تطورت الأساطيل البحرية في العالم الإسلامي بدءًا من تأسيسها على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، مرورًا بفترات ازدهارها في العصور الأموية والفاطمية، وصولًا إلى تراجعها في العصور اللاحقة بسبب الإهمال، والظروف السياسية.
تطورت الأساطيل البحرية في العالم الإسلامي بدءًا من تأسيسها على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، مرورًا بفترات ازدهارها في العصور الأموية والفاطمية، وصولًا إلى تراجعها في العصور اللاحقة بسبب الإهمال، والظروف السياسية.
كلمة أسطول يونانية الأصل Stolos، ویرى غالبية المؤرخين أن هذه الكلمة تعني: مجموع السفن المشتركة تحت قيادة لواء واحد، وقيادة واحدة.
ومن الحقائق التاريخية المعروفة أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الوالي على بلاد الشام هو أول من تنبه إلى أن الدولة الإسلامية الناشئة لا بد أن تكون لها قوة بحرية، وقد أدرك أهمية الأسطول في حماية ثغور البلاد، خاصة والروم قريبون منه في حمص، وفي القيام بعمليات بحرية هجومية ضد الدولة الرومانية الشرقية، صاحبة السيادة على شرقي البحر الأبيض المتوسط آنئذ.
وقد وافق الخليفة عثمان رضي الله عنه له على فكرة ضرورة ركوب البحر، ولكنه اشترط ألا يعمل فيه إلا المتطوعة، وبفضل هذا الأسطول نجح معاوية في ضم جزيرتي (قبرص ورودس)، كما غزا صقلية، وأرواد، وكريت بل ومضايق القسطنطينية سنة ٣٣هـ / ٦٥٣م.
وقد تواصلت هجمات الروم البحرية على مصر، ووصل عدد سفنهم في بعض الهجمات إلى ما يقرب من ألف مركب، لقيتها مائتا مركب للمسلمين ومع ذلك انتصر المسلمون في موقعة "ذات الصواري"؛ لكثرة صواري المراكب المجتمعة، وهذه يطلق عليها في المراجع الأوروبية "موقعة فونيكه غربي الإسكندرية المواجهة لساحل ليبيا القريب من فونيكس". [مقدمة ابن خلدون، ج ۲، ص٥٦٥، من طبعة علي عبد الواحد وافي].
وقد أوعز الخليفة عبد الملك بن مروان إلى حسان بن النعمان عامل إفريقية باتخاذ دار الصناعة بتونس؛ لإنشاء الآلات البحرية حرصًا على مراسم الجهاد، ومنها كان فتح صقلية أيام زيادة الأول ابن إبراهيم بن الأغلب على يد أسد بن الفرات شيخ الفتيا في أيامه، وفتح قوصرة أيضًا في أيامه، وبرغم ذلك توالت مهاجمة الروم بحريًا، وكان أخطرها الهجوم على (أشتون) بالقريب من (تنيس)، مما جعل الخليفة العباسي المتوكل يأمر ببناء الحصون في دمياط وتنيس والفرما، وأنفق على ذلك أموالًا عظيمة، ومن هذه اللحظة أصبح الاهتمام عظيمًا بأمر الأسطول، وتم إعداد السفن برسمه، وجعلت مرتبات غزاة البحر كمرتبات غزاة البر، وانتدب له مجيدو الرمي، واختير له القواد من العارفين بمحاربة العدو، واجتهد الناس في تعليم أولادهم ألوان القتال البحري، وكان لخدام الأسطول مكانتهم، ومنزلتهم، وكان من غزو الأسطول بلاد العدو ما قد شحنت به كتب التاريخ، وقد قام المسلمون بحملات بحرية انطلاقًا من السواحل الشامية والمصرية، وتحول البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة إسلامية.
لقد كانت أساطيل إفريقية والأندلس تتعاقب على بلاد النصارى في دولتي الفاطميين والأمويين، وانتهى أسطول الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر إلى مائتي مركب أو نحوها، وأسطول إفريقية كان قريبًا من ذلك، وكان قائد الأساطيل بالأندلس ابن (رما حس)، ومرفؤها للحط والإقلاع (بجاية فألمرية(، وكان يرجع أمر الأساطيل إلى قائد من النواتية، يدبر أمر حرب الأسطول، وسلاحه، ومقاتلته، ورئيس يدبر أمر جريه بالريح، والمجاديف، وأمر إرسائه في مرفئه، وكان هناك أمير واحد من أعلى طبقات أهل المملكة، يرجعون كلهم إليه، ثم يسرحهم؛ لوجهتهم، وينتظر إيابهم.
واشتهر سكان مصر بالمقدرة على بناء السفن، كما تم إنشاء دور لصناعتها في مصر، وبلاد الشام وتونس، وقامت مصر بتزويد الخلافة بالعمال، والملاحين، وخبراء البحر، وبما تحتاج إليه من سفن تم تصنيعها فيها، لقد أنشئت أول دار صناعة لبناء السفن بمصر سنة ٤٥هـ /٦٧٤م في جزيرة الروضة التي أصبحت تدعى جزيرة الصناعة أو جزيرة مصر، كذلك ازدهرت تلك الصناعة في القلزم "السويس وفي الإسكندرية"، وحرص المسئولون على توفير، وحماية أشجار السنط والقرظ أي: ثمر نفس الشجرة التي تحتاج إليها صناعة السفن.
وتذكر المصادر أن الوالي كان يدفع أجور العمال والملاحين مقدمًا، كما كان يفرض على الكور توفير قسم مما تحتاج إليه صناعة، وتنظيف السفن، والإسهام في توفير نفقات الملاحين الذين يقومون بإعداد الأسطول، بل وعمل والي مصر على إرسال ملاحين، وخبراء؛ للعمل في أسطول المغرب، وأسطول المشرق وهكذا كان أسطول مصر مزدهرًا من حيث العمليات والتنظيم والبناء في العصرين الأموي والعباسي.
وعندما استقل أحمد بن طولون بمصر، وتوسع في بلاد الشام، اضطر إلى حماية شواطئه، ومواجهة الهجوم البيزنطي، والمحافظة على الاتصالات البحرية بين مصر وبلاد الشام، فبنى حصن الجزيرة، وأكثر من بناء السفن، وعني بدور الصناعة خاصة، وعين لها مشرفين.
وقد قدم المؤرخ المصري (البلوي) معلومات عن الأسطول، وأنواع السفن التي شملت مائة مركب كبار، ومائة مركب حربية سوى (العلابيات والحمائم والعشاريات والصنادل وقوارب الخدمة).
ورغم هذا الاهتمام الطولوني، فإن السيادة البحرية كانت للأغالبة في بلاد الشمال الإفريقي، فقد تمكنوا من هزيمة أسطول بيزنطي، واستولوا على صقلية ومالطة، وأغاروا على السواحل الإيطالية، ووصلوا حتى إلى (أوروبا).
وقد امتدت العناية الطولونية بالأسطول لتشمل الأسطول التجاري، وأصبحت مصر من أهم مراكز التجارة العالمية، وعلت أهمية برزخ السويس، وأصبحت مدينتا الفرما والقلزم (السويس) أكثر المواني أهمية في ميدان التجارة العالمية.
وعندما جاء الإخشيد مصر، جاءها من ناحية دمياط بصحبة أسطول واصل مسيرته إلى جزيرة الروضة، ولكنه أنشأ صناعة السفن في ساحل الفسطاط في (دار الصناعة الكبرى)، واستمرت الصناعة أيضًا في جزيرة الروضة.
وفي العصر الفاطمي بلغ الاهتمام بالأسطول شوطًا واسعًا منذ النشأة ببلاد المغرب، وتضاعف عند انتقال الفاطميين إلى مصر حيث تم تأسيس ديوان الجهاد أو العماير، كما أقيمت دار للصناعة في )المقس)، وتم توفير الأخشاب اللازمة لبناء الأسطول، الأمر الذي مكن ذلك الأسطول من القيام بمعارك ناجحة شرقي البحر الأبيض المتوسط، وفي الشام ضد القرامطة، وفي إخماد حركات الثوار بمصر والشام، وفي المعارك البحرية ضد البيزنطيين، كذلك كان للأسطول الفاطمي دور مشكور في إنقاذ الثغور الشامية من هجمات الصليبيين، وفي إمدادها بالمؤن، والأقوات، وتميزت التنظيمات البحرية، وبرزت في عهد خلفاء تلك الدولة.
