Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بنو حماد

الكاتب

أ.د/ عبد الحليم عويس

بنو حماد

دولة بني حماد أسسها حماد بن بلكين، وامتدت لمدة قرن ونصف، من سنة (٤٠٥- ٥٤٧هـ) (١٠١٥- ١١٥٢ م)، وكانت حدودها على جزءٍ مما يُعرف الآن ببلاد الجزائر (المغرب الأوسط)؛ ولم تتعدّ حدودُ الدولة الحمادية الجزائرَ إلا في فترات قليلة من أيامها؛ حين امتدت شرقًا فحكمت تونس والقيروان وصفاقس والجريد وجزيرة جربة من تونس وازدهرت فيها الزراعة والصناعة والتجارة والعمارة.

أصول قبائل البرانس والبتر ونشأة الدولة البربرية المستقلة

ينتمي بنو حماد إلى البربر، والبربر جذمان كبيران هما: (البرانس والبتر)،

فأمَّا شعوب البرانس فعند النَّسَّابين أنهم يجمعهم سبعة أجذام وهي: أزداجة، ومصمودة، وأوربة، وعجيبة، وكتامة، وصنهاجة، وأوريغة، وقد زاد سابق بن سليم وأصحابه قبائل لمطة وهسكورة وكزولة. [العبر، ج٦، ص١٧٧]

 وأمَّا البتر، فقبائلهم المشهورة أربع: أداسة، ونفوسة، وضرية[وردت صنبرة وضربة وضريسة ]، وبنولوا الأكبر (بنو لواتة) [جمهرة أنساب العرب، ٤٩٧، والعبر، ج٦، ص٧٨ ١]

والخلاف بين البرانس والبتر خلاف جنسي محض، هذا الخلاف الجنسي باق إلى اليوم، والقرية المغربية لا زال فيها عنصران متباغضان أبدًا.. هذا التفسير.. يحمل شيئًا من المبالغة، فإن البرانس والبتر قد امتزجوا عبر التاريخ -على نحو تمازج القبائل العربية- على أنهما فرعان لشجرة واحدة.

لم يقدر للبربر أن يظهروا على مسرح التاريخ المغربي كدول ذات كيانات سياسية مستقلة إلا في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وإن كانت النزعة القومية قد أبرزت وجودها في غير موقف قبل هذا التاريخ فإلى جانب الثورات المستمرة التي لم يكُفُّوا عن القيام بها ضد سياسة الولاة العرب الذين جعلوا من أنفسهم أرستقراطية عسكرية [ مقدمة رياض النفوس للمالكي دكتور حسين مؤنس، ص٤] ، إلى جانب هذا فقد دعمت النزعة البربرية حركات فكرية يتبناها دعاة بربريون، حتى بلغ الأمر أن ألَّف مُدَّعٍ للنبوة منهم هو: (صالح البرغواطي) الذي ينتمي إلى برغواطة إحدى قبائل مصمودة، قرآنًا بالبربرية دعا إليه الناس[جمهرة أنساب العرب، ٥٠، والاستبصار، صـ١٩٧، وما بعدها، وأعمال الأعلام، ٣/١٩٧، وكتاب البربر للكعاك، ص٨٨ ]، والشيء الجلي أنَّ انتقال الفاطميين إلى القاهرة سنة (٣٦١هـ/٩٧٢م)  [ ذكرت دائرة المعارف الإسلامية (ج١ ١، ص ٢١- ٢٢، مادة زيري) أن المعز غادر إفريقية، سنة ٣٦٣هـ، والصحيح الذي أشارت إليه المصادر التي وقعت في أيدينا أنه غادرها أواخر ذي الحجة سنة ٣٦١هـ، ووصل مصر، سنة٣٦٢هـ، لم نجد التاريخ الذي ذكرته الدائرة، غير أن ناصر خسرو ذكر أن جيش المعز عَبَر النيل، سنة٣٦٣هـ. لكنه تناقض مع نفسه فذكر عرضًا أن دخول المعز كان سنة ٣٦١هـ، والصحيح أن جيوش المعز دخلت القاهرة، سنة٣٥٨هـ، وأن المعز دخلها سنة ٣٦٢هـ ( ٤٧٦ سفر نامة)، وانظر : وفيات الأعيان: ٤/٣١٤] كان هو الحدث الذي أدَّى إلى انتهاء الحكم العربي في بلدان المغرب، وحلت محله دول بربرية عربية [المنزع مراكز الثقافة في المغرب للكعاك، صـ ٢، ومقدمة رياض النفوس، ص٧، والإسلام لِنري ماسيه، ص٨٢]  وكان فاتحة هذا العهد البربري بلقين (بلكين) ابن زيري بن مناد الصنهاجي بعد انتقاله حين استخلفه المعز لدين الله الفاطمي على إفريقية والمغرب ( المغربين الأوسط والأدنى) وجعل خاتمه في يده[ أعمال الأعلام: ٣/٥٩ والحلة السيراء٢/٣٩٣، ومقدمة رياض النفوس، ص١٩، والجزائر في مرآة التاريخ، عبد الله شريط، ٦٦، وانظر كتاب الجزائر أحمد توفيق المدني، ص٢٧] ويصور لنا غير واحد من المؤرخين هذا الحدث الضخم بأسلوب يكاد يكون مكرورًا؛ فابن خلدون، وابن الخطيب، وابن الأثير وابن العربي، وابن خلكان، وابن ظافر، وغيرهم" من المتأخرين والمتقدمين.. يكادون يتفقون على أن (زيري) وولده (بلكين) كانت لهما يد كبيرة في تثبيت دعائم الفاطميين في المغرب، وفي القضاء على الثائرين في المغرب الأقصى، وفي مسيلة من الأمويين والخارجيين والبرابرة الموالين لهؤلاء أو أولئك، فلما صرف المعز اهتمامه إلى الرحلة للمشرق وإلى من يخلفه وراء ظهره في المغرب، فاز بلكين بن زيري زعيم صنهاجة باختياره لهذه الخلافة. [العبر، ج٦، ص٧ ١ ٣، والإحاطة من ٤٣٩، وخطط المقريزي ١٦٥/٢، ومقدمة رياض النفوس، والجزائر في مرآة التاريخ للأستاذ عبد الله شريط، ص٦٦، وغيرها]، وكان استخلافه على إفريقية يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة ٣٦١هـ/٩٧٢م. [وفيات الأعيان، ج١، ص٢٥٧].

