أولًا: الاقتصاد:
(أ)
الزراعة:
تعددت ألوان النشاط الزراعي في المجتمع الحمادي، وتعددت المحاصيل التي ينتجها،
وقد تحقق في كثير منها الاكتفاءُ الذاتي، كما تمكن من
تصدير بعض المحصولات، وبعض الحيوانات التي تعيش حول الزراعة، وكانت الأرض المحيطة بالمدن، والقرى الحمادية مجالًا للنشاط الزراعي، ففي القلعة الحمادية -التي مثلت دور
العاصمة الأولى لفترة كبيرة- فواكه ونِعَم يلحقها الإنسان بالثمن
اليسير، وبلادها وجميع ما يضاف إليها تصلح فيها السوائم والدواب؛ لأنها بلاد زرع وخصب، وفلاحتهم إذا
كثرت أغنت وإذا قلت كفت.
وفي الدور الثاني -الذي برزت فيه بجاية- بقيت القلعة أرضًا زراعية جيدة الإنتاج، وإن كان العرب يقومون على
جباية أموالها، وتنظيم أمورها، كعمال للدولة الحمادية، أما بجاية التي احتلت المكانة الأولى لأكثر
من نصف عمر الدولة،
فقد كان بها وادٍ ومزارع، وكانت الحنطة والشعير كثيرين بها، وكذلك التين كان بها منه ما
يكفي لكثير من البلاد وهي كثيرة الفواكه والثمار وجميع الخيرات - كما يحدثنا
صاحب الاستبصار.
وقد لخص القلقشندي النبات والمحاصيل الموجودة في مملكة بجاية - نقلًا عن ابن فضل الله العمري، صاحب (مسالك الأبصار)، وأبي الفدا صاحب (تقويم البلدان) - فذكر أن بمملكة بجاية الحبوب والقمح والشعير والفول
والعدس والحمص والذرة والبسلَّا، ومن الفواكه العنب والتين والرمان والسفرجل
والتفاح والكمثرى والزعرور والخوخ والمشمش والتوت والقراصيا والزيتون والأترج
والليمون والنارنج واللوبيا واللفت والباذنجان، ومن الزهور الرياحين والياسمين والنرجس، وليس فيما يقوله القلقشندي مبالغة، فالأموال التي حملها المعز لدين الله معه إلى مصر تدلنا على مدى الوفرة الاقتصادية التي كان يتمتع بها المغرب.
ويؤكد أرشبالد لويس هذه الظاهرة حين يتحدث عن المغرب على عهد الدولة
الحمادية بقوله: "ففي تلك الأثناء
ظل شمال إفريقيا إقليمًا وفير الإنتاج من الناحية الزراعية، وكانت الحبوب هي المحصول الأساسي هناك، وانتشرت
زراعتها حول باجة، كما غطت أشجار الزيتون أرض الوديان الواقعة غرب القيروان بين صفاقس وتونس، وكانت
القيروان ذاتها في وسط هذه الزراعات، وصار التمر
وقصب السكر من أهم حاصلات الواحات بإقليم الجريد في الجنوب، وزرع الموز وقصب السكر في قابس، والقطن في الحضنة والمسيلة وجهات أخرى
غيرها، ونحن نجد فيما يسوقه الرحالة العبدري في رحلته، ما
يدعم هذه الصورة الاقتصادية، وإن كنا نستأنس بقوله أكثر من سوقنا إياه كحقيقة
تاريخية لرسم معالم الفترة التي نتناولها
من الناحية الاقتصادية.
(ب) الصناعة:
توافرت لدى
الدولة الحمادية أسباب قيام صناعات متعددة، فهناك ثروة زراعية وأخرى حيوانية، وهناك معادن متعددة في المدن الحمادية، كما أن الشاطئ الساحلي الذي تتمتع به
الدولة، كان بدوره عاملًا من عوامل قيام بعض الصناعات.
لقد وجد الخشب في بجاية كما وجد الحديد بها أيضًا، وفي مرسى الخرز توفر المرجان وقد توفر الخشب والحديد ببونة وتوفر
الملح ببسكرة عاصمة الجنوب، كما وجد البرونز
والفضة اللذان أمكن استغلالهما في صناعات كثيرة، ووجد القطن
وقصب السكر والكتان وغيرها من المحصولات الزراعية القابلة للتصنيع.
لقد وجدت في المدن الحمادية المختلفة ألوان من النشاط الصناعي، وكان للقلعة وبجاية دورهما
الكبير في الحركة الصناعية، ولقد كان
بالقلعة أنواع من الصناعات، ففيها لبابيد الطيلقان جيدة غاية الجودة، وبها معامل
لنسج الأكسية القلعية
الصفيقة النسج الحسنة المطرزة بالذهب والسجاجيد والملابس، ومن الأجزاء التي وجدت أثناء حفر حديث في القلعة يتضح أن صناعة الخزف والقيشاني والبلاط والتحف الفنية،
كانت موجودة فيها، وفي بجاية، شهدت الحركة
الاقتصادية - لا سيما بعد ترويض القبائل العربية- ازدهارًا فاق رقي القلعة بلا شك.
لقد كانت بجاية
نشيطة صناعيًا، لا سيما في الصناعات التي تتعلق بالبحر، نظرًا لكونها أهم مرفأ حمادي، ويحدثنا عن صناعاتها الإدريسي الذي انتهت حياته،
بعيد نهاية الدولة الحمادية بقليل - فيذكر أنه كان ببجاية دار صناعة؛ لإنشاء
الأساطيل والمراكب والسفن والحرابي، كما قامت
صناعة السفن أيضًا بمرسى الخرز. وبواسطة الفضة والبرونز قامت صناعات كثيرة، كالمصابيح
وحاملات الشموع والأباريق ودلال القهوة وزينات الأبواب والأثاث ومقابض الأبواب ومطارقها، ونتيجة لوجود
الخشب الذي تمتلئ بأشجاره جبال بجاية
والمدن التي تحيط بها، كانت توجد صناعة
النجارة، يدلنا على هذا ذلك الصندوق الخشبي المحفور ذو القفل البرونزي الذي يمثل تقليدًا شائعًا في كل أنحاء بلاد القبائل، والذي يعود إلى أقدم صفحات التاريخ، ولا شك أن ثمة صناعات
أخرى متناثرة كانت تقوم في العاصمتين
الحماديتين من نوع تلك الصناعات اليدوية الخفيفة التي تسد حاجات أساسية للناس، والتي لا زال لها
صدى في المدن المغربية.
(ج)التجارة:
كانت التجارة
أبرز الأنشطة الاقتصادية في الدولة
الحمادية على الإطلاق، ولقد ساعدت ظروف سياسية وجغرافية واقتصادية على أن تزدهر التجارة الحمادية،
فالظروف السياسية المحيطة بالدول المجاورة لهم كالزيريين والمرابطين، وسياستهم في المسالمة سواء مع العرب أو المسيحيين والموقع الذي يتمتعون به والشاطئ الطويل على البحر الأبيض،
والمرافئ والأسواق والاتصالات التجارية التي نشطوا فيها.. كل هذه العوامل مكنتهم من مزاولة تجارة ناضجة،
سواء في داخل المغرب أو خارجه
ثانيًا: الحياة
الاجتماعية:
كان المجتمع
الحمادي مجتمعًا مفتوحًا، يهضم في جسمه نماذج مختلفة الجنس والفكر، وبصرف النظر عن أن هذه الحقيقة تكاد تكون
سمة عامة في المجتمعات الإسلامية في هذه القرون، فإنها كانت سمة بارزة، على نحو خاص،
بالنسبة للدولة الحمادية، فطبيعة سياستها، وموقعها في المغرب العربي والملمات التي ألمت بالمغرب
والأندلس في القرنين الخامس والسادس
للهجرة /الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، كل هذا ساعد على أن يكون المجتمع مفتوحًا على نحو بارز.
والذي لا شك فيه أن صنهاجة -لا سيما صنهاجة الحمادية- كانت تقف في قمة الهرم الاجتماعي في الدولة، وإذا علمنا أن صنهاجة إنما تشكل شعبًا كبيرًا، وليست مجرد
دول حاكمة، لتأكد لدينا أن هذه الميزة تنحصر في الطائفة الحاكمة، إذ من الصعب
تحويل طبقة كبيرة كصنهاجة إلى طبقة ممتازة، وإن كان من الطبيعي أن تكون كثير
من المراكز ذات الأهمية بأيديهم، نتيجة انتمائهم الأكثر ولاء للدولة التي تحمل اسمهم وتدافع عن سيطرتهم على هذه البقعة من الأرض.
إننا نستطيع
القول بأن صنهاجة الحمادية، كانت تحتل المكان الذي تحتله بعض الأسر الكبيرة التي مارست الحكم، كالأمويين، والمرابطين والعباسيين، وإذا كان من
الطبيعي أن يكون من هذه الأسر
من يمارسون أعمالًا يمارسها كثير من طبقات الشعب، فالذي لا شك فيه أن شعورًا بالفوقية يسود
هذه الأسر، يدعمه النفوذ السياسي والاجتماعي الذي تتمتع به، على أن طبقات
مختلفة من القبائل البربرية المتعددة كانت تعيش في حماية الدولة الحمادية، وفي ظل النظام
التي تمتعت به الدولة، أخذت هذه الطبقات تتعارف وتمتزج على تنوع أجناسها من
الغرب إلى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب.. فاختلطت صنهاجة بكتامة ودكتامة بزناتة، وفي غير موضع يحدثنا صاحب (الاستبصار) عن وجود عديد من القبائل البربرية تعيش في المدن الحمادية الكبرى مثل عجيسة وهوارة وبني برزال في المسيلة وقبائل بربرية أخرى كثيرة في جيجل، ولعل هذا الاختلاط كان بتأثير القضاء النسبي على الصراع القبائلي في ظل قيام دولة المرابطين الجامعة، وبتأثير زحف القبائل العربية، الذي جعل البربر يشعرون بخطر جماعي، وبالتالي خفت على
المستوى الشعبي حدة الشعور القبلي، ومنذ المنتصف الثاني من القرن
الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي كان هناك عنصر
بدأ يأخذ مكانه بطريقة أكثر وضوحًا ورسوخًا في المجتمع الحمادي، وهو العنصر العربي ممثلًا في قبائل بني هلال التي كان لها النصيب الأكبر من
الوجود في أرض الدولة الحمادية، وكان
لهذا الوجود العربي أثره الكبير على الحياة
الاجتماعية العنصرين البربري والعربي، وإذا كان من أهم النتائج التي أسفرت عنها الحملة الهلالية على الجزائر تغيير
اللسان البربري، حيث أثرت لغة التخاطب العربية لقبائل بني هلال في اللسان البربري الذي كان من قبل طاغيًا على اللسان العربي في الأرياف والمدن، إذا كان هذا، فمن البديهي أن هذا التأثير الحضاري لم يكن ليتم إلا بالاحتكاك
والاختلاط بكل الوسائل المعروفة، بحيث إننا نستطيع القول بأن العنصر العربي الممثل في القبائل الهلالية يشكل منذ دخوله الجزائر طبقة
متميزة من طبقات المجتمع الحمادي، لها شخصيتها الثقافية والاجتماعية المتميزة من لغة
وعادات وفكر، ويعتبر
دخول هؤلاء الهلاليين -في الحقيقة- فتحًا اجتماعيًا جنسيًا ، نجح أصحابه في فرض عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم على البربر بعد بضعة
أجيال.
وفي المجتمع الحمادي كانت هناك طوائف أخرى لاجئة
إليه لجوء الاستقرار والاندماج، فعندما ضعف سلطان المسلمين في الأندلس وصقلية ومالطة وغيرها من الأماكن التي تعرضت لعمليات إبادة وإزعاج من جانب الزحف الصليبي كان الحماديون هم الملجأ
الذي يأوي إليه هؤلاء [انظر : موجز التاريخ العام للجزار، ص٢٨٨]، وقد استقر
الأندلسيون بالسواحل - بخاصة - كما رأينا في المعتصم بن صمادح، حين اختار (تنس) مقرًّا لإقامته ، فإن (تنس) في الحقيقة كانت مقرًّا لكثير من النازحين
الأندلسيين، ولهم بها صلة كبيرة، ولم تخل بجاية من العنصر الأسباني، بل إنه احتل
فيها مكانة مرموقة إلى جانب البربر البيجاويين، لا سيما أهل ميورقة.
ثالثًا: الحياة الثقافية:
كانت الدولة
الحمادية مملكة بربرية، بل هي أول دولة بربرية مستقلة بالجزائر الإسلامية، ومن البديهي أن العنصر
البربري بكل خلفيته الثقافية يمثل واحدًا من أبرز المكونات الثقافية
للدولة، على أنه لا يمكن -مع وجود هذا العنصر- إهمال الخلفيات الثقافية العربية التي استقرت في المغرب كله، منذ الفتح العربي، وعلى امتداد الدولتين
اللتين حكمتا الجزائر قبل العنصر البربري الصنهاجي: دولة بني رستم في تيهارت ودولة الفاطميين في المهدية [انظر: كتاب الجزائر
للمدني، ص٦٩، ٧٨، المغرب العربي بونار، ٢١٦ ] بالإضافة إلى
الجهد الذي بذله البربر أنفسهم في تعلم العربية وعلوم الدين، حتى إن القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، لم يكد يبزغ، حتى صار كثير من البربر يزاحمون العرب في لغة الضاد، وأصبح علماء البربر يناظرون فقهاء العرب
في قواعد الأصول وتفاريع الفقه
ومبادئ علم الكلام.
لقد كان الطابع
العربي قد بدأ يغلب على الثقافة منذ مطلع القرن الرابع الهجري، وقد ساعد على ذلك أن الثقافة العربية جزء من الإسلام الذي هو عقيدة الأمة، ومن عناصر التكوين الثقافي التي لا يمكن تجاهلها في هذا الطور زحف مذهب مالك بدءًا من مدرسة
القيروان، وانتشارًا في القسم الغربي للعالم الإسلامي كله، بما فيه
الأندلس، وعبوره إلى غرب إفريقيا حيث لا يزال المذهب الغالب في هذه البلاد.
كما أن احتكاك
الجزائر بالأندلس وإفريقية وهجرة بعض الأندلسيين والأفارقة والصقليين
وغيرهم إليه، وإعانتهم للحركة الثقافية فيها بما حملوه من علوم وآداب [المغرب العربي، بونار، ص٢٨٣، وكتاب الجزائر للمدني، ص٧٩، ٨٠–٤١] كل هذه العناصر
قد كونت الملامح الأساسية للشخصية الثقافية الحمادية، وساعدت على إبرازها في صورة خاصة، كما ساعدت على رقيها
وازدهارها.
أمراء بني حماد في الجزائر (٤٠٥- ٥٤٧هـ).
- حماد بن بلكين ٩ ١ ٤هـ /٢٨ ١٠م.
- القائد بن حماد ٤٤٦هـ/٠٥٤ ١م.
- محسن بن القائد ٤٤٧هـ/٥٥ ٠ ١م.
- بلكين بن محمد بن حماد ٤٥٤هـ /١٠٦٢م.
- الناصر بن علناس ٤٨١ هـ/٠٨٨ ١م.
- المنصور بن الناصر ٤٩٨هـ /١١٠٤م.
- باديس بن المنصور ٠ ٠ ٥هـ /١١٠٦م.
- العزيز بن منصور ٥١٥ هـ ا ١ ٢ ١ ١ م.
- يحيى بن العزيز ٥٤٧هـ وهو (تاريخ وقوع الحماديين
تحت سيطرة الموحدين).
مراجع للاستزادة:
- العبر وديوان المبتدأ والخبر، ابن خلدون.
- جمهرة أنساب العرب، ابن حزم.
- رياض النفوس للمالكي ومقدمته للدكتور حسين مؤنس.
- أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام، لابن
الخطيب.
- الحلة السيراء، لابن الأبار.
- مركز الثقافة في المغرب، لعثمان الكعاك
- الإحاطة في أخبار غرناطة، لابن الخطيب
- صبح الأعشى، للقلقشندي.
- الكامل في التاريخ، لابن الأثير.
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لابن تغري بردي.
- تاريخ المغرب العربي، سعد زغلول عبد الحميد.
- الاستقصا في أخبار المغرب
الأقصى، للسلاوي.
- قيام دولة المرابطين، د. حسن أحمد محمود.
- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام.
- المغرب في حلى المغرب، لابن عذاري المراكشي.