وواصل الفاطميون مسيرة الاهتمام بالأسطول التجاري، فعنوا بالطرق البحرية والنهرية داخل البلاد، وأسسوا مراكز للتجارة، ومنحوا اهتمامًا للتجارة الخارجية بينهم وبين الدولة البيزنطية، وبين المدن الإيطالية، وللتجارة مع الأقطار الإسلامية، ومع الشرق الأقصى والصين وبلاد ما وراء النهر، ويتضح من سجلات الأسطول أن قادته كانوا عشرة يعين أحدهم رئيسًا للأسطول، ويساعده المقدم والقاوش.
وكانت عدة الأسطول في زمن المعز لدين الله تزيد على ستمائة قطعة، وفي آخر الدولة الفاطمية صارت نحو ٨٠ شونة وعشرة مسطحات وعشر حمالات، وكان الرجال يحضرون إلى الأسطول بواسطة النقباء، وتقرر لهم المرتبات الشهرية والجرايات.
أما في الدولة الأيوبية فقد عني (صلاح الدين الأيوبي) بأمر الأسطول عناية لم يسبق إليها، ولم يلحق بها - اللهم إلا ما كان من أمر الظاهر بيبرس- فكان في القاهرة دور لصناعة السفن، وكان بناء الشواني والمراكب النيلية يتم في (دار خديجة) وفي دار الزبيب، وكان إنشاء الحربيات والشلنديات يتم بدار صناعة الجزيرة، وكان بها دهليز بمصاطب مفروشة بالحصر، وتمثل ديوان الجهاد، وقد ظلت هذه الصناعة عامرة بمصر إلى ما بعد سنة سبعمائة هجرية/ ١٣٠٠م.
ويؤكد علي مبارك أن دار صناعة السفن كانت من العمارات الفاخرة، وأن محلها تجاه قنطرة السد الموصلة على قصر العيني، وقد أقيم مكانها بستان ابن كيسان الذي يقع أوله عند زواية الحبيبي.
وقد خصص (صلاح الدين) إيراد الفيوم بمصر لهذه الصناعة، وهياْ لها أخشاب الغابات في البهنسا وفايد وصفط رشين والأسيوطية والأخميمية والقوصية حيث كانت أخشاب لا تُحصى من شجر السنط التي خصص حراس لحمايتها، فلا يؤخذ منها إلا لصناعة المراكب، وبلغ ثمن العود الواحد منها مائة دينار، وكان الديوان هو المتصرف الوحيد في القرظ الذي هو ثمر شجر السنط، كذلك أفرد صلاح الدين لديوان الأسطول ما يتم تحصيله من أموال التركات في مصر والحبس الجيوشي بالبرين والنطرون والخراج وساحل السنط واشناي وطندي وكلتاهما قرية بالصعيد، كما وجدت في بعض المناطق غابات كانت مصدر أخشاب بناء السفن والقلاع، كذلك خصص له إيراد النطرون الذي بلغ ثمانية آلاف دينار، ولم يكتف الملك الناصر بإصدار أوامره، بل باشر بنفسه العناية بالأسطول، والمواني، وترتيب المقاتلة بها في الإسكندرية وفي غيرها، وكان يحمل من الإسكندرية إلى دور الصناعة بمصر الخشب والحديد وما يلزم لعمارة الأسطول.
وفي سنة ٥٧٧هـ / ١١٨١م كتب صلاح إلى دمياط بترتيب المقاتلة على برجي دمياط والسلسلة بينهما، كما أنفق على سور تنیس شمال بحيرة المنزلة قرب بورسعيد الآن، وأكمل بناء برج بالسويس يسع عشرين قاربًا، ورتب فيه الفرسان، وشرع في بناء سور دمياط، وبرج بها، وبنى أربعة حراريق بمصر برسم بلاد اليمن كما أمر بتكسير أربعمائة عمود في الإسكندرية، وأن يُلقى بها على شاطئ البحر حتى يمنع تأثير الموج على سور المدينة، وحتى لا يستخدم مرسى السفن العدو.
ويقرر ابن خلدون أن صلاح الدين لما استرد ثغور الشام من النصارى، تتابعت أساطيلهم بصورة عجز عن مواجهتها، واضطر إلى طلب نجدة بحرية من أمير الموحدين الذي رفض طلبه؛ لأنه لم يخاطبه بلقب أمير المؤمنين، وهذا دليل على اختصاص ملك المغرب بالأساطيل.