بعد أن عقد "المعز لزيري"، ومنحه أعطيات سخية، أوصاه بثلاث: ألا يرفع الجباية عن أهل البادية، ولا السيف عن البربر، وألا يُوَلِّيَ أحدًا من إخوانه وبني عمه، وكان هذا آخر عهد المعز والفاطميين بالمغرب، وسار المعز يريد الديار المصرية فاستوسق ليوسف أبي الفتوح - (بلكين) بن زيري مُلْك كبير، وكان هذا الحدث بداية قيام الدولة البربرية المستقلة. لقد نجح بلكين بن زيري الموالي للفاطميين النازحين إلى مصر في القضاء على محاولة زناتة بالمغرب الأقصى بقيادة زيري بن عطية المغراوي الزناتي، تكوين دولة في فارس وما حولها تابعة للأمويين بالأندلس، كما أنه قد تمكن من الاستيلاء على فاس وسجلماسة الجنوبية وما جاورهما وطرد عمال بني أمية؛ كما أن بلكين هذا قد نجح سنة٣٦٩هـ - ٩٧٩ م في طرد أمراء مغراوة كمحمد بن الخير، ومقاتل وزيري ابني عطية وخزرون بن فلفول من المغرب الأوسط و(الجزائر) كذلك. [صبح الأعشى، ج٥، ص١٨٥].

ولقد وَلَّى بعد ذلك ابنه المنصور وسلم له فيه إخوته (حماد وأبو البهار ويطوفت)، وبويع بالإمارة في مسجد القيروان، وكانت بينه وبين زناتة حروب عظيمة، وكان أخواه (حماد ويطوفت) يتداولان عمل أشير، وعمه أبي البهار بتاهرت، لكن في عهد المنصور هذا ظهرت جلية بوادر الانشقاق الداخلي لدولة بني زيري - فقد خالف أبو البهار بن زيري والي تاهرت أخاه المنصور سنة ٩٧ ٣هـ /٩٩٩م [العبر، ج٦، ص٣٢١].

ولئن كان المنصور قد نجح في القضاء على حركة أخيه، ونجح في احتوائه بإحسانه ومعروفه، [العبر، ج٦، ص٣٢١]، فإن زناتة كانت لا تزال ترقب الأحداث منتظرة أية فرصة مواتية، وقد اضطر المنصور إلى الدخول معها في صراع طويل استعان فيه بأخيه ذي الخبرة والشجاعة والجرأة على سفك الدماء حماد بن بلكين بن زيري.

قيام الدولة الحمادية ودور حماد بن بلقين في تأسيسها

ومن خلال الحروب مع زناتة استطاع حماد أن يبرز نفسه كقائد لا تستغني عنه دولة صنهاجة الزيرية التي نجحت في عهد المنصور في أن تستولي على فاس وسجلماسة عام ٣٦٩هـ/٩٧٩م من زناتة [دائرة المعارف، ٤/١١٤مادة بلكين]، ولذا كان حماد أبرز الأسماء التي وجدها أمامه باديس الذي تولى الأمر بعد وفاة أبيه المنصور سنة٣٨٦هـ ا٩٩٦م ليستعين بها في حروبه التي أصبحت - وكأنها ميراث تقليدي- مع زناتة البتر الموالين لبني أميه في الأندلس، على أن باديس بن المنصور قد واجه أيضًا خروج أعمام أبيه عليه زاوي وجلالة وماكسن [العبر، ٣٢٢/٦، والإحاطة ٤٣٩ ، وقد ذكر ابن الخطيب في أعمال الأعلام ٧٨/٣ أن هؤلاء أعمام المنصور وأنهم خالفوا عليه، والحق أنهم- كما ذكر ابن الخطيب نفسه في الإحاطة- أنهم إخوة للمنصور ولحماد، وأنهم إنما خرجوا على باديس بن المنصور]، وتكدست الأطماع فيه لصغر سنه، فذهب بعض أعمام أبيه إلى استضعافه.

وقد كان حماد [أعمال الأعمال، ج٣، ص٦٩- ٧٠، وانظر: العبر، ج٦، ص٣٤٩]، داهية فاستثمر كل هذه الظروف لحسابه، وعندما أراد باديس- إنهاضه لحرب زناتة اشترط عليه شروطًا كثيرة تشطط فيها حماد [أعمال الأعمال، ج٣، ص٦٩- ٧٠، وانظر: العبر، ج٦، ص٣٤٩] تتلخص في:

السماح له بإقامة دولة شبه مستقلة في المغرب الأوسط (الجزائر) وتم الاتفاق بينهما على ذلك، وبهذا العقد السياسي بين باديس وعمه حماد.. تم التوصل إلى البناء القانوني النظري للدولة الحمادية (٣٩٥- ٥٤٧هـ)، (١٠٠٤- ١١٥٢ م)، وتغيرت الوضعية السياسية للمغرب العربي- في هذه الفترة من تاريخه- على هذا النحو المذكور، ويُعَدُّ التاريخ الرسمي والعملي لقيام الدولة الحمادية هو عام ٤٠٥هـ/١٠١٤م. لكن الفترة الممتدة من سنة ٣٩٥ إلى ٤٠٥هـ (١٠٠١- ١٠١٥م) كانت الفترة الحاسمة التي تمخض عنها قيام الدولة.

