Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأراتقة (دولة)

الكاتب

أ.د/ عبد المقصود عبد الحميد باشا

الأراتقة (دولة)

الدولة الأرتقية، التي أسسها أرتق بن أكسب، ظهرت بعد ضعف الدولة السلجوقية وبرزت في الشام والعراق، وشارك أمراؤها في معارك ضد الصليبيين بجانب الأتابكة، والأيوبيين، واهتموا بالعمران، والتعليم.

أصول الأراتقة، ونشأة دولتهم

تنسب الأسرة الأرتقية إلى مؤسسها أرتق بن أسكب الذي ينتمي بدوره إلى التركمان. [كان أحد مماليك السلطان السلجوقي ملك شاه (ملكشاه) بن ألب أرسلان، وقد قدم مساعدات كبيرة أغنت الدولة، وجنبتها الكثير من العنت، وكان له دور مهم في الاستيلاء على الموصل، كما سبق له التغلب على حلوان والجبال قبل ذلك، ويظهر نصحه السلاجقة في تسلميه الموصل، فقد ذكر ابن الأثير أنه لما وصل الموصل (أرسل أرتق إلى من بها يشير عليهم بالدخول في طاعة السلطان، وترك العصيان عليه وخوفهم عاقبة فعلهم إن امتنعوا وأصروا على الخلاف، فقبلوا نصحه، وأذعنوا له، واطاعوا وسلموا البلد) كما كان مشهورًا بالعقل والدين (انظر: الباهر في دولة الأتابك، ص٥، دار الكتب الحديثة) كما وصفه ابن خلكان بأنه (كان رجلاً شهماً ذا عزمة وسعادة، وجد واجتهاد)، وفيات الأعيان ط: دار صادر، ص ١٩١. أما عن مقدرته العسكرية فكان كما يقول عنه المؤرخون (منصوراً لا يشهد حرباً إلا كان الظفر له) خطط الشام كرد علي ص ٢٤٦ ط النوري دمشق].

وقد أتيح لهذه الأسرة أن تؤسس دولة في جهات ديار بكر، وماردين، وحصن كيفا، وغيرها من الجزر الفراتية، وقد امتد سلطانها في بعض الوقت حتى شمل حلب، كما عمرت أكثر من ثلاثة قرون من أواخر القرن الخامس الهجري، والحادي عشر الميلادي إلى أوائل القرن التاسع- الخامس عشر الميلادي. وانقسمت إلى دولتين: واحدة كانت قاعدتها ماردين (تقع ماردين في تركيا اليوم في مواجهة مدينة الفاشلي السورية)، والأخرى كانت حصن كيفا. [النسبة إليه حصكف، وتقع قريبا من ديار بكر].

وقد كان مؤسس هذه الدولة أحد قادة السلاجقة ثم انفصل عنهم، وسبب انفصاله يرجع إلى مساعدة أرتق لشرف الدولة مسلم بن قريش المحصور في ديار بكر، فخاف على نفسه، وراسل الأمير أرتق، وبذل له مالا، وسأله أن يمن عليه بنفسه، ويمكنه من الخروج من (آمد)، وكان أرتق على حفظ الطرق، والحصار، فلما سمع أرتق بما بذله شرف الدولة أذن له في الخروج. [الباهر في دولة الأتابك، جـ ٥، دار الكتب الحديثة، القاهرة] وكان ذلك عام ٤٧٧هـ/١٠٨٤م، فأنهى ذلك ابن جهير إلى السلطان ملكشاه، فخاف أرتق، واتجه إلى دمشق، والتحق بخدمة صاحبها تاج الدولة تتش، وعاونه في الاستيلاء على حلب، فأقطعه فلسطين [انظر: الكامل لابن الأثير ص ١٣٥، ط دار الفكر سوريا] وظلت في حكمهم ثلاث عشرة سنة. [أنظر وفيات الأعيان، مصدر سابق].

النظام السياسي، والانقسام الداخلي

الأراتقة، وتأسيس الدولة: كانت فلسطين هي القاعدة الأولى لدولة الأراتقة بفضل إقطاعها لهم من قبل تاج الدولة تتش صاحب دمشق على ما مر، ومن هنا أصبحت القدس مركز تجمعهم، وحجر الزاوية السياسي، والعسكري؛ لبناء دولتهم.

وعندما توفي أرتق عام ٤٨٤ هـ / ١٠٩١م تابع ولداه إيلغازى، وسقمان تنظيم الدولة حتى قيام الفاطميين بالاستيلاء على القدس عام ٤٩١هـ/١٠٩٨م. وبعد أحد عشر شهرًا من استيلائهم على القدس، سقطت في أيدي الصليبيين.

ويبدو أن الأراتقة شعروا بعدم جدوى مقاومة الفاطميين نتيجة للفارق الكبير بين قواتهم العسكرية مقارنة بما في أيدي الفاطميين، فوافقوا على التسليم، ومغادرة المدينة، وقد سمح لهم الأفضل بن بدر الدين الجمالي بالخروج من القدس، (فتوجها إلى بلاد الجزيرة الفراتية فملك سقمان ديار بكر، وملك إيلغازي ماردين)، ومنذ ذلك الحين انقسمت الدولة إلى قاعدتين على ما سبق.

الدور العسكري، والصراعات الإقليمية

 الأراتقة وحروبهم مع الأتابكة والأيوبيين: كان القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي هو: عصر الدويلات، والإمارات المتعددة التي أثرت بالسلب على جسم الدولة الإسلامية فضلاً عن منازعة الدولة الفاطمية للخلافة العباسية، من هنا فقد دخلت هذه الدول، والإمارات العشائرية في صراع عنيف سهل للصليبيين احتلال الشام قرابة القرن، بل كان هذا النزاع والصراع سبباً لدخول التتار، والقضاء على الخلافة العباسية، ونعرض هنا لبعض النماذج من المعارك التي دارت بين الأراتقة وغيرهم من المسلمين كالأتابكة سواء في عهد عماد الدين زنكي أو أبنائه من بعده. [وفيات الأعيان مصدر سابق ٠١٩١].

حروب عماد الدين زنكي: ويلاحظ بادئ ذي بدء أن دولة الأتابك كانت هي الوريث القوي لدولة السلاجقة، ومن ثمة سعت؛ لتكوين دولتها الفتية بمحاربة جيرانها؛ لتوحيد الصف الإسلامي حتى يتمكنوا من صد الصليبيين، وإغلاق الطريق أمام أصحاب الأطماع الشخصية من أرباب الزعامات الهابطة، من هنا كان عماد الدين، وابنه نور الدين من بعده إذا ما حاصر حصناً، أو مدينة من هذه المدن، وانتصر عليها اكتفى بمجرد ولائها له، وتركها   للقائمين عليها، كما كان يصالحهم عليها؛ تفرغا لغرضه الأساسي وهو طرد الصليبيين، وتطهير البلاد منهم. [الباهر، مصدر سابق ص٩٠].

كما كان عماد الدين في حروبه هذه صاحب فروسية، فلا يغير على الأهلين، ولا يسمح لجنوده أن يحيفوا عليهم بحال من الأحوال، يظهر هذا جليا في تعليق لحسام الدين صاحب ماردين، وقد حاصرها سيف الدين عام ٥٤٤ هـ / ١١٥٠م وتفرقت جنوده فيها، وصنعوا مثل ما يصنع الجنود في مثل هذه المواقف، فنظر حسام الدين إليهم، وقال: (كنا نشكو من أتابك الشهير، وأين أيامه؟ فلقد كانت أعيادًا، وقد حصرنا غير مرة، فلم يتعد هو وعسكره حاصل السلطان، ولا أخذوا كفا من التبن بغير ثمن). [نفس المصدر].

على أننا نلاحظ أن هذه الحروب على ما كان فيها من إضعاف للمسلمين، وتقوية لأعدائهم، وتمكين لهم في بلاد الإسلام كان إيقافها، ورأب صدعها كثيرًا ما يكون بأوهن الأسباب، فيتصافى المتحاربان، بل وتقام بينهما أواصر المصاهرة، والنسب.

 ومن طرائف المعركة السابقة أن صاحب ماردين - حسام الدين تمرتاش - زوج ابنته الخاتون لسيف الدين بن زنكي غير أنه قد توفي من قبل أن تصل إليه، فتزوجها أخوه قطب الدين مودود، وأنجب منها عددًا كبيرًا من ملوك الأتابكة.

  كما قامت الدولة الأيوبية كذلك بمحاربة الأراتقة، وحصارهم، والتضييق عليهم على نحو ما وقع مع الدولة النورية، فعلى الرغم من أن الطابع العام لصلاح الدين هو العمل على توحيد الأمة الإسلامية؛ للوقوف أمام أطماع الصليبيين، ثم العمل على طردهم، والتخلص منهم، الأمر الذي جعل الأراتقة في كثير من الأحيان يظاهرون صلاح الدين، ويخضعون له، إلا أن تضارب مصالح الأمراء، واختلاف مشاربهم دعاهم أحياناً إلى الوقوف في وجه الأيوبيين، فحاصروهم، وضيقوا عليهم الخناق، حتى انتهى الأمر إلى سقوط الأراتقة، واستيلاء الأيوبيين على دولتهم.

الأراتقة، وجهاد الصليبيين

كان الأراتقة في غالب أمرهم حريصين على دفع الصليبيين من خلال الانضمام إلى الدول القوية مثل: الأتابكة، أو الأيوبيين، أو غيرهم من أصحاب الهمم العالية من الأمراء، والقواد، ويكفي في هذا الصدد أن نستعرض سير بعض أمراء الأراتقة لنرى مدى اهتمامهم بالجهاد، وصد الصليبيين.

ومن أبرز هذه المواقف الدالة على رغبة الأراتقة في الجهاد موقف سقمان بن أرتق.[ الكامل ج٨ ، ص٢٧ ٢ ، مصدر سابق] الذي ما إن كاتبه فخر الملك ابن عمار صاحب طرابلس (يستدعيه إلى نصرته على الفرنج) وهى الدعوة التي صادفت دعوة أخرى من طغتكين صاحب دمشق؛ للغرض نفسه، حتى قام على الفور مستجيبًا لهما، عازمًا على نجدتهما، ومقاتلة الصليبيين، ومع أنه قد مرض في الطريق، وأشار عليه أصحابه بالرجوع إلى مدينة (حصن كيفا) إلا أنه رفض ذلك قائلا: "بل أسير فإن عوفيت تممت ما عزمت عليه، ولا يراني الله تثاقلت عن قتال الكفار خوفاً من الموت، وإن أدركني أجلي كنت شهيدًا سائرًا في جهاد"، فمات في الطريق.

هناك أيضًا موقف من المواقف المشهودة في هذا الصدد وقت اتساع دولة الأراتقة، وضمهم مدينة حلب عقب مقتل لؤلؤ الخادم صاحب حلب، وتسليم أهلها الأمر لنجم الدين إيلغازي، وكانت حلب تعاني نقصًا شديدًا في المال والسلاح. [الكامل، ج٨، ص٢٢٨،  فقد عمل إيلغازي على مصانعة الصليبيين حتى يتمكن من جمع الجنود، وتسليحهم، فذهب إلى قاعدة ملكه ماردين، وعاد ومعه عشرون ألفًا، فصبحوا الصليبيين عند موقع (تل عفرين)، وكان ذلك عام ٥١١ هـ/١١١٧م. [الكامل، مصدر سابق ٢٨٩، وانظر الصفحات ص ٢١١، ٢١٢ وما بعدها].

كما شارك الأراتق كذلك في فتح (عام ٥٨٥هـ /١١٨٩م) حيث قام السلطان صلاح الدين الأيوبي باستدعاء صاحب (آمد) قطب الدين سليمان، فجاء في (أعداده وإعداده) [ الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة المقدسي ص٤، ص٦٩ ط: الرسالة   (

كما شارك كذلك قطب الدين بن سكمان في فتح عكا حيث كان المتولي على عسكر ديار بكر [المصدر السابق ص٨٧] فضلاً عن مشاركة فخر الدين قرا أرسلان، ونجم الدين ألبى مع نورالدين عام   ٥٥٩هـ/١١٦٣م [نفسه ج ١، ص ٤٦٠].

النهضة الحضارية، والعمرانية

الأراتقة، واهتمامهم بالحضارة: على الرغم من الأصل شبه البدوي للأراتقة، إلا أنهم تميزوا بالحس الحضاري، الذي تمثل في كثرة الإنشاءات العمرانية مثل: بناء الجسور، والحصون، فضلًا عن تأسيس المساجد، والمدارس [انظر: معجم العالم الإسلامي، نخبة من المستشرقين ط: المؤسسة الجامعية للدراسات العربية، بيروت)، وهو ما أشار إليه ياقوت في قوله عن مدينة ماردين: "وقدامها ربض عظيم، فيه أسواق كثيرة، وخانات ومدارس، وربط، وخانقاهات، ودورهم كالدرج كل دار فوق الأخرى" [معجم البلدان جـ ٥ ، ص٤٦ ط: دار الكتب العلمية (؛ فضلًا عن القنطرة التي وصفها ياقوت عندما تحدث عن حصن كيفا فقال: "وعلى دجلتها قنطرة لم أر في البلاد التي رأيتها أعظم منها وهي طاق واحد يكتنفه طاقان صغيران" [نفس المصدر].

