بعض
مظاهر الحضارة: لقد
شهدت البلاد خلال حكم أمراء الأغالبة عدة تطورات في مجال الحضارة والرقي منها:
في مجال الحياة الاقتصادية: مارس سكان البلاد ألوانًا مختلفة من
النشاط الاقتصادي، واشتغلوا بالعديد من المهن والحِرف، واشتغل بعضهم بالزراعة كما
احترف بعضهم مهنة الصناعة فضلًا عن اتخاذ بعضهم التجارة حرفة وعملًا.
وفي
مجال الزراعة: اشتغلت طوائف كثيرة من السكان بها، وقد ساعدهم على
ذلك طبيعة البلاد نفسها من سهول ساحلية، وسهول داخليةن تجرى فيها عدة أنهار، وكل
هذا دفع كثيرًا من القبائل إلى امتهان الزراعة، واستثمار الأرض، وهذا النشاط
الزراعي أثمر العديد من الحاصلات، والفواكه على اختلاف أنواعها، وحيث تتوافر
المراعي وما بها من أعشاب، وحشائش اشتغل السكان برعي الماشية والأغنام والخيول.
وفي
مجال الصناعة: اشتغلت طائفة من أهل البلاد ببعض الصناعات
اليدوية التي تتطلبها ضرورات الحياة اليومية، وساعد على قيام هذه الصناعات توفر المواد
الخام في أنحاء متفرقة من البلاد كالحديد، والنحاس، والفضة، والذهب.
وقد
برع السكان في صناعة الملابس الحريرية، وصناعة الأواني الخزفية، وصناعة السفن،
وصناعة السكر، وغيرها من الصناعات.
وفي مجال التجارة: شاركت
التجارة الداخلية، والخارجية في دفع عجلة الاقتصاد بالبلاد، وخاصة في الفترات التي
نعمت فيها البلاد بالهدوء والاستقرار، وقد ارتكزت التجارة بنوعيها على ما تنتجه
البلاد من حاصلات زراعية، ومواد مصنعة فضلًا عما يرد إلى أسواقها من منتجات
البلدان الأخرى، وما تصدره مدن المغرب من فائض إنتاجها، ومما يرتبط بالتجارة
الداخلية نظام الأسواق في مدن المغرب المختلفة؛ إذ انتظمت الأسواق بطريقة تبدو
متشابهة حيث انفردت كل صناعة بناحية معينة من السوق، ومن صادرات البلاد:
الزيت، والأغنام، والصوف، والعسل، والقمح، وغير ذلك من الصادرات، أما ما كانت
تستورده البلاد، فكانت المنسوجات القطنية، والعطر الندي، وبعض الأدوات
المنزلية.
وتشير
المصادر إلى أن فترة حكم إبراهيم بن الأغلب، وابنه زيادة الله (١٨٤هـ/٨٠٠م
إلى ٢١٠هـ/٨١٦م) من أزهى فترات دولة الأغالبة حيث ساد الرخاء الاقتصادي في
عهدهما، وضربت الدنانير والدراهم على نمط الطراز العباسي، كما دونت الدواوين مثل: ديوان
الخراج، وديوان الطراز، وغيرهما من الدواوين، وكان بلاط الأغالبة صورة مصغرة
للبلاط العباسي.
ومن
أعظم انجازات الأغالبة المعمارية: تجديد مسجدي
القيروان، وتونس وهما: مسجد عقبة بن نافع، ومسجد الزيتونة، فقد أدخل زيادة الله
بن الأغلب (٢٠١هـ/ ٨١٦م - ٢٢٣هـ/٨٣٧م) عدة تجديدات على مسجد القيروان، ورفع
قبته، ومئذنته، وأنفق في سبيل ذلك أموالًا كثيرة، كذلك قام زيادة الله
بتجديد وتوسيع جامع تونس، ولكن المنية أدركته قبل أن يكملها، فتولى إبراهيم بن
أحمد سادس أمراء الأغالبة بناء قبابه المضلعة، ووضع فيه أعمدة الرخام، وزيَّنه
بالزخارف والنقوش، والكتابات الكوفية الجميلة.
وإذا
كان بنو الأغلب قد اعتنوا بالمنشآت الدينية، فإنهم أيضًا اهتموا بالمنشآت العسكرية،
والمدنية، فبنوا الكثير من الأسوار، والأبراج للمدن وخاصة تلك المدن التي تقع على
الساحل، وذلك لصد غارات السفن المعادية، كما بنوا دارًا لصناعة السفن، ودارًا
لصناعة الأسلحة يضاف إلى ذلك اهتمام الأغالبة ببناء الرباطات التي شارك في بنائها السكان
فضلًا عن الأغالبة.
ومن
أبرز هذه الأربطة رباط سوسة، ورباط المنستير، والرباط عبارة عن طابقين يخصص الأول
منهما للمسجد، وقاعات الدرس، والاجتماع، والطعام، ويخصص الثاني للحراسة والعبادة والخلوة،
ويتولى الإشراف على هذا الرباط شيخ من أهل التقوى والورع والصلاح، وذلك لتنظيم
أموره.
كما
وجه الأغالبة عنايتهم لبناء صهاريج المياه، والصهريج عبارة عن خزان ماء فوق
الأرض، وذلك لتوفير المياه اللازمة لسكان البلاد، يضاف إلى ذلك اهتمامهم ببناء "المواجل"،
وهي عبارة عن أحواض مياه واسعة وعميقة، يتجمع فيها ماء المطر، وتعتبر مواجل
القيروان، وسوسة، وتونس من الآثار الجميلة.
ومما
يتصل بالنشاط العسكري أن وجه الأغالبة اهتمامهم إلى الأسطول، وبناء دور لصناعة
السفن العسكرية، والتجارية حيث شرع عبد الله بن إبراهيم، ومن بعده زيادة
الله الأول في بناء أسطول قوي، فبالإضافة إلى دار صناعة السفن في تونس،
أنشئت دار أخرى في مدينة سوسة، وترتب على ذلك أن وجه الأغالبة نشاطهم العسكري إلى
البحر المتوسط، وتوجوا ذلك النشاط بالاستيلاء على جزيرة صقلية في عهد زيادة
الله بن الأغلب، والحد من غارات الأسطول البيزنطي الذى اتخذ من صقلية قاعدة له؛
للإغارة على سواحل المغرب، ومن ثم قرر زيادة الله فتح صقلية (٢١٢هـ /٨٢٧م)،
وأسند قيادة الأسطول إلى أسد بن الفرات.
كان
الأسطول يتكون من نحو مائة مركب حربية، أما جنود الحملة، فقد بلغ عددهم نحو
سبعمائة فارس بخيولهم، وعشرة آلاف راجل، ودارت عدة معارك كان النصر فيها في ركاب
المسلمين، واستولوا على الجزيرة، وفي نفس الوقت حرص أمراء الأغالبة بعد زيادة
الله على توطيد نفوذهم، وحكمهم لجزيرة صقلية.
ومن ناحية أخرى فقد تطورت الحياة الفكرية في
أيام الأغالبة، وازدهرت العلوم الدينية، والعقلية بصفة خاصة، وانتشر التعليم،
وكثر عدد الطلبة الأفارقة في القيروان العاصمة الأولى للأغالبة، واتجه كثير من
علماء القيروان للدراسة في المدينة المنورة، والفسطاط، وبغداد، وخلال هذه الفترة
نشأ المذهبان اللذان عرفتهما إفريقية آنذاك: المذهب المالكي، والمذهب
الحنفي، وبدأت بينهما كثيرٌ من مجالس المناظرات.
وكان أسد
بن الفرات من زعماء المدرسة المالكية في القيروان معتمدًا في ذلك على موطأ
الإمام مالك، وهو أول من وضع أُسس المدرسة المالكية بكتابه "الأسدية"
إلى أن ألف الإمام سحنون كتاب "المدونة" في المذهب المالكي،
وفرضه على فقهاء إفريقية، وخاصة بعد وفاة أسد بن الفرات، وصار الإمام سحنون
زعيمًا للمدرسة المالكية في البلاد.
وقد
اشتغل الإمام سحنون بجانب منصب القضاء بالتعليم، وتخرج على يديه الكثير من
الطلاب المغاربة، والأندلسيين، وهناك علماء آخرون شاركوا في الحياة الدينية،
والفكرية، منهم: أبو عثمان سعيد ابن الحداد، وإبراهيم بن محمد الضبي،
وعبد الله بن طالب وغير هؤلاء.
وبجانب
المدرسة المالكية كانت هناك المدرسة العراقية أي: مدرسة المذهب الحنفي، وقد
برز منها مجموعة من العلماء منهم: معمر بن منصور، وسليمان بن عمران، وعبد
الله بن الأشج، وغيرهم، وقد امتاز نظام الدولة الأغلبية بترك الحرية للمدارس
الفكرية، ولم يحاول بنو الأغلب القضاء على أي مذهب بالقوة كما فعل الفاطميون فيما
بعد، وإن كان الأغالبة قد أظهروا كثيرًا من العطف على المدرسة المالكية بسبب تمتع المذهب
المالكي في بلاد المغرب بشعبية كبيرة.