم.