الأزهر صرح علمي وديني عريق أسسَّه الفاطميون في القاهرة عام ٣٥٩هـ؛ ليكون مركزًا رئيسًا للدراسة الدينية والعلمية في العالم الإسلامي؛ مرَّ الأزهر بتطورات كبيرة عبر العصور حيث تعرض للإغلاق، والتجديد، وظل دائمًا منارة للعلم والعلماء.
الأزهر صرح علمي وديني عريق أسسَّه الفاطميون في القاهرة عام ٣٥٩هـ؛ ليكون مركزًا رئيسًا للدراسة الدينية والعلمية في العالم الإسلامي؛ مرَّ الأزهر بتطورات كبيرة عبر العصور حيث تعرض للإغلاق، والتجديد، وظل دائمًا منارة للعلم والعلماء.
نشأة الأزهر في العصر الفاطمي ٣٥٨/٥٦٧هـ-٩٦٩/١١٧١م: بعد جهود مضنية استطاع الفاطميون- الذين ينسبون أنفسهم إلى السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم- أن يقيموا لهم دولة في شمال إفريقيا سنة ٢٩٧هـ - ٩٠٩م؛ ولكن هدفهم الرئيسي كان حكم مصر، والشرق الإسلامي، وقد تحقق لهم هذا الهدف في عهد خليفتهم الرابع المعز لدين الله ٣٤١/٣٦٥هـ-٩٥٢/٩٧٥م، الذي أرسل قائده الشهير جوهر الصقلي على رأس جيش كثيف إلى مصر، فاستولى عليها سنة٣٥٨هـ - ٩٦٩م، وفي نفس اليوم الذي دخل فيه جوهر مصر، وهو السادس من شهر يوليو ٣٥٩هـ / ٩٦٩م شرع في تأسيس عاصمة للدولة الجديدة، هي مدينة القاهرة، التي أطلق عليها جوهر في البداية المنصورية نسبة إلى الخليفة المنصور والد الخليفة المعز، ولكن المعز نفسه عندما حضر إلى مصر سنة ٣٦٢هـ- ٩٧٣م، غير اسمها إلى مدينة القاهرة، تفاؤلاً بأنها ستقهر غيرها، حسب ما يروي بعض المؤرخين في سبب تلك التسمية. [انظر: محمد عبد الله عنان، تاريخ الجامع الأزهر، الطبعة الثانية، مؤسسة الخانجي. القاهرة ص ١٦].
إنشاء الجامع الأزهر: من التقاليد الإسلامية الثابتة أن كل مدينة جديدة لا بد أن يقام بها مسجد جامع، وتمشيا مع هذه التقاليد شرع جوهر الصقلي في بناء الجامع الأزهر في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٣٥٩هـ الموافق للسابع من مايو ٩٧٠م، واستغرق البناء نحو عامين، وفي السابع من شهر رمضان سنة ٣٦١هـ الموافق للثالث والعشرين من يونيو سنة ٩٧٢م، أقيمت فيه أول صلاة جمعة. [المرجع السابق ص١٨].
وأطلق عليه في البداية جامع القاهرة، ثم غلب عليه الاسم الذي أعطاه شهرة عالمية، قلما حظي بها مسجد آخر في العالم الإسلامي وهو: الجامع الأزهر، وأرجح أقوال المؤرخين أن هذه التسمية جاءت تيمناً باسم السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. [المرجع السابق ص١٩].
من السمات الرئيسية للإسلام أن المساجد فيه لم تكن مقصورة على أداء الصلوات، بل كانت تقوم بوظائف أخرى كثيرة ولا زالت؛ من أهمها: التعليم. ولما كانت الدولة الفاطمية دولة مذهبية تعتمد المذهب الشيعي الإسماعيلي في نظامها كله، وفي نظامها السياسي، فقد جعلت الجامع الأزهر منبرًا لنشر وترويج ذلك المذهب في مصر، وفي الوقت نفسه كانت تدرك صعوبة ذلك؛ لأنها تعلم مدى تمسك المصريين بمذهب أهل السُّنة والجماعة، فلم تلجأ إلى العنف في نشر مذهبها؛ ولكنها مضت قدمًا في نشره بوسائل سلمية، وتحقق لها غرضها على المدى البعيد، فبدأت بتغيير صيغة الأذان السُّني إلى صيغة الأذان الشيعي المعروفة.
وشيئاً فشيئاً أدخلت كل الطقوس، والمراسم الشيعية في الاحتفالات، والأعياد، والجامع الأزهر منذ تأسيسه أصبح معروفاً بأنه المسجد الرسمي للدولة الفاطمية، فهو مقر لقاضي القضاة، وداعي الدعاة، والمحتسب الذي كان يتبعه جهاز كبير من الموظفين في كل الاختصاصات، وكان له نواب في أنحاء البلاد، وهذا كله أضفى على الجامع الأزهر الطابع الرسمي. [انظر: د/عبد العزيز محمد الشناوي. الأزهر جامعا وجامعة، الطبعة الأولى، مكتبة الأنجلو المصرية-القاهرة ١٩٨٣ ج ١، ص٤٦. ٤٧].
بدأت الدراسة في الجامع الأزهر بعد مضي نحو ثلاث سنوات ونصف على إنشائه على شكل حلقات على النحو الذي كان مُتبعًا في كل المساجد في العالم الإسلامي في ذلك الزمان، وكان أول شيخ جلس للتدريس في الجامع الأزهر هو قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد النعمان القيرواني، وأول الدروس التي ألقاها كانت من كتاب "الاختصار في الفقه الشيعي"، وهو من تأليف والده، وظل بنو النعمان يتصدرون الحلقات الدراسية في الجامع الأزهر، ثم انضم إليهم غيرهم من شيوخ المذهب.
دور الوزير يعقوب بن كِلِّس في تطوير الدراسة في الجامع الأزهر: يعقوب بن يوسف الملقب بابن كِلِّس، وكنيته أبو الفرج، يقال: إنه يهودي من أصل عراقي، ثم هاجر إلى الشام، ثم إلى مصر، ثم إلى المغرب؛ ليلتحق بخدمة الدولة الفاطمية، وقد اعتنق الإسلام، وتفقه في المذهب الشيعي الإسماعيلي، وبدأ يلقي الدروس بنفسه في ذلك المذهب، وكان يحضر دروسه حشد كبير من القضاة، والفقهاء، ورجال الحكومة، مما يدل على أهمية الرجل التي لم تقتصر على إلقاء الدروس في الجامع الأزهر، بل خطا به خطوات هائلة؛ لتحويله إلى جامعة إسلامية؛ لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي.
ولما كان الخليفة العزيز بالله الفاطمي ٣٦٥/٣٨٦هـ- ٩٧٥/٩٩٦م قد اختار ابن كِلِّس؛ ليكون وزيره الأول، والمنفذ في دولته، فقد أعد الرجل للأزهر ما عرف بمشروع ابن كِلِّس [د / عبد العزيز محمد الشناوي مرجع سابق ج ١، ص ٥٣] الذي عرضه على الخليفة، ووافقه عليه، وملخصه: "أن يختار الشيوخ الذين يُدَرِّسون، والطلبة الذين يَدْرُسون؛ لترسيخ المذهب، وأن تشملهم الدولة برعايتها، فترتب لهم مرتبات شهرية، وسكنًا لائقًا بالقرب من الأزهر"، وكان هذا كله أعطى دفعة هائلة للجامع الأزهر بفضل يعقوب بن كِلِّس.
العلوم التي كانت تدرس في الجامع الأزهر في العصر الفاطمي: إضافة إلى علوم أصول المذهب الشيعي التي كان يقوم بتدريسها بنو النعمان، والوزير ابن كلس نشأت علوم أخرى لغوية، وأدبية، بل إن بعض المتخصصين في تاريخ الجامع الأزهر [محمد عبد الله عنان. مرجع سابق ص ٩٠] يذكرون أن الدراسة فيه تجاوزت العلوم الدينية واللغوية، وشملت علومًا أخرى كثيرة، مثل: المنطق والطب والفلسفة والرياضيات، ولكن على نطاق ضيق.
تخصيص دروس للنساء في الجامع الأزهر: لم تقتصر الدراسة في الجامع الأزهر على الذكور، بل شملت النساء؛ فطلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، وكان تعليم النساء في الجامع الأزهر لنساء عامة الشعب، أما نساء القَصْر، وكبار رجال الدولة، فكن يتلقين الدروس في قصر الخليفة. [د/ عبد العزيز محمد الشناوي. مرجع سابق ج١ ص ٦٨].
أبرز العلماء الذين درسوا في الأزهر في العصر الفاطمي: إن عدد العلماء الذين تولوا التدريس في الجامع الأزهر في العصر الفاطمي يفوق الحصر، بالإضافة إلى المؤسسين، وهم: بنو النعمان والوزير ابن كِلِّس، فقد اضطلع بمهنة التدريس علماء كبار، مثل: عز الملك بن عبد الله المشهور بالمسبحي، وهو من كبار المؤرخين، ومثل: أبي الحسن على بن إبراهيم المعروف بالنحوي ت ٤٣٠هـ - ١٠٣٩م ومنهم: أبو العباس أحمد بن هاشم المصري ت ٤٤٥ هـ - ١٠٥٤م، ومحمد بن سلامة بن جعفر القضاعي المتوفي ٤٥٤هـ- ١٠٦٣م، وغيرهم كثيرون يطول الحديث بذكرهم. [انظر: محمد عبد الله عنان. مرجع سابق ص ٨٦ وما بعدها].
الموارد المالية للأزهر: كانت الدولة الفاطمية التي أنشأت الجامع الأزهر دولة غنية جدًا، ولذلك أنفقت على الجامع الأزهر، وشيوخه، وطلابه الكثير من الأموال؛ ليقوم بالدور الذي أناطته به، وهو نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، بالإضافة إلى الأوقاف الكثيرة التي أوقفتها الدولة كانت هناك أموال يدفعها بعض الدارسين طواعية، ثم هبات، وتبرعات الأغنياء. كل هذا جعل الأزهر يتمتع بقدرة مالية كبيرة؛ للنهوض بمسئوليته العلمية.
الجامع الأزهر في العصر الأيوبي ٥٦٧/٦٤٨هـ- ١١٧١/١٢٥٠م
في سنة ٥٦٧هـ /١١٧١م سقطت الدولة الفاطمية [انظر: ابن الأثير- الكامل في التاريخ ج ١ ص ١ ا ص ٣٦٨]، وقامت الدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين، واسمه: يوسف بن نجم الدين بن أيوب، كردي الأصل، ولقد سطع اسمه في سماء العالم الإسلامي؛ لدوره البطولي في تحطيم آمال الصليبيين في البقاء في الشرق الإسلامي، عندما ضربهم ضربته القاصمة في معركة حطين سنة ٥٨٣هـ- ١١٨٧م [المصدر السابق ج١١ ص ٥٣٤]. لم يقض صلاح الدين الأيوبي على الدولة الفاطمية فحسب، بل قضى على مذهبها الشيعي الإسماعيلي، الذي كان هو شخصياً يمقته أشد المقت، فقد كان على مذهب أهل السنة، يعتمد المذهب الشافعي في الفروع، ومذهب الإمام الأشعري في الأصول.
كان أول إجراء اتخذه صلاح الدين الأيوبي؛ للقضاء على المذهب الشيعي في مصر هو منع خطبة الجمعة في الجامع الأزهر، وقصرها على جامع الحاكم بأمر الله، وجامع عمرو بن العاص، وجامع أحمد بن طولون، وتبع ذلك إلغاء الشعارات الشيعية مثل: عبارة (حي على خير العمل) التي كانت تقال في الأذان، ثم أتبع ذلك بتوقف الدراسة تقريبًا في الجامع الأزهر؛ ليصرف الناس عنه، وأقام هو وأسرته مدارس أخرى كثيرة؛ لتحل محل الأزهر في التعليم.
والحقيقة أنه لم تكن هناك خصومة بين صلاح الدين، وبين الأزهر كجامع، ولا حتى كجامعة للعلوم، وإنما خصومته كانت مع المذهب الشيعي الإسماعيلي الذي صمم على القضاء عليه، وقد تم له ما أراد، والحق أنه لم يكن صلاح الدين وحده الذي يمقت المذهب الشيعي، بل غالبية الشعب المصري كانت كذلك، ولو كان للمذهب الشيعي جذور في مصر لصعب على صلاح الدين القضاء عليه.
الأزهر في عصر المماليك ٦٤٨/٩٢٣هـ - ١٢٥٠/١٥١٧م في سنة ٦٤٨هـ - ١٢٥٠م: سقطت دولة الأيوبيين في مصر، وحل محلهم مماليكهم، الذين كانوا قد اشتروهم من بلاد القوقاز وما وراء النهر، ولقد استمرت دولة المماليك بفرعيها التركي والشركسي نحو قرنين، وثلثي القرن، ولسنا بصدد التأريخ لدولة المماليك بإيجابياتها، وسلبياتها هنا، وإنما الذي يعنينا دورهم في بعث الأزهر من جديد وإحداث نهضة علمية كبيرة فيه، فلا شك أن الجامع الأزهر عاش أزهي عصوره، ونهضته العلمية في العصور الوسطى في عهد المماليك، فقد أولوه عنايتهم، وصمموا على إحياء دوره العلمي، ولم يبخلوا في سبيل ذلك بالأموال، وكان أول من اهتم من سلاطين المماليك بالجامع الأزهر، السلطان الظاهر بيبرس، فقد راعه ما وصل إليه حاله من إهمال، وتصدع مبانيه، فقرر تجديده، والعناية به، وأوكل تلك المهمة لنائبه الأمير عز الدين أيدو الخلي.
وكانت البداية لإعادة الاعتبار إلى الأزهر، إعادة صلاة وخطبة الجمعة فيه بعد تعطلها نحو قرن من الزمان حيث أقيمت من جديد سنة ٦٦٥هـ - ١٢٦٦م. كما تقرر إعادة أوقاف الأزهر التي كان الأيوبيون قد استولوا عليها، بل أضيفت إليها أوقاف كثيرة من سلاطين المماليك، وأغنياء البلاد حتى صار كما يقول المقريزي أرفع الجوامع قدرًا بالقاهرة. [انظر: تاريخ إنشاء وتطور الجامع الأزهر في الخطط المقريزية ج٢ ص ٢٧٣، وما بعدها، مكتبة دار الثقافة. الطبعة الثانية. القاهرة ١٩٨٧م].
لقد تهيأت ظروف كثيرة للجامع الأزهر؛ ليتألق، ويصبح معهدًا علميًا إسلاميًا عالميًا في عصر المماليك، منها: اهتمام السلاطين أنفسهم طوال تاريخهم به، ومنها: الثراء الكبير الذي تحققت به دولتهم، ومنها: موقع الجامع الأزهر في القاهرة حيث يتوسط العالم الإسلامي تقريبًا من الناحية الجغرافية، وهذا سهل لكثير من العلماء، وطلبة العلم من أنحاء العالم الإسلامي الوصول إلى مصر التي كانت تستقبلهم بكل حب وحفاوة وكرم، كما أن الأحداث العالمية التي ألمَّت بالعالم الإسلامي في عصر المماليك جعلت مصر والأزهر بصفة خاصة الموئل الآمن لكل علماء المسلمين من المشرق والمغرب، فعندما اجتاح المغول العالم الإسلامي من الشرق، وأسقطوا الخلافة العباسية في بغداد سنة ٦٥٦هـ /١٢٥٨م، ودمروا مكتباتها، وشردوا علماءها لجأوا إلى القاهرة، فوجدوا الملاذ والأمان والعلم، نفس الشيء حدث لعلماء الأندلس عندما ضغط الأسبان، وقهروا المسلمين هناك، وطردوهم، لجأوا إلى مصر والأزهر.
وهكذا أصبح الجامع الأزهر هو أمل المسلمين، ولقد هيأت له الأوقاف الكثيرة التي أوقفها الأغنياء النهوض بهذه المسئولية الكبيرة، وجعلت للأزهر الزعامة العلمية في العالم الإسلامي في عصر المماليك، حيث ضمن لطلاب العلم من كل أنحاء العالم الإسلامي الإقامة، والإعاشة الكاملة في الأروقة الكثيرة التي أقيمت لسكناهم، والتي تعد أول إسكان جامعي لطلاب العلم في العالم. [انظر: اجتياح المغول لأراضي المسلمين وإسقاط الخلافة في بغداد في البداية والنهاية لابن كثيرج١٣ ص٢٠٠وما بعدها]، وكانت أكثر من ثلاثين رواقًا.
هذا الازدهار المالي والعلمي الذي تحقق للجامع الأزهر في عصر المماليك بدأ يجذب العلماء من المدارس التي أسسها الأيوبيون لصرف طلاب العلم من الأزهر، بدأ يجذبهم إليه؛ لينالوا أشرف الدروس، والجلوس في الجامع الأزهر، كما أصبح مقصد كبار العلماء الذين بدأوا يفدون إلى مصر من العالم الإسلامي، وكان من أشهر هؤلاء العلماء العلامة والفقيه والفيلسوف والمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون ت٨٠٨هـ - ١٤٠٦م الذي خص الأزهر بالقسط الأكبر من نشاطه العلمي في مصر، كما وفد إلى مصر العلامة محمد الفاسي، الذي تصدر الحلقات الدراسية في الأزهر، وغير هذين العَلَمين كثيرون وفدوا إلى مصر يضيق المقام بذكرهم. كما حفل الأزهر في عصر المماليك بكوكبة من علماء مصر الكبار، أمثال أبي العباس القلقشندي ت ٨٢١هـ - ١٤١٨م، وتقي الدين المقريزي ت٨٤٥هـ- ١٤٤١م، وابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ- ١٤٤٨م، وبدر الدين العيني، وسراج الدين البلقيني، وشرف الدين المناوي، وأبي المحاسن ابن تغري بردي وغيرهم كثيرون. [من يريد المزيد من المعرفة عن هؤلاء العلماء يمكنه الرجوع إلى كتب التراجم والطبقات، مثل كتاب الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني].
عناية المماليك بعمارة الأزهر: لم تقتصر عناية سلاطين المماليك بالأزهر الشريف على العلماء، وطلبة العلم، وإنما شملت الناحية المعمارية، ولقد أصدرت وزارة الأوقاف، وشئون الأزهر كتابًا مهما عن تاريخ الأزهر، وتطوره [طبعت الوزارة هذا الكتاب سنة ١٩٦٤م- ١٣٨٣ه. بأقلام نخبة من العلماء]، وكتب الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب فصلًا قيمًا في ذلك الكتاب عن عمارة الأزهر عبر العصور شغل أكثر من مائة صفحة من ص ٨٩ إلى ص ١٩٦ يحسن الرجوع إليه، ففيه معلومات نفيسة عن التطور المعماري للأزهر.
في سنة ٩٢٣هـ - ١٥١٧م أنهى العثمانيون حكم المماليك في مصر، وضموها إلى إمبراطوريتهم الكبيرة، واستمر حكمهم لمصر حكمًا مباشرًا نحو ثلاثة قرون، ولقد كانت نظرة المؤرخين العرب في الشرق العربي إلى تاريخ الدولة العثمانية نظرة سلبية، وعلقوا عليها كل التخلف الذي عاناه العرب والمسلمون، ولكن النظرة الآن تغيرت إلى التاريخ العثماني خصوصًا منذ ألف الأستاذ الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي موسوعته الضخمة بعنوان (الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها) في أربعة مجلدات كبار، وبدأ أساتذة التاريخ يعيدون النظر في مواقفهم السابقة؛ لرد الاعتبار لتلك الدولة، والذي يهمنا في هذه العجالة هو موقف العثمانيين من الأزهر الشريف، فقد عرفوا له مكانته، وطوال المدة التي أقامها السلطان سليم الأول في مصر - نحو ثمانية شهور- بعد الاستيلاء عليها، حرص على أداء الصلوات في الجامع الأزهر، والتقرب إلى علمائه، واحترامهم، فظل محتفظًا بمكانته، وزعامته العلمية، وكعبة يحج إليها طلاب العلم من كل الولايات العثمانية، والأزهر لم يكن مجهولًا لطلاب العلم العثمانيين.
"وقد وفد عليه، ودرس فيه جمهرة من أكابر العلماء العثمانيين، مثل: شمس الدين الفناري؛ الذي وفد على مصر في أواخر القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، وكان تلميذًا وزميلًا للحافظ ابن حجر، ويعقوب بن إدريس، والعلامة الأشهر محي الدين الكافِيَجي المتوفي سنة ٨٧٩هـ / ١٤٧٤ م، وقد درس ثم تولى التدريس في الجامع الأزهر وغيره من المعاهد، وكان شيخًا للسيوطي وغيره من الأعلام المصريين". [محمد عبد الله عنان، مرجع سابق ص ١٤٠- ١٤١].
ولقد حافظت الدولة العثمانية على عدم التدخل في شئون الأزهر العلمية، وحققت له الاستقرار المالي، فظل يؤدي رسالته العلمية محافظًاً على الطابع العربي الإسلامي للعلوم، ولقد أمدنا مؤرخ مصر الكبير عبد الرحمن الجبرتي بمعلومات وافرة في كتابه الشهير (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) [قامت مكتبة الأسرة بطبع كتاب الجبرتي طبعة جديدة بتحقيق الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، في ثمان مجلدات سنة ٢٠٠٣م] عن علماء الأزهر، وجهودهم العلمية، ومواقفهم الوطنية، مما يعد أبلغ رد على الذين يتهمون العثمانيين بأنهم كانوا سببًا في التخلف الذي يعانيه العرب والمسلمون، وباختصار شديد يمكن القول من خلال المصادر التاريخية الأصيلة: إن نمو الحركة العلمية في الأزهر لم يتوقف طوال فترة الحكم العثماني لمصر، بل استمر يحمل راية الريادة العلمية في العالم الإسلامي كله، محافظًا على عروبة مصر وإسلامها.
الأزهر في عصر الأسرة العلوية ١٢١٣هـ/١٣٧٢هـ- ١٨٠٥/١٩٥٢م: في شهر يوليو سنة ١٧٩٨م داهم نابليون بونابرت مصر بحملته الاستعمارية المعروفة، واستطاع الاستيلاء عليها بسهولة بسبب ضعف مقاومة المماليك، ولقد بالغ نابليون مبالغة شديدة في أساليب المكر والكذب والخداع، وأصدر بيانات كثيرة أذاعها على الشعب المصري، يدعي فيها أنه صديق للمسلمين، وأنه يحترم الإسلام والقرآن والرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم، وإمعانًا في هذا الخداع أنشأ ديوانًا وطنيًا لإدارة شئون البلاد، كان جل أعضائه من علماء الأزهر، ويرأسه شيخ الأزهر، الشيخ عبد الله الشرقاوي، ولكن كل هذه الأساليب والألاعيب لم تنطل على الشعب المصري بصفة عامة، وعلى علماء الأزهر بصفة خاصة، فقاد الأزهريون ثورتين عارمتين ضد الوجود الفرنسي في مصر: الأولى كانت في أكتوبر ١٧٩٨م، والثانية في مارس ١٨٠٠م وهنا ظهر الوجه الحقيقي القبيح للاستعمار الفرنسي، حيث دمرت مدافع الفرنسيين الأزهر الشريف، ودخلت خيولهم إلى ساحاته، وداسوا على كل المقدسات بأقدامهم، وأعدموا كثيرًا من العلماء، ولكن كل هذه التضحيات لم تذهب هباء، فقد تحقق الهدف، وأخرج الفرنسيون من مصر بعد أكثر من ثلاث سنوات ١٢١٦هـ/ ١٨٠١م (راجع عن أخبار حملة نابليون على مصر كتاب (بونابرت في مصر) تأليف كريستوفر هيرولد. ترجمة فؤاد أندراوس - نشر دار الكتاب العربي للطباعة والنشر. القاهرة بدون تاريخ ص ٥٧، وما بعدها). والذي أتوخاه من هذه السطور أن الحملة الفرنسية على مصر كان من نتائجها ظهور محمد علي باشا؛ ليقوم بدور هام في تاريخها، والذين أوصلوا محمد علي باشا إلى حكم مصر هم علماء الأزهر ١٢٢٠هـ/ ١٨٠٥م. [انظر التاريخ الحربي لعصر محمد علي باشا تأليف عبد الرحمن زكي دار المعارف. القاهرة سنة ١٩٥٠، ص١٩، وما بعدها].
وعلى الرغم من النزعة الاستبدادية التي حكم بها مصر، وتنكره لمن أوصلوه إلى الحكم من علماء الأزهر، والسيد/ عمر مكرم نقيب الأشراف، والمذبحة التي أحدثها بالمماليك في القلعة ١٢٢٦هـ/ ١٨١١م [انظر: المرجع السابق، ص ٢٣]. فإن أغلب المؤرخين يعدونه مؤسس الدولة الحديثة في مصر.
أما عن موقف محمد علي باشا من الأزهر، والذي سار على هداه الحاكمون من أبنائه، وأحفاده من بعده، فقد عمل على إبعاد الأزهر عن السياسة؛ لأنه أدرك مدى نفوذ علماء الأزهر في البلاد، فهم الذين أوصلوه إلى الحكم، وهم الذين يعزلونه إذا شاءوا، فأضعف نفوذهم إلى حد بعيد، ووضع حدًا لتدخلهم في السياسة والإدارة والحكم، هذا من ناحية.
أما من الناحية العلمية فقد اعتمد محمد علي باشا على علماء الأزهر في إحداث نهضة علمية في البلاد، فهم الذين تولوا التدريس في المدارس التي أنشأها، واعتمد على النابهين منهم لمصاحبة البعثات العلمية التي أرسلها إلى أوروبا، مثل: رفاعة الطهطاوي، وإبراهيم النبراوي، والحق أن محمد علي باشا بدأ البداية الصحيحة لتحديث مصر عن طريق التعليم، فأنشأ الكثير من المدارس العليا للطب، والهندسة، والزراعة، والإدارة ... إلخ، تلك المدارس التي مهدت لظهور الجامعة المصرية التي عرفت بعد ذلك بجامعة فؤاد الأول ثم جامعة القاهرة الآن في بداية القرن العشرين.
أما الأزهر الشريف فقد واصل رسالته في دراسة علوم الشريعة، والعقيدة الإسلامية، واللغة العربية وآدابها، والتاريخ والحضارة الإسلامية، وتوالت محاولات إصلاح وتحديث الأزهر وإدخال علوم حديثه فيه على أيدي زعمائه، أمثال: الإمام الشيخ/ محمد عبده، والشيخ/ الأحمدي الظواهري، والشيخ/ محمد مصطفى المراغي. وتلاحقت القوانين للنهوض بذلك المعهد العتيد، وخصوصًا في عهد الملك فؤاد الأول مثل قانون ١٩٢٧م، ١٩٣٠م، ١٩٣٣م، ١٩٣٦م، وكان قمة نتائج تلك القوانين إنشاء ثلاث كليات، وهي الشريعة، واللغة العربية، وأصول الدين [انظر: الأزهر في ألف عام، تأليف الدكتور/أحمد محمد عوف مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية ٣٩٠ ١م/١٩٧٠م/ ص٩٠- ٩١]. وعلى وجه الإجمال يمكن القول: إن سياسة الأسرة العلوية نحو الأزهر لم تكن سلبية، فقد استمر في أداء رسالته، وكان علماؤه يحظون باحترامهم، وآية ذلك أن أمير الشعراء أحمد شوقي - وهو ربيب الأسرة العلوية - أشاد بالأزهر، وعلمائه، بل رفع أقدارهم فوق أقدار الملوك في قصيدته المشهورة التي أنشدها في عهد الملك فؤاد في سنة ١٣٤٣هـ/ ١٩٢٤م، والتي قال فيها: [قال أمير الشعراء أحمد شوقي هذه القصيدة سنة ١٣٤٣هـ/ ١٩٢٤م بمناسبة بدء الإصلاح في الأزهر. طالعها في الشوقيات ج١ ص ١٥١، وما بعدها].
قُمْ في فَمِ الُّدنْيا وَحَيِّ الأَزْهَرا ... وانثُرْ علَى سَمْعِ الزَّمان الجَوْهَرا
واذْكُرْهُ بَعْدَ المَسْجِدَينِ مُعَظما ... لِمَساجِدِ اللهِ الثَّلاثَةِ مُكْبِرا
واخْشَعْ مَلِيًّا وَاقْضِ حَقَّ أَئِمَّةٍ ... طَلَعُوا بِه زُهُرًا وَماجُوا أَبْحُرا
كانُوا أَجَلَّ مِنَ المُلُوكِ جَلالَةً ... وَأَعَزَّ سُلْطانًا وَأَفْخَمَ مَظْهَرا
الأزهر منذ قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م حتى الآن: لقد حدثت طفرة هائلة في التعليم الأزهري على كل مستوياته بعد قيام الثورة حيث كان عدد المعاهد الأزهرية في كل القطر المصري خمسة وعشرين معهدًا، ما بين ابتدائي، وثانوي، نظامي، وحر ولكن في عام ١٤٣٢هـ - ٢٠١١م اقترب عدد المعاهد الأزهرية من التسعة آلاف ابتدائي، إعدادي- ثانوي - انخرط للدراسة فيها نحو مليوني طالب وطالبة، أما جامعة الأزهر التي كانت تتكون من ثلاث كليات، فقد ازداد عددها بعد صدور القانون (١٠٣ لسنة ١٩٦١ م) لتصبح أكثر من "مائة كلية" حتى الآن، تشمل جميع التخصصات الشرعية والعربية، والعملية: من طب، وصيدلة، وعلوم، وهندسة، وزراعة، وتجارة، ولغات وترجمة، وتربية ... إلخ.
وبلغ عدد طلاب وطالبات هذه الكليات نحو أربعمائة ألف، أكثر من ثلثهم من الطالبات. وهذه الأرقام مصدرها سجلات الأزهر الشريف، وجامعته.
نظراً للمكانة العلمية الرفيعة، والسمعة الطيبة التي تمتع بها الأزهر الشريف على مستوى العالم؛ لوسطيته المعروفة في دراسة علوم الدين، والدنيا، فقد هرع إليه أبناء وبنات العالم الإسلامي؛ ليتزودوا بالعلم ليرجعوا إلى بلادهم، ويعلموا أهلهم، وقد تقبل الأزهر الشريف وجامعته هؤلاء الوافدين بحب وحنو، ويتكفل بإعاشتهم، وعلاجهم، وقبل ثورة يوليو ١٩٥٢م، كان هؤلاء الوافدون يقيمون في أروقة الأزهر التي بدأ إنشاؤها منذ عهد المماليك - كما سبقت الإشارة.. ولكن بعد الثورة ظهرت الحاجة إلى تطوير هذا النظام، فأنشئت (مدينة البعوث الإسلامية) في الدراسة بالقرب من الجامع الأزهر ١٩٥٤م، وتوالى بعدها إنشاء المدن الجامعية لكل الطلاب، وافدين، وغير وافدين، حتى بلغ عددها الآن أربعًا وعشرين مدينة في القاهرة والفروع تستوعب نحو ثلاثين ألف طالب وطالبة.
إن محاولات إصلاح الأزهر والقوانين التي صدرت لتحقيق ذلك الإصلاح طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الميلادي قد حققت نجاحًا كبيرًا، وحولت الدراسة في الأزهر من نظام الحلقات أمام الشيوخ حول الأعمدة إلى نظام الفصول الدراسية في مبان مخصصة لذلك، كما وضعت نظامًا للامتحانات أوصل الأزهر وجامعته مع آخر قانون صدر في سنة ١٩٣٦م إلى نوع متطور من التعليم المنظم المنضبط. ولما كان التطور من سنن الحياة، فقد طفرت حكومة الثورة بالأزهر الشريف طفرة هائلة؛ لأنها أدركت أهميته لمصر وللعالمين العربي والإسلامي، وأن نهوضه ورقيه يمثل لمصر رصيدًا هائلًا في العالم، فأولته عنايتها، وضاعفت ميزانيته، وكان صدور قرار مجلس الوزراء في سنة ١٩٥٤م بإنشاء (مدينة البعوث الإسلامية) بالدراسة للإسكان الجامعي للطلاب الوافدين من العالم الإسلامي بدلًا من الأروقة القديمة- كان ذلك دليلًا عمليًا على اهتمام النظام الجديد بالأزهر وطلابه؛ لخدمة الإسلام والمسلمين في العالم بأسره.
وفي سنة ١٩٦١ م، أصدرت الحكومة المصرية أهم قانون في تاريخ الأزهر وهو القانون (١٠٣)؛ لأنه - إضافة إلى ما تضمنه من إنشاء كليات جديدة للعلوم الحديثة كالطب، والصيدلة، والعلوم، والهندسة، والزراعة، والتجارة، واللغات الأجنبية- فقد فتح الباب واسعًا لتعليم البنات، بدأ بإنشاء كلية للبنات تجمع الدراسات العربية والإسلامية والإدارة والمعاملات، وتطورت؛ لتصبح فرعًا كبيرًا أشبه بجامعة مستقلة يدرس فيها الفتيات جميع العلوم الشرعية والحديثة، ولقد ارتكز ذلك القانون الذي عرف بقانون إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها على المبادئ الآتية:
أولًا: أن يدعم الأزهر ليظل أكبر جامعة إسلامية في العالم.
ثانيًا: أن يظل الأزهر كما كان منذ إنشائه حصنًا للدين والعروبة يرتقي به الإسلام، ويتجلى في جوهره الأصيل المتسامح، ويتسع نطاق العلم به على كل المستويات ليشمل كل علوم الدين، والدنيا.
ثالثًا: أن يتخرج فيه علماء حصلوا على كل ما يمكن من علوم الدين، والدنيا؛ ليسهموا في نهضة مصر والعالم الإسلامي.
رابعًا: أن يتحقق قدر مشترك من المعرفة والخبرة بين المتخرجين في المعاهد، والجامعة الأزهرية، وبين أقرانهم في الجامعات الأخرى في الوطن مع الحرص على الدراسات الدينية والعربية التي يمتاز بها الأزهر منذ إنشائه.
ولا يتسع المجال هنا للحديث عن ذلك القانون المهم بالتفصيل، ومن يريد المزيد يمكنه الرجوع إلى نص القانون، فهو موجود في مطبوعات الحكومة، ويكفي الإشارة هنا إلى الهيئات التي نص عليها وهي أربع:
أولًا: المجلس الأعلى للأزهر، ويتكون من الإمام الأكبر/ شيخ الأزهر، وتكون له رئاسته، ووكيل الأزهر، ومدير جامعة الأزهر، (تغير اللقب حاليًا فأصبح رئيس جامعة الأزهر)، وعمداء كليات الجامعة، وأربعة أعضاء من مجمع البحوث الإسلامية، ووكيل وزارة من كل من وزارة الأوقاف، والتربية والتعليم، والعدل، والمالية، ومدير الثقافة والبعوث الإسلامية، ومدير المعاهد الأزهرية، وثلاثة أعضاء على الأكثر من ذوي الخبرة في الشئون الجامعية من خارجه، وللمجلس الأعلى للأزهر اختصاصات كثيرة أهمها:
١- التخطيط، ورسم السياسة العامة لكل ما يحقق الأغراض التي يقوم عليها الأزهر، ويعمل لها في خدمة الفكرة الإسلامية العامة.
٢- رسم السياسة التعليمية التي تسير عليها جامعة الأزهر، والمعاهد الأزهرية.
٣ - النظر في مشروع ميزانية هيئات الأزهر.
٤- اقتراح إنشاء الكليات، والمعاهد الأزهرية، والأقسام العلمية.
ثانيًا: مجمع البحوث الإسلامية، وهو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية، ويقوم بالدراسة في كل ما يتصل بهذه البحوث.
ثالثًا: إدارة الثقافة، والبعوث الإسلامية، وتختص بكل ما يتصل بالنشر والترجمة، والعلاقات الإسلامية، من البعوث، والدعاة، واستقبال طلاب المنح، وغيرهم من ذوي العلاقة في نطاق أغراض الأزهر.
رابعًا: جامعة الأزهر: نصت المادة ٣٣ من القانون ١٠٣ لسنة ١٩٦١م على ما يأتي تحت عنوان جامعة الأزهر (تختص جامعة الأزهر بكل ما يتعلق بالتعليم العالي في الأزهر).
خامسًا: المعاهد الأزهرية: نصت المادة ٨٣ من القانون على ما يلي: تلحق بالأزهر المعاهد الأزهرية المذكورة في اللائحة التنفيذية، ويجوز إنشاء معاهد أخرى بقرار من الوزير المختص بعد موافقة المجلس الأعلى للأزهر، وتسمى الأقسام الابتدائية فيها المعاهد الإعدادية الأزهرية، وتسمى الأقسام الثانوية المعاهد الثانوية الأزهرية، معاهد البعوث الإسلامية يوجد في الأزهر ثلاثة معاهد لطلبة وطالبات البعوث الإسلامية الوافدين من مختلف البلاد الإسلامية للتعليم قبل الجامعي بالأزهر.
١ - معهد البعوث بالقاهرة للبنين.
٢- معهد البعوث بالقاهرة للفتيات.
٣- معهد البعوث بالإسكندرية للبنين.
ومجموع الطلاب في هذه المعاهد أربعة آلاف وخمسمائة طالب وطالبة.
أما عدد الطلاب الوافدين من البلاد الإسلامية الذين يدرسون في مختلف كليات جامعة الأزهر فيصل إلى نحو عشرين ألف طالب وطالبة تقوم الجامعة بإسكانهم، وإعاشتهم إعاشة كاملة مجاناً، هذا ولم يكتف الأزهر الشريف باستقبال أبناء المسلمين وبناتهم من العالم الإسلامي؛ لتلقي العلم في مصر على حسابه، بل ذهب الأزهر إلى أبناء المسلمين وبناتهم في بلادهم حيث أقام الأزهر عدداً من المعاهد الأزهرية على نفقته الخاصة، متحملاً كل التكاليف من مرتبات المدرسين، والكتب، وأعمال الامتحانات.. إلخ في البلاد الإسلامية، بل وفي البلاد غير الإسلامية التي يوجد بها أقلية مسلمة، وبلغ عدد هذه المعاهد طبقاً لإحصائيات البعوث الإسلامية تسعة عشر معهداً، لا يتسع المجال هنا للحديث عن المراكز البحثية التي تتبع الأزهر الشريف، وجامعته فهي كثيرة، ولا عن المدن الجامعية لإسكان الطلبة والطالبات، والتي بلغ عددها أربعاً وعشرين مدينة، تستوعب نحو ثلاثين ألف طالب وطالبة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
لم يصبح الأزهر الشريف منذ إنشائه سنة ٣٦١هـ- ٩٧٢م منارة علمية لعلوم الشريعة الإسلامية، واللغة العربية وآدابها فحسب، بل أصبح حصنًا وقلعة من قلاع الإسلام، وملاذًا لكل من يعاني الظلم من أبناء الشعب من جانب الحكام، والمماليك، وولاة العثمانيين الذين كانوا يجنحون إلى الظلم، ولم يخيب شيوخ الأزهر وعلماؤه أمل الناس فيهم، وكان تدخلهم السريع يمنع الظلم الواقع على الشعب من الحكام المستبدين، وهؤلاء الحكام كانوا يستجيبون لشفاعة علماء الأزهر، ولا يستطيعون مخالفتهم لما كانوا يتمتعون به من هيبة واحترام عند الحكام والمحكومين على السواء؛ لأن غالبيتهم كانوا فوق مستوى الشبهات، ولم يكونوا يسعون لمنافع شخصية، ولم يكن يغريهم التدخل في السياسة، وشئون الحكم إلا بالقدر الذي تدعو إليه الضرورة، واستجابة لاستغاثة المظلومين. [انظر: دور علماء الأزهر في الوقوف مع الشعب ضد ظلم الحكام للدكتور/ عبد العزيز محمد الشناوي: الأزهر جامعاً وجامعة ج١. ص ٣١١ وما بعدها، الطبعة الأولى، مكتبة النهضة المصرية ١٩٨٣م، القاهرة].
كما كان الأزهر الشريف في طليعة القوى المدافعة عن استقلال الوطن، وكرامته ضد كل المحتلين الأجانب، فدور الأزهر في القضاء على الحملة الفرنسية على مصر ١٧٩٨م- ١٨٠١م، ثم القضاء على حملة فريزر الإنجليزية سنة ١٢٢٢ هـ/ ١٨٠٧ م، ثم كان علماء الأزهر يتصدون ويؤيدون، ويشاركون في كل الثورات التي كانت تنادي بحقوق الشعب، فقد كان لهم دور بارز في ثورة أحمد عرابي سنة ١٣٠٠هـ/ ١٨٨٢م. [انظر: المرجع السابق ج٢، ص ٣٤١ وما بعدها، ٦٠١ وما بعدها).
وقائد الثورة نفسه كان أزهريًا، وكان للأزهر دور بارز أيضًا في ثورة سنة ١٣٣٨هـ/١٩١٩م ضد الاحتلال الإنجليزي، تلك الثورة العظيمة الفريدة التي قادها أحد أبناء الأزهر، وهو (سعد زغلول)، ومن فوق منبر الأزهر انطلقت أصوات الشيوخ، والقُسس، وتعانق الهلال مع الصليب؛ للتنديد بالاحتلال، وتأكيداً للوحدة الوطنية بين أبناء مصر من المسلمين والمسيحيين، وصفحات التاريخ ملأى بالدور المشرف للأزهر وعلمائه. [المرجع السابق بجزئية يعد أعظم مرجع في إبراز الدور السياسي والوطني للأزهر الشريف عبر التاريخ].
الرئيس جمال عبد الناصر يخطب من فوق منبر الأزهر سنة ١٣٧٦ هـ / ١٩٥٦ م.
اعترافًا بمكانة الأزهر، وأثره في مصر والعالمين العربي والإسلامي، وأن الكلمة التي تنطلق من فوق منبره يكون لها تأثير، ودوي هائل في العالم كله.
اختار الرئيس جمال عبد الناصر أن تكون كلمته إلى الشعب المصري، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، بل وإلى العالم أجمع من فوق منبر الأزهر الشريف أثناء العدوان الثلاثي الإنجليزي، الفرنسي، الإسرائيلي على مصر سنة ١٩٥٦م.
هذه الكلمة التي أعلن فيها تصميم الشعب المصري ومن ورائه الأمتين العربية والإسلامية على الدفاع عن أرض الوطن، وقال عبارته المشهورة (سنقاتل سنقاتل ولن نستسلم)، وقد تجاوب معه الشعب تجاوبًا كاملًا وكذلك الشعوب العربية والإسلامية، بل ومحبو السلام في العالم كله هذا - باختصار شديد - هو الأزهر في الحياة العامة في مصر.
رسالة الأزهر الشريف وجامعته هي رسالة الإسلام، وحضارته، والإسلام دين عالمي طبقًا لنصوص القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والواقع التاريخي، فعدد المسلمين في العالم اليوم يفوق المليار ونصف المليار نسمة طبقا لإحصائيات دولية.
والإسلام موجود في كل قارات الدنيا، والإقبال على اعتناقه يزداد يومًا بعد يوم، وعالمية الإسلام لا تعني فرضه على الناس بالقوة؛ لأنه: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ } [سورة البقرة: ٢٥٦]، وإنما معنى عالمية الإسلام أنه دين مفتوح لكل البشر دون قيود أو شروط، وفي نفس الوقت يحترم عقائد ومقدسات الآخرين، ويحقق الحرية الدينية لكل أصحاب دين يعيشون على أرض الإسلام، وفي المجال العلمي والحضاري كان الإسلام حريصًا منذ البداية على الانفتاح على الحضارات، والاستفادة منها لأقصى حد، فقد أخذ المسلمون دون تحرج من كل الحضارات التي كانت سائدة قبل الإسلام، فأخذوا من الحضارات المصرية والإغريقية والرومانية، والفارسية، والهندية، والصينية، وهذا مجال كبير كتب فيه الكثيرون ممن أرخوا الحضارة الإسلامية من المسلمين ومن غيرهم.
والأزهر الشريف سار على هذا المنهج الانفتاحي البصير على حضارات العالم، فمع أن الأزهر أقدم وأكبر جامعة في العالم الإسلامي، فقد كان حريصًا على الاستفادة من الحضارة الحديثة، ولم يجد غضاضةً في أن يبعث بعدد من أنبغ أبنائه؛ ليتعلموا في الجامعات الأوروبية، والأمريكية، فمنذ مطلع النهضة الحديثة التي بدأها محمد علي باشا في مصر في مطلع القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، كان اعتماده على أبناء الأزهر، وبعث بعضهم إلى أوروبا، وفي طليعة هؤلاء رفاعة رافع الطهطاوي الذي رافق أول بعثة علمية إلى فرنسا، والذي أصبح له شأن كبير في النهضة الحديثة، وعُدَّ إمامها بحق. [انظر: ترجمة رفاعة رافع الطهطاوي في الأعلام لخير الدين الزركلي، ج٣، ص٢٩ الطبعة السادسة. دار العلم للملايين-بيروت ١٩٨٤].
ولقد استمر هذا التواصل بعد الطهطاوي بين الأزهر وجامعات العالم المتقدم، فذهب كثير من أبنائه النابغين؛ لتلقي العلم في الغرب، وفي طليعة هؤلاء الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور/ مصطفي عبد الرازق الذي تولى مشيخة الأزهر بين سنتي ١٩٤٥/ ١٩٤٧م، والذي حصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية من جامعة السوربون في باريس.
وكذلك الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور/ عبد الرحمن تاج الذي درس الفلسفة الإسلامية، في نفس الجامعة، والإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور/عبد الحليم محمود والذي حصل أيضًا على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية من السوربون، والإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور/ محمد الفحام الذي حصل على الدكتوراة من السوربون في اللغة العربية، وكان موضوع رسالته (إعداد معجم عربي فرنسي للمصطلحات العربية في علمي النحو والصرف)، وقد نال برسالته إعجاب وتقدير أساتذته من المستشرقين، وقال له أحدهم: "ما أظن أنه وطئت أرض فرنسا قدم رجل أعلم منك باللغة العربية".
ومن هؤلاء العلماء الأزهريين الذين درسوا في جامعات الغرب، وعادوا ليتناوبوا منصب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور/ محمد عبد الرحمن بيصار، الذي حصل على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية من جامعة إدبنره في انجلترا (انظر: أخبار هؤلاء الشيوخ في كتاب مشيخة الأزهر. تأليف: علي عبد العظيم، طبع المطابع الأميرية بالقاهرة ١٣٩٨هـ- ١٩٧٨م). والدكتور محمد البهي الذي حصل على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية من ألمانيا، وكان أول رئيس لجامعة الأزهر في تنظيمها الجديد الذي أحدثه القانون ١٠٣ لسنة ١٩٦١م، ثم أصبح وزير الأوقاف، وشئون الأزهر. والدكتور بدوي عبد اللطيف عوض الذي حصل على الدكتوراة في التاريخ الإسلامي من جامعة إدنبره بإنجلترا، وأصبح رئيسًا لجامعة الأزهر، و الأستاذ الدكتور/ محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف الأسبق في مصر، والذي حصل على الدكتوراة في الفلسفة من ألمانيا، والإمام الأكبر شيخ الأزهر الحالي الأستاذ الدكتور/ أحمد محمد الطيب درس أيضًا الفلسفة في باريس، وهو يجيد اللغة الفرنسية، ولا ينبغي هنا أن نغفل واحدًا من أكابر علماء الأزهر الذين درسوا في فرنسا، وكان له حضور عظيم في مجال الفكر الإسلامي ذلك هو الدكتور / محمد عبد الله دراز- رحمهم الله أجمعين-.
هذه مجرد نماذج وأمثلة لتوضيح التواصل بين الأزهر، وجامعته وجامعات العالم، والقائمة طويلة، وهناك حاليًا المئات من أعضاء هيئة التدريس في الكليات العملية في جامعة الأزهر مثل: الطب، والصيدلة، وطب الأسنان، والهندسة، والعلوم، والزراعة، واللغات والترجمة.. إلخ الذين حصلوا على الدكتوراة من الجامعات الأوروبية، والأمريكية، والكندية، واليابانية وغيرها، بل حتى في الكليات الشرعية والعربية، هناك عدد كبير حصلوا على الدكتوراة من الجامعات الأجنبية، كل هذا يدل على أن الأزهر الشريف وجامعته منفتحتان على الحضارات الأخرى يأخذون، ويعطون دون حرج.
وطبقًا لسجلات الإدارة العامة للعلاقات الثقافية بجامعة الأزهر يوجد الآن أكثر من أربعمائة طالب وطالبة يحضرون للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة في مختلف العلوم في كثير من جامعات العالم.
هذا هو باختصار شديد دور الأزهر الشريف جامعًا وجامعة، وأثره في الحفاظ على التراث الإسلامي، وإثراء الفكر الإسلامي على مدى أكثر من ألف عام من عمر الزمن.
دخل الفاطميون مصر عام ٣٥٩هـ، وأسَّسوا مدينة القاهرة، وأنشأوا جامع الأزهر الذي بدأ الدراسة فيه على المذهب الشيعي، وبعد سقوط الدولة الفاطمية في ٥٦٧هـ، أُغلق الأزهر بقرار من الأيوبيين، ثم جددته المماليك في ٦٦٥هـ؛ ليصبح مركزًا علميًا عالميًا، واستمر الأزهر في أداء دوره بعد العثمانيين، والحملة الفرنسية، وظل منارة للعلم والدفاع عن استقلال الوطن حتى أصبح مركزًا رئيسيًا للتعليم في العالم الإسلامي.
أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.
أسرة كُردية الأصل بلغت أوج مجدها على يد صلاح الدين.
همُ الذين شنوا حملاتٍ عسكريةً أوروبيةً على الشرق الإسلاميّ.