النسب والخلافات التاريخية حول أصل قبيلة صنهاجة

يرجع نسب حماد بن بلكين- مؤسس الدولة الحمادية - إلى زيري بن مناد بن منقوش بن (صنهاج) الأصغر بن صنهاج الأكبر، وقبيلة صنهاجة [تنطق بضم الصاد، وكسرها وسكون النون وفتح الهاء وبعد الألف جيم نسبة إلى صنهاج، قال ابن دريد: هي بضم الصاد، وفيات الأعيان، ج١، ص ٢٤١- وقد أخذ ذلك صاحب شذرات الذهب، ج٣، ص١٧٩] نسبة إلى صنهاج، وهو أحد أبناء برنس بن برّ بن مازيغ بن كنعا بن حام بن نوح [جمهرة أنساب العرب، ٤٩٨، العبر، ج٦، ص٠٩ ١. ١٠٨] وقد نشأ خلاف كبير بين المؤرخين والنَّسَّابة حول أصل صنهاجة، وهل هي عربية من حمير كما يرى ابن الكلبي والطبري [انظر: العبر، ٩/٦-٠٣ ١٩] وابن خلكان [وفيات الأعيان، ج١/٢٤٠- ٢٧١]، وابن الأثير [٢١ الكامل،٨/٦٢٣] حيث ذكر أن بلكين بن زيري حميري) وابن تغزي بردي [النجوم الزاهرة، ج، ص٤ه٤، فقد جعل المعز بن باديس حميريًا] وغيرهم من المتأخرين [دكتور حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي، ج٤ ، ص٢٩ ،١١٥. - ١٤ ٤- موسوعة التاريخ] وعند هؤلاء أن صنهاجة - بهذا - ترجع إلى صنهاج بن المثنى بن المنصور بن مصباح بن عصيان بن مالك بن عامر بن حمير الأصغر، من سبأ [العبر، ٠٣١٠/٦] ويرى بعضهم أنها قبيلة عربية لكنها ترجع إلى قيس عيلان [حكى هذا ابن حزم في الجمهرة، ص٤٩ ، وابن خلدون في العبر، ٦/٣١٠، وانظر المؤنس، ص٧٣] ويرى فريق آخر كابن حزم (الجمهرة ٤٩٥) وابن خلدون [العبر، ٩٢/٦ ١- ٣١٠، ومن الغريب أن ينسب الدكتور حسن إبراهم على ابن خلدون أنه أيد حميرية صنهاجة مع أن ابن خلدون يقول صراحة بعد أن تحدث عن الخلاف في نسب صنهاجة وكتامة: (وعندي أنهم من إخوانهم أي من البربر) انظر: العبر، ٦/١٩٢، وكتعليقه على الذين نسبوا صنهاجة إلى حمير بقوله: (وليس كما ذكر) انظر: العبر ٦ /٣١٠، وقد اضطربت عبارة الدكتور سعد زغلول عبد الحميد (تاريخ المغرب العربي ١ ٣) فرأى أولًا أن ابن خلدون يكاد يميل إلى اعتبار صنهاجة من اليمن، ثم عاد ثانية فرأى أنه يتمسك بكونها من البربر، وقد استعمل الدكتوران حسن إبراهيم وسعد زغلول عبارة (يكاد النسابة يتفقون على أنها من حمير) والحق أن أكثر النسابة يرون أنها من البربر. ٢٧] وغيرهما من المتأخرين، [السلاوي: الاستقصا، ٢/٣، وإقبال موسى: المغرب الإسلامي، ١٧، والدكتور حسن أحمد محمود: قيام دولة المرابطين، ٣٧، ودائرة المعارف الإسلامية،١٤/٣٥٩] أنها قبيلة بربرية وليست عربية.. وابن حزم يُعلل رفضه لنسبتها العربية بأن النسابين لم يعلموا لقيس عيلان ابنًا اسمه برّ أصلًا، وبأنه لم يكن لحمير طريق إلى بلاد البربر [٢٩ الجمهرة، ٤٩٥، وقد ذهب إلى مثل هذا البلاذري في فتوح البلدان، ٢٦٥]

وأكاد أميل إلى الرأي الأخير على الرغم من وجود هجرات فينيقية سامية دخلت بلاد البربر قبل الإسلام.. لكن الشيء الذي لم يمكن إثباته بعد، هو: لماذا نفترض أن صنهاجة وكتامة هما اللذان وفدا إلى المغرب؟ ولماذا لا تكون هذه الهجرات جماعات سامية متناثرة اختلطت بالدم البربري كله، ولم تحتفظ لنفسها باستقلال جنسي معين؟ وهو الشي الذي نراه.

ويرى الدكتور حسن أحمد محمود -بحق- في هذه النسبة العربية التي كانت صنهاجة تشيعها حول نفسها، رغبة من صنهاجة في أن تقف على قدم المساواة مع القبائل العربية حتى تستطيع المشاركة في الحياة السياسية الجديدة، التي أظلت المغرب بمجيء العرب (قيام دولة المرابطين، ص٣٧.).

ويؤكد الدكتور قوله بما ذهب إليه جوتيه وفورنل من أن هذه النسبة لا تحمل إلا ظلال تأثيرات فينيقية سامية خضعت لها صنهاجة قبل الإسلام، وتهيأت بها لتلعب دورها الزاهر الذي اضطلعت به في تاريخ البلاد [نقلًا عن قيام دولة المرابطين، ص٨ ٣] فصنهاجة -في حقيقتها- بربرية، ترجع إلى صنهاج بن برنس بن برّ. فمن صنهاجة هذه.. انحدرت الدولة الزيرية التي كانت الأسرة الحمادية أحد ضلعي الحكم فيها.

وقد أطلق على صنهاجة الزيرية صنهاجة الشرقية أو صنهاجة الشمال ويسميها ابن خلدون بالطبقة الأولى أو الجنس الأول (العبر، ٣١٢/٦] وكان حماد بن بلقين واحدًا من أحفاد زيري أشهر أمراء صنهاجة.

شخصية حماد

 امتاز حماد - مؤسس الدولة الحمادية بمجموعة من الصفات التي يرجع بعضها إلى العامل البيئي، وبعضها إلى العامل الوراثي، وبعضها لا يمكن القول فيه إلا أنه اضطرته إليه ظروفه كمؤسس دولة.

وحماد من خلال هذه الصفات يكون شخصية طموحة عنيفة، لا يصدها عن غايتها عاطفة أو قانون أخلاقي أو دين، فهو لا يعرف -فيها- رحمة.