ومن المقرر أن المسلمين في عهد الدولة الإسلامية قد غلبوا على البحر الأبيض المتوسط من جميع جوانبه وفتحوا سائر الجزائر مثل: ميورقه ومنورقه ويابسه وسردانيه وصقلية وقوصره ومالطة وإقريطش وقبرص، وافتتح مجاهد العامري صاحب دانيه جزيرة سردانيه سنة ٤٠٥هـ / ١٠١٤م، وملأت الأساطيل الإسلامية أكثر مناطق البحر الأبيض المتوسط عدة وعددًا، وتقلص الوجود النصراني.
والواقع أن صلاح الدين أدرك جيدًا أن سلامة مصر تعتمد إلى حد كبير على قوتها البحرية.
وقد أهمل الأيوبيون بعد صلاح الدين أمر الأسطول، وحدث نفس الشيء زمن المماليك حتى عهد الظاهر بيبرس، فلم يكن للمماليك نشاط بحري مع استثناءات قليلة، وكان موقفهم من البحر سلبيًا لأقصى حد، وذلك متوقع من مجتمع قوامه الفرسان خصوصًا بعد هزيمة أسطول بيبرس تجاه شواطئ ليماسول سنة ٦٧٠هـ / ١٢٧١م حيث كانت عدة المراكب من الفلاحين، والعوام، بل إن لقب الأسطولي كان سبة في أيام الأيوبيين بعد صلاح الدين.
لقد تلاشت صناعة السفن بسبب قلة وجود الأخشاب، والمعادن.
وقد أزال المماليك حصون سواحل الشام، وقد دمرت (تنيس) من المواني المصرية، وخربت دمياط ثم أعيد بناؤها، وإن حدث شيء من العناية بالإسكندرية.
لقد أصبح للدول النصرانية السيادة في المائة الخامسة، وضعف شأن الأساطيل بمصر والشام، وفي المائة السادسة قويت دولة الموحدين، واهتموا بالأسطول لأقصى درجة، وكان قائد أسطولهم أحمد الصقلي، ثم ابنه الذي وصلت الأساطيل الإسلامية على يديه من حيث الكثرة والجودة درجة متميزة.
وفي الدولة العثمانية شعر مواطنوها بحاجتهم إلى أسطول بحري، واطرد تقدم البحرية، واستولى العثمانيون على بعض الجزر، والموانئ، والتحق بخدمتهم خير الدين بربروسه أمير الجزائر، فوصل بالبحرية العثمانية إلى القمة، وتحققت انتصارات جعلت للعثمانيين السيادة على البحر الأبيض المتوسط، ولكن الضعف ما لبث أن لحق بالأسطول العثماني في نهاية القرن الحادي عشر الهجري السادس عشر الميلادي بسبب تولية القيادة لأُناس ليست لهم خبرة بحرية.
وتوالى الضعف حتى قضى على الأسطول العثماني، وجرت محاولات لاستعادة مجده، لكن شأن الأسطول أهمل تمامًا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني -۱۲۹٥- ١٣۲۷هـ /– ۱۸۷۸ – ١٩٠٩م، وجرت تطورات إلى أن ألغيت وزارة البحرية ٦٤٣١هـ / ۷۲۹۱م، وأصبح وزير الدفاع مسئولًا عن المسائل البحرية.
بدأت فكرة إنشاء الأسطول الإسلامي مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه؛ لحماية الدولة من الهجمات الرومية، وحققت الأساطيل الإسلامية نجاحات كبيرة في البحر المتوسط، وكان لمصر دور محوري في بناء الأساطيل، وصناعة السفن، وازدهرت هذه الصناعة في العصور الأموية والعباسية والفاطمية، ورغم تراجع الاهتمام بالأسطول في العصور المملوكية والعثمانية، فقد شهدت البحرية العثمانية ذروتها مع خير الدين بربروسه قبل أن تتراجع في أواخر العصر العثماني.
هو نظامٌ إداريٌّ فريدٌ أسس لَبِناتِ الدولة الإسلامية الحديثة.
ظهرت نواة الجيش زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تطلق دار الصناعة على صناعة السفن.