الإسهامات الثقافية، والعلمية

كما اهتموا كذلك بالثقافة على تعدد ألوانها، واختلاف ميادينها، فكانت مدنهم حافلة بالعلماء، والأدباء يسجلون انتصاراتهم على نحو ما رأينا من العظيمي، بل أن لصفي الدين الحلي العديد من القصائد في نجم الدين غازي، كانت على عدد حروف المعجم، وهو من الأدباء الكبار الذين حلوا بهذه الديار، أما عن الأدباء الذين نبغوا في هذه البلاد من أهلها، فمن أشهرهم: أبو الفضل يحيى بن سلامة بن محمد الحصكفي، وصفه السمعاني بأنه أحد أفاضل الدنيا، وكان إمامًا بارعًا في قول الشعر، واشتهر ذكره بالآفاق في النظم، والنثر، والخطابة. [الأنساب ج٢ ٢٢٧، ط: دار الكتب العلمية، بيروت].

وفي مجال العلوم الرياضية نبغ سبط المارديني، بدر الدين محمد بن أحمد الغزالي، وقد تعدت مؤلفاته مجال الرياضيات إلى اللغة، والفلك ثم الفقه، ومنها:

١-  حاوي المختصرات في العمل بربع المقطرات (في الفلك).  

٢- تعليق مختصر على لامية ابن الهائم في (الرياضيات).

٣- شرح النذور (شرح القطر في النحو).

٤- المواهب السنية في أحكام الوصية (في الفقه)، وغير ذلك من أعمال. 

 وهو ينتسب إلى جده لأمه خليل المارديني، وهو فلكي توفي عام ٨٠٩هـ/١٤٠٦م.

   كما نبغ في مجال الفلسفة عدد من الفلاسفة أشهرهم:

١- أبو الحسن بن إبراهيم المعروف بابن مرحومة المارديني

٢- الشيخ زين الدين بن محمد الملطفي ثم المارديني.

  وقد قام كلاهما بالرد على الفيلسوف اليهودي ابن كمونة.

وبجانب العلوم النظرية المختلفة اهتم الأراتقة بالصنائع العملية حيث اهتموا بالزراعة، خاصة وأن بلادهم كانت تتميز بخصوبة الأرض، ووفرة مياهها، وكانت هناك من قبل الأراتقة سياسة زراعية ناجعة يدل عليها ذلك الحوار الذي تم بين حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين وبين عماد الدين زنكي زعيم الأتابك في معرض هروب بعض فلاحي الموصل إلى ماردين، وحينئذ أرسل عماد الدين يطلب إرجاع هؤلاء الفلاحين إلى الموصل، فرد عليه صاحب ماردين قائلا: "إنا نحسن إلى الفلاحين ونخفض عنهم، ونأخذ منهم في القسمة من الغلال العشر، فلو فعلتم أنتم مثل فعلنا لم يفارقوكم" (وقد رد عليه زنكي مبيناً اختلاف طبيعة الدولتين بالنظر إلى غايتهما قائلاً: إذا أخذت أنت من كل مائة منهم سهماً واحداً كان كثيراً؛ لأنك مشغول بلذتك في رأس ماردين، وأما أنا إذا أخذت الثلثين كان قليلاً، لما أنا بصدده من قصد الأعداء والجهاد). (الباهر ص٧٩].

كما نشطت التجارة أيضا لدى الأراتقة، وتم اكتشاف عدد من العملات البيزنطية في منطقة ماردين، وحصن كيفا يظهر من خلالها على المسكوكات وجوه هلنستية أو بيزنطية المظهر وعلى عملات أخرى يظهر فيها التأثيرات المحلية التقليدية، وأحياناً بعض المؤثرات التركية. [معجم العالم الإسلامي، مصدر سابق].           

فضلًا عن اهتمامهم بالزخرفة التي ميزت مبانيهم، ودورهم، الأمر الذي يدل على مبلغ ما توصل إليه الأراتقة من حضارة شملت معظم مجالات الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والعمرانية، والسياسية.

الخلاصة

الدولة الأرتقية: أسسها أرتق بن أكسب من التركمان بعد انفصاله عن السلاجقة، وامتد سلطانه إلى ديار بكر وماردين وحصن كيفا، شهدت الدولة صراعات مع الأتابكة والأيوبيين، بالإضافة إلى مشاركتها في جهاد الصليبيين، ورغم أصولهم البدوية، تميز الأراتقة بالاهتمام بالحضارة، والعمران، فبنوا مساجد ومدارس، وكانوا حاضنة للعلماء والمثقفين، مما جعلهم يساهمون في تقدم المنطقة ثقافيًا وعلميًا.

موضوعات ذات صلة

هم مجموعة من القبائل التركية تنتمي في الأصل إلى طائفة الأوغوز.

أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.

همُ الذين شنوا حملاتٍ عسكريةً أوروبيةً على الشرق الإسلاميّ.

موضوعات مختارة