وفي الحق فإن هذه الخلة من خلال حماد، كانت سمة كثير من ملوك صنهاجة الزيريين، فهكذا كان عمه زاوي بن زيري [انظر الذخيرة لابن بسام، القسم الأول المجلد الثاني، ٩٩، وانظر الإحاطة ٤٤٤، والمغرب في حلى المغرب، ٦ /٠٦ ١] وهكذا كان حبوس بن ماكس بن زيري، وباديس بن حبوس [انظر: المغرب في حلى المغرب ٠٧/١٢] ولعل جو الانقسام والصراع على السلطة والحروب المستمرة والعصبية كان أحد العوامل التي شكلت نفسية كثير من زعماء هذه القبيلة.

ونحن لم نعرف من تفصيلات حياة حماد قبل ظهوره على مسرح التاريخ ما يعيننا على تفسير أخلاقياته تفسيرًا كاملًا ودقيقًا، وكل ما وصلنا عن هذه الحياة هو أنه قرأ الفقه في القيروان ونظر في كتب الجدل [أعمال الأعلام، ج٣، ص ٧١- ٨٥]، ونحن لم نعرف كذلك متى ولد ، لكنا نعرف على وجه الترجيح أنه توفي في شهر رجب سنة ٤١٩هـ/١٠٢٨م [المرجع السابق، ٣ /٨٦، والعبر ٦ /٣٥٢، والمغرب العربي رابح بونار ٢٠٨، وقد ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث، سنة ٤١٧، أن فيها توفي حماد، كما ذكر الجيلاني في تاريخ الجزائر العام، ج٢٦٤/١- أن حمادًا حوصر من المعز سنة ٤٣٢هـ، وإن كان في مكان آخر من كتابه ذكر أنه مات سنة ٤١٩هـ (٣٦٦)، انظر: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي، ص٠ ١ ١ ] ولقد تواترت المصادر التي تحدثت عن أخلاقه، فقد وصفه ابن الخطيب بأنه كان نسيجَ وحده وفريدَ دهره، وفحلَ قومه، ملكًا كبيرًا وشجاعًا ثبتًا وداهية حصيفًا [أعمال الأعلام ٨٥/٣] ووصفه صاحب (الاستبصار) بأنه كان ذا دهاء وفطنة وتجربة في الحروب، وكانت له فراسة وذكاء [الاستبصار، ص٦٨ ١ ، نشر وتعليق د. سعد زغلول عبد الحميد، مطبعة جامعة الإسكندرية،١٩٥٨م] وأكدت المصادر التي تحدثت عن أخلاقه الحربية، وعن فراسته وذكائه، رأيها فيه بحكايات تكاد تكون مكرورة في كل ما بين أيدينا من مصادر.

فمن المحفوظ عن ذكائه أن رجلًا شيخًا خرج مع امرأته من بعض البلاد (قلعة بني حماد) عاصمتهم الكبرى، وفي الطريق تواطأت المرأة مع شاب على الزعم بأنها زوج الشاب -حين تصل القلعة- وبأنها لا علاقة لها بالشيخ، وقد استطاع حماد كشف الحقيقة حين رفع إليه الأمر بواسطة الكلب الذي يصحبهم، اعتمادًا على إلفة الكلب للشيخ دون الشاب.

العلاقات الخارجية للدولة الحمادية مع الأندلس والمسيحيين وتأثيرها الثقافي

الدور العملي في بناء الدولة

 لقد أمضى حماد عشر سنوات كاملة (٩٥ ٣-٤٠٥هـ/١٠٠٤-١٠١٤م) وهو يعمل على تحقيق شخصية دولته، وإذا كان حماد قد نجح في زحزحة زناتة وفي بعثرتها، بحيث لم تقم لها قائمة في المغرب الأوسط، باستثناء ناحيتي ما بعد تاهرت والمسيلة شرقًا، فإن هذا كان تحقيقًا - من جانبه - للأساس المهم الذي قام عليه العقد السياسي بينه وبين باديس، وبالتالي فقد بدأ حماد يشعر بأن من حقه أن يبدأ في تدعيم شخصية دولة مستقلة -في إطار الزيريين- له ولأبنائه.

وكانت أولى خطواته في هذا المجال بناء القلعة وتمصيرها، وكان حماد يتردد بين أشير (عاصمة حماد الأولى) والقلعة (العاصمة الثانية)، وقد نجح خلال هذه الفترة في أن يكون أقوى شخصية في الزاب والمغرب الأوسط كله.

ومن الملاحظ أنه في مرحلة تالية - وهي مرحلة التحضر والانفتاح والاتساع- سيتكون للدولة الحمادية عاصمة ثالثة مشهورة وهي مدينة بجاية التي أسسها الأمير الحمادي الخامس (الناصر بن علناس) حوالي سنة ٤٦٠ هـ/١٠٦٧م، وستصبح هذه العاصمة الثالثة من أشهر مدن الجزائر وبها تعرف الدولة الحمادية، بناء على الازدهار الحضاري الذي تمتعت به بجاية.

١-  علاقة الحماديين بالأندلسيين

نستطيع القول: إنه لم تكن هناك صلات مباشرة بين الحماديين والأندلسيين، ومع ذلك فإن الحماديين قد مثلوا -بالنسبة للأندلسيين- لا سيما في فترة الازدهار الحمادي -ملجأ سياسيًا مهمًا، وقد بقيت الجزائر وحدها تمثل لهم المرفأ الحنون في المغرب العربي، فالمغرب الأقصى كان تابعًا للمرابطين، ودولة بني زيري كانت منهمكة بمشاكلها مع العرب ومع النورمان.

ونحن نلمح هنا وهناك من الأحداث ما يؤكد هذه الحقيقة. فابن خلدون يروي لنا أن علي بن مجاهد العامري صاحب دانية؛ عندما فرَّ أمام ابن الحاج قائد يوسف بن تاشفين، لم يجد أمامه ملجأ إلا بجاية، ونزل على الناصر بن علناس فأكرمه، كما يحدثنا غير واحد من المؤرخين، على رأسهم عبد الله بن بلكين آخر ملوك بني زيري بغرناطة، عن لجوء معز الدولة بن المعتصم بن صمادح -حاكم المرية- إلى بجاية بإشارة أبيه عليه أن ينجو بنفسه إلى القلعة، إذا استولى يوسف بن تاشفين على المُرِّيَّة ، وعندما وصل معز الدولة هذا إلى الجزائر أكرمه صاحب القلعة المنصور؛ وأمَّنَه في ذخائره؛ وأكرم ضيافته؛ وخَيَّره حيث يحب السكنى، فاختار (تدلس) على البحر وكان ذلك في رمضان سنة ٤٨٤هـ/١٠٩١م.

ولقد كانت بجاية - على وجه الخصوص- بموقعها الساحلي والمركز الممتاز الذي احتلته في الدولة الحمادية؛ بابًا لإيجاد علاقات مع أسبانيا، لا سيما في مجالي الاقتصاد والعمران، وبديهي أنه من الصعب أن نفرق تفرقة حاسمة بين العلاقات الاقتصادية والسياسية، فلكل منهما بالآخر كبير صلة، وجدير بالذكر أن العنصر البربري - الذي رحل إلى الأندلس مع بروز الحكم البربري للمغرب الأوسط وإفريقية بقيادة صنهاجة، هذا العنصر – الذي كان حماد مؤسس الدولة نفسه- سببًا في هجرته تلك؛ كان أحد طرائق الاتصال بين الجانبين.

٢-  علاقة الحماديين بالمسيحيين

تعاونت عدة عوامل على تحديد نوعية علاقة الحماديين بالمسيحيين، وكان موقع الدولة الحمادية وسط الدول الموجودة في المغرب، وكحاجز بين المرابطين والنورمان؛ أبرز العوامل في تحديد نوعية السياسة الحمادية المسيحية، وبما أن العلاقات المغربية الداخلية القائمة بين دول المغرب، كانت علاقات تفكك وصراع في أغلب أحايينها، لذا لم يحاول الحماديون فتح باب جديد من أبواب الصراع على أنفسهم، وقد استغل الغزو المسيحي هذه النقطة، فحاول جهده تعميق علاقات الود بينه وبين الحماديين، وعدم تهييجهم.

لقد أقام الناصر بن علناس علاقات ودية مع البابا جريجوري السابع ومدن الساحل الإيطالي، وكان مما توصل إليه جريجوري والناصر إقامة أسقفية في بونة (عنابة)، وترك للنصارى الموجودين في بونة حرية انتخاب أسقفهم، وقد انتخبوا أسقفًا يُدعي سرفاند صادقَ الناصر على تعيينه، وكان الحماديون أكثر إيجابية من المسيحيين في هذا السبيل، فإن المسيحيين غدروا بهم وعاملوهم بقسوة.

٣-  الملامح العامة لحدود الدولة

تعرضت حدود الدولة الحمادية -على امتداد تاريخها- لعديد من التغيرات المتتابعة، فقد وضعت حدودها -في المرحلة الأولى- على أساس ملكية مشاعة قابلة للتعديل بحسب جهود منشئها، كما نص على ذلك العقد السياسي والصلح حين ذكر كل منهما أن لحماد مؤسس الدولة- ما يفتحه من بلاد المغرب، كما أن طبيعة العلاقات السياسية كانت تخضع -في ذلك الحين- لمستوى الدولة نفسها ولمقدرتها على حماية حدودها، ووفقًا لهذين العاملين كانت الدولة الحمادية تتذبذب إنْ جَزْرًا وإن مَدًّا، على أن السِّمَة الغالبة على هذه الحدود هي أنها جزء مما يعرف الآن ببلاد الجزائر (المغرب الأوسط)، ولم تتعدَّ حدودُ الدولة الحمادية الجزائرَ إلا في فترات قليلة من أيامها، حين امتدت شرقًا فحكمت تونس والقيروان وصفاقس والجريد وجزيرة جربة من تونس؛ ولم يتح لها أن تحكم هذا الجزء المضاف إليها حكمًا حقيقيًا، كما أن الدولة كانت توشك- في أثناء هذه الفترة- على الدخول في مرحلة الأفول.

 دام عمر الدولة الحمادية ما يقرب من قرن ونصف القرن منذ اختط حماد القلعة إلى سقوط الدولة بيد عبد المؤمن بن علي، الزعيم الديني المغشوش الفكر للمهدي بن تومرت الذي بطريقة دموية قضى على المرابطين السُّنَّة الذين قدَّموا خدمات جليلة للإسلام في المغرب والأندلس، وكان هذا المهدي يدعي علم الغيب وأنه المهدي ويعتمد على شعوذة وحِيَلٍ كثيرة في جذب الناس إليه.

بيد أن العمر الذي استقرت فيه الدولة، كدولة ذات كيان سياسي محدد معترف به في المغرب العربي وغيره، يمتد من سنة (٤٠٥- ٥٤٧هـ) (١٠١٥- ١١٥٢ م)، إذ إن الفترة الممتدة من (٣٩٥- ٤٠٨هـ) كانت فترة صراع من أجل إرساء دعائم مشروعية قيام الدولة وانفصالها كدولة مستقلة، وقد حكم الدولة على امتداد هذه الفترة تسعة أمراء اختلفوا قوة وضعفًا وأسلوبَ حُكْمٍ، وقد كان حماد مؤسس الدولة هو أول أمرائها ، ثم خلفته ذريته من بعده إلى أن جاء يحيى بن العزيز الحمادي(٥١٥- ٥٤٧هـ/١١٢١- ١١٥٢م) فكان تاسع وآخر أمراء هذه الدولة، ومن البديهي أن حماد بن بلقين (مؤسس الدولة) يتحمل أكبر قسط في مرحلة الصراع سواء مع الزيريين أو مع زناتة التي امتدت- دون أن تدخل الدولة في مرحلة الاستقرار النسبي الذي سمح لها بشيء من الإبداع الحضاري في بجاية- ما يزيد على ستين سنة (٣٩٨- ٤٦٠هـ/١٠٠٧- ١٠٦٧م). وفي هذه المرحلة حَكَم أربعة من أمراء الدولة الحمادية هم: حماد، والقائد بن حماد، ومحسن بن القائد، وبلقين بن محمد بن حماد، كما أن الناصر بن علناس الأمير الحمادي قد استقر في الحكم مدة ست سنوا ت في القلعة، ثم انتقلت العاصمة إلى بجاية.

وقد حكم في هذا الدور الحضاري أربعة أمراء من الدولة الحمادية (٤٦٩- ٥١٥هـ/١٠٧٦- ١١٢١م) هم: الناصر بن علناس، والمنصور بن الناصر، وباديس بن المنصور، والعزيز بن المنصور،  وقد تألق الناصر والمنصور، أما باديس فلم يُعَمِّر في الحكم إلا ثمانية أشهر وأيامًا ، أما العزيز فقد كانت أيامه امتدادًا للناصر والمنصور، وإن كانا قد اشتهرا أكثر منه لدى جمهرة المؤرخين على أنهما الممثلان لهذا الدور الحضاري مع أنه في حقيقة الأمر لا يقل عن سابقيه جهدًا وأثرًا، وبوفاة العزيز سنة (٥١٥هـ/١١٢١م) وتَوَلِّي ابنه يحيى بن العزيز مقاليد الأمور كانت الدولة - نتيجة عوامل كثيرة محيطة بها - ونتيجة سلوك يحيى نفسه- تدخل في مرحلة القابلية للانهيار إلى أن سقطت سنة ٥٤٧هـ /١١٥٢م بيد الموحدين.

الاقتصاد والحضارة الحمادية: الزراعة، الصناعة، والتجارة

أولًا: الاقتصاد:

(أ‌) الزراعة:

 تعددت ألوان النشاط الزراعي في المجتمع الحمادي، وتعددت المحاصيل التي ينتجها، وقد تحقق في كثير منها الاكتفاءُ الذاتي، كما تمكن من تصدير بعض المحصولات، وبعض الحيوانات التي تعيش حول الزراعة، وكانت الأرض المحيطة بالمدن، والقرى الحمادية مجالًا للنشاط الزراعي، ففي القلعة الحمادية -التي مثلت دور العاصمة الأولى لفترة كبيرة- فواكه ونِعَم يلحقها الإنسان بالثمن اليسير، وبلادها وجميع ما يضاف إليها تصلح فيها السوائم والدواب؛ لأنها بلاد زرع وخصب، وفلاحتهم إذا كثرت أغنت وإذا قلت كفت.

وفي الدور الثاني -الذي برزت فيه بجاية- بقيت القلعة أرضًا زراعية جيدة الإنتاج، وإن كان العرب يقومون على جباية أموالها، وتنظيم أمورها، كعمال للدولة الحمادية، أما بجاية التي احتلت المكانة الأولى لأكثر من نصف عمر الدولة، فقد كان بها وادٍ ومزارع، وكانت الحنطة والشعير كثيرين بها، وكذلك التين كان بها منه ما يكفي لكثير من البلاد وهي كثيرة الفواكه والثمار وجميع الخيرات - كما يحدثنا صاحب الاستبصار.

وقد لخص القلقشندي النبات والمحاصيل الموجودة في مملكة بجاية - نقلًا عن ابن فضل الله العمري، صاحب (مسالك الأبصار)، وأبي الفدا صاحب (تقويم البلدان) - فذكر أن بمملكة بجاية الحبوب والقمح والشعير والفول والعدس والحمص والذرة والبسلَّا، ومن الفواكه العنب والتين والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والزعرور والخوخ والمشمش والتوت والقراصيا والزيتون والأترج والليمون والنارنج واللوبيا واللفت والباذنجان، ومن الزهور الرياحين والياسمين والنرجس، وليس فيما يقوله القلقشندي مبالغة، فالأموال التي حملها المعز لدين الله معه إلى مصر تدلنا على مدى الوفرة الاقتصادية التي كان يتمتع بها المغرب.

ويؤكد أرشبالد لويس هذه الظاهرة حين يتحدث عن المغرب على عهد الدولة الحمادية بقوله: "ففي تلك الأثناء ظل شمال إفريقيا إقليمًا وفير الإنتاج من الناحية الزراعية، وكانت الحبوب هي المحصول الأساسي هناك، وانتشرت زراعتها حول باجة، كما غطت أشجار الزيتون أرض الوديان الواقعة غرب القيروان بين صفاقس وتونس، وكانت القيروان ذاتها في وسط هذه الزراعات، وصار التمر وقصب السكر من أهم حاصلات الواحات بإقليم الجريد في الجنوب، وزرع الموز وقصب السكر في قابس، والقطن في الحضنة والمسيلة وجهات أخرى غيرها، ونحن نجد فيما يسوقه الرحالة العبدري في رحلته، ما يدعم هذه الصورة الاقتصادية، وإن كنا نستأنس بقوله أكثر من سوقنا إياه كحقيقة تاريخية لرسم معالم الفترة التي نتناولها من الناحية الاقتصادية.

 (ب) الصناعة:

 توافرت لدى الدولة الحمادية أسباب قيام صناعات متعددة، فهناك ثروة زراعية وأخرى حيوانية، وهناك معادن متعددة في المدن الحمادية، كما أن الشاطئ الساحلي الذي تتمتع به الدولة، كان بدوره عاملًا من عوامل قيام بعض الصناعات.

لقد وجد الخشب في بجاية كما وجد الحديد بها أيضًا، وفي مرسى الخرز توفر المرجان وقد توفر الخشب والحديد ببونة وتوفر الملح ببسكرة عاصمة الجنوب، كما وجد البرونز والفضة اللذان أمكن استغلالهما في صناعات كثيرة، ووجد القطن وقصب السكر والكتان وغيرها من المحصولات الزراعية القابلة للتصنيع.

لقد وجدت في المدن الحمادية المختلفة ألوان من النشاط الصناعي، وكان للقلعة وبجاية دورهما الكبير في الحركة الصناعية، ولقد كان بالقلعة أنواع من الصناعات، ففيها لبابيد الطيلقان جيدة غاية الجودة، وبها معامل لنسج الأكسية القلعية الصفيقة النسج الحسنة المطرزة بالذهب والسجاجيد والملابس، ومن الأجزاء التي وجدت أثناء حفر حديث في القلعة يتضح أن صناعة الخزف والقيشاني والبلاط والتحف الفنية، كانت موجودة فيها، وفي بجاية، شهدت الحركة الاقتصادية - لا سيما بعد ترويض القبائل العربية- ازدهارًا فاق رقي القلعة بلا شك.

لقد كانت بجاية نشيطة صناعيًا، لا سيما في الصناعات التي تتعلق بالبحر، نظرًا لكونها أهم مرفأ حمادي، ويحدثنا عن صناعاتها الإدريسي الذي انتهت حياته، بعيد نهاية الدولة الحمادية بقليل - فيذكر أنه كان ببجاية دار صناعة؛ لإنشاء الأساطيل والمراكب والسفن والحرابي، كما قامت صناعة السفن أيضًا بمرسى الخرز. وبواسطة الفضة والبرونز قامت صناعات كثيرة، كالمصابيح وحاملات الشموع والأباريق ودلال القهوة وزينات الأبواب والأثاث ومقابض الأبواب ومطارقها، ونتيجة لوجود الخشب الذي تمتلئ بأشجاره جبال بجاية والمدن التي تحيط بها، كانت توجد صناعة النجارة، يدلنا على هذا ذلك الصندوق الخشبي المحفور ذو القفل البرونزي الذي يمثل تقليدًا شائعًا في كل أنحاء بلاد القبائل، والذي يعود إلى أقدم صفحات التاريخ، ولا شك أن ثمة صناعات أخرى متناثرة كانت تقوم في العاصمتين الحماديتين من نوع تلك الصناعات اليدوية الخفيفة التي تسد حاجات أساسية للناس، والتي لا زال لها صدى في المدن المغربية.

 (ج)التجارة:

 كانت التجارة أبرز الأنشطة الاقتصادية في الدولة الحمادية على الإطلاق، ولقد ساعدت ظروف سياسية وجغرافية واقتصادية على أن تزدهر التجارة الحمادية، فالظروف السياسية المحيطة بالدول المجاورة لهم كالزيريين والمرابطين، وسياستهم في المسالمة سواء مع العرب أو المسيحيين والموقع الذي يتمتعون به والشاطئ الطويل على البحر الأبيض، والمرافئ والأسواق والاتصالات التجارية التي نشطوا فيها.. كل هذه العوامل مكنتهم من مزاولة تجارة ناضجة، سواء في داخل المغرب أو خارجه

ثانيًا: الحياة الاجتماعية:

 كان المجتمع الحمادي مجتمعًا مفتوحًا، يهضم في جسمه نماذج مختلفة الجنس والفكر، وبصرف النظر عن أن هذه الحقيقة تكاد تكون سمة عامة في المجتمعات الإسلامية في هذه القرون، فإنها كانت سمة بارزة، على نحو خاص، بالنسبة للدولة الحمادية، فطبيعة سياستها، وموقعها في المغرب العربي والملمات التي ألمت بالمغرب والأندلس في القرنين الخامس والسادس للهجرة /الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، كل هذا ساعد على أن يكون المجتمع مفتوحًا على نحو بارز. والذي لا شك فيه أن صنهاجة -لا سيما صنهاجة الحمادية- كانت تقف في قمة الهرم الاجتماعي في الدولة، وإذا علمنا أن صنهاجة إنما تشكل شعبًا كبيرًا، وليست مجرد دول حاكمة، لتأكد لدينا أن هذه الميزة تنحصر في الطائفة الحاكمة، إذ من الصعب تحويل طبقة كبيرة كصنهاجة إلى طبقة ممتازة، وإن كان من الطبيعي أن تكون كثير من المراكز ذات الأهمية بأيديهم، نتيجة انتمائهم الأكثر ولاء للدولة التي تحمل اسمهم وتدافع عن سيطرتهم على هذه البقعة من الأرض.

إننا نستطيع القول بأن صنهاجة الحمادية، كانت تحتل المكان الذي تحتله بعض الأسر الكبيرة التي مارست الحكم، كالأمويين، والمرابطين والعباسيين، وإذا كان من الطبيعي أن يكون من هذه الأسر من يمارسون أعمالًا يمارسها كثير من طبقات الشعب، فالذي لا شك فيه أن شعورًا بالفوقية يسود هذه الأسر، يدعمه النفوذ السياسي والاجتماعي الذي تتمتع به، على أن طبقات مختلفة من القبائل البربرية المتعددة كانت تعيش في حماية الدولة الحمادية، وفي ظل النظام التي تمتعت به الدولة، أخذت هذه الطبقات تتعارف وتمتزج على تنوع أجناسها من الغرب إلى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب.. فاختلطت صنهاجة بكتامة ودكتامة بزناتة،  وفي غير موضع يحدثنا صاحب (الاستبصار) عن وجود عديد من القبائل البربرية تعيش في المدن الحمادية الكبرى مثل عجيسة وهوارة وبني برزال في المسيلة وقبائل بربرية أخرى كثيرة في جيجل، ولعل هذا الاختلاط كان بتأثير القضاء النسبي على الصراع القبائلي في ظل قيام دولة المرابطين الجامعة، وبتأثير زحف القبائل العربية، الذي جعل البربر يشعرون بخطر جماعي، وبالتالي خفت على المستوى الشعبي حدة الشعور القبلي،  ومنذ المنتصف الثاني من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي كان هناك عنصر بدأ يأخذ مكانه بطريقة أكثر وضوحًا ورسوخًا في المجتمع الحمادي، وهو العنصر العربي ممثلًا في قبائل بني هلال التي كان لها النصيب الأكبر من الوجود في أرض الدولة الحمادية، وكان لهذا الوجود العربي أثره الكبير على الحياة الاجتماعية العنصرين البربري والعربي، وإذا كان من أهم النتائج التي أسفرت عنها الحملة الهلالية على الجزائر تغيير اللسان البربري، حيث أثرت لغة التخاطب العربية لقبائل بني هلال في اللسان البربري الذي كان من قبل طاغيًا على اللسان العربي في الأرياف والمدن، إذا كان هذا، فمن البديهي أن هذا التأثير الحضاري لم يكن ليتم إلا بالاحتكاك والاختلاط بكل الوسائل المعروفة، بحيث إننا نستطيع القول بأن العنصر العربي الممثل في القبائل الهلالية يشكل منذ دخوله الجزائر طبقة متميزة من طبقات المجتمع الحمادي، لها شخصيتها الثقافية والاجتماعية المتميزة من لغة وعادات وفكر، ويعتبر دخول هؤلاء الهلاليين -في الحقيقة- فتحًا اجتماعيًا جنسيًا ، نجح أصحابه في فرض عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم على البربر بعد بضعة أجيال.

وفي المجتمع الحمادي كانت هناك طوائف أخرى لاجئة إليه لجوء الاستقرار والاندماج، فعندما ضعف سلطان المسلمين في الأندلس وصقلية ومالطة وغيرها من الأماكن التي تعرضت لعمليات إبادة وإزعاج من جانب الزحف الصليبي كان الحماديون هم الملجأ الذي يأوي إليه هؤلاء [انظر : موجز التاريخ العام للجزار، ص٢٨٨]، وقد استقر الأندلسيون بالسواحل - بخاصة - كما رأينا في المعتصم بن صمادح، حين اختار (تنس) مقرًّا لإقامته ، فإن (تنس) في الحقيقة كانت مقرًّا لكثير من النازحين الأندلسيين، ولهم بها صلة كبيرة، ولم تخل بجاية من العنصر الأسباني، بل إنه احتل فيها مكانة مرموقة إلى جانب البربر البيجاويين، لا سيما أهل ميورقة.

ثالثًا: الحياة الثقافية:

كانت الدولة الحمادية مملكة بربرية، بل هي أول دولة بربرية مستقلة بالجزائر الإسلامية، ومن البديهي أن العنصر البربري بكل خلفيته الثقافية يمثل واحدًا من أبرز المكونات الثقافية للدولة، على أنه لا يمكن -مع وجود هذا العنصر- إهمال الخلفيات الثقافية العربية التي استقرت في المغرب كله، منذ الفتح العربي، وعلى امتداد الدولتين اللتين حكمتا الجزائر قبل العنصر البربري الصنهاجي: دولة بني رستم في تيهارت ودولة الفاطميين في المهدية [انظر: كتاب الجزائر للمدني، ص٦٩، ٧٨، المغرب العربي بونار، ٢١٦ ] بالإضافة إلى الجهد الذي بذله البربر أنفسهم في تعلم العربية وعلوم الدين، حتى إن القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، لم يكد يبزغ، حتى صار كثير من البربر يزاحمون العرب في لغة الضاد، وأصبح علماء البربر يناظرون فقهاء العرب في قواعد الأصول وتفاريع الفقه ومبادئ علم الكلام.

لقد كان الطابع العربي قد بدأ يغلب على الثقافة منذ مطلع القرن الرابع الهجري، وقد ساعد على ذلك أن الثقافة العربية جزء من الإسلام الذي هو عقيدة الأمة، ومن عناصر التكوين الثقافي التي لا يمكن تجاهلها في هذا الطور زحف مذهب مالك بدءًا من مدرسة القيروان، وانتشارًا في القسم الغربي للعالم الإسلامي كله، بما فيه الأندلس، وعبوره إلى غرب إفريقيا حيث لا يزال المذهب الغالب في هذه البلاد.

كما أن احتكاك الجزائر بالأندلس وإفريقية وهجرة بعض الأندلسيين والأفارقة والصقليين وغيرهم إليه، وإعانتهم للحركة الثقافية فيها بما حملوه من علوم وآداب [المغرب العربي، بونار، ص٢٨٣، وكتاب الجزائر للمدني، ص٧٩، ٨٠–٤١] كل هذه العناصر قد كونت الملامح الأساسية للشخصية الثقافية الحمادية، وساعدت على إبرازها في صورة خاصة، كما ساعدت على رقيها وازدهارها.

أمراء بني حماد في الجزائر (٤٠٥- ٥٤٧هـ).

  1. حماد بن بلكين ٩ ١ ٤هـ /٢٨ ١٠م.
  2. القائد بن حماد ٤٤٦هـ/٠٥٤ ١م.
  3. محسن بن القائد ٤٤٧هـ/٥٥ ٠ ١م.
  4. بلكين بن محمد بن حماد ٤٥٤هـ /١٠٦٢م.
  5. الناصر بن علناس ٤٨١ هـ/٠٨٨ ١م.
  6. المنصور بن الناصر ٤٩٨هـ /١١٠٤م.
  7. باديس بن المنصور ٠ ٠ ٥هـ /١١٠٦م.
  8. العزيز بن منصور ٥١٥ هـ ا ١ ٢ ١ ١ م.
  9. يحيى بن العزيز ٥٤٧هـ وهو (تاريخ وقوع الحماديين تحت سيطرة الموحدين).


مراجع للاستزادة:

  • العبر وديوان المبتدأ والخبر، ابن خلدون.
  • جمهرة أنساب العرب، ابن حزم.
  • رياض النفوس للمالكي ومقدمته للدكتور حسين مؤنس.
  • أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام، لابن الخطيب.
  • الحلة السيراء، لابن الأبار.
  • مركز الثقافة في المغرب، لعثمان الكعاك
  • الإحاطة في أخبار غرناطة، لابن الخطيب
  • صبح الأعشى، للقلقشندي.
  • الكامل في التاريخ، لابن الأثير.
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لابن تغري بردي.
  • تاريخ المغرب العربي، سعد زغلول عبد الحميد.
  • الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، للسلاوي.
  • قيام دولة المرابطين، د. حسن أحمد محمود.
  • الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام.
  • المغرب في حلى المغرب، لابن عذاري المراكشي.

الخلاصة

بنو حماد قبيلة بربرية أصيلة من صنهاجة، أسست دولة مستقلة في المغرب الأوسط (الجزائر) في القرن الحادي عشر الميلادي بقيادة حماد بن بلكين، الذي أسس مدنًا مثل القلعة وبجاية. تميزت الدولة الحمادية بازدهار زراعي وصناعي وتجاري، مع مجتمع متنوع ثقافيًا يشمل بربر وعرب وأندلسيين، واتسمت بعلاقات دبلوماسية مع الأندلس والمسيحيين. استمرت الدولة نحو قرن ونصف حتى سقطت عام ١١٥٢ م تحت ضغوط الموحدين.

موضوعات ذات صلة

فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).

في قلب المغرب الإسلامي، برزت الدولة الحفصية كقوة حاكمة.

أسسوا دولة قوية أسهمت في مقاومة الصليبيين وتوحيد الشام.

موضوعات مختارة