ولقد أيقن نور الدين محمود بأن مشروعه لتطهير بلاد الشام من
الصليبيين لن يتم وأن حلمه لن يتحقق إلا بالاستيلاء على مصر، والقضاء على الخلافة
الفاطمية الشيعية فيها، والتي أتاح ضعفها الفرصة للصليبيين بالتواجد والتمركز
في بلاد الشام وإقامة أربع إمارات صليبية فيها هي: أنطاكية، والرها، وطرابلس،
وبيت المقدس.
واستيلاء نور الدين على مصر يجعل له الإطباق على
الصليبيين من الشمال والجنوب الشرقي، ووضعهم بين شقي الرحى الأمر الذي يسهل القضاء
عليهم ومحو وجودهم من بلاد الشام، ولقد أدت الأحداث التي وقعت في مصر في العصر
الفاطمي الثاني إلى ضعف البلاد، هذا العصر الذي عُرف بعصر نفوذ الوزراء؛ ذلك لأن
الوزراء أصبحوا أصحاب السلطة الفعلية في البلاد دون الخلفاء، بل أصبحوا يتدخلون في
تعيين الخلفاء وفي عزلهم.
ولقد تلقب الوزراء كذلك
بألقاب الخلفاء، فاتخذ الوزير (طلائع بن رزيك) على سبيل المثال، لقب (الملك
الصالح)، ونظرًا لأهمية منصب الوزير في العصر الفاطمي الثاني، وما تمتع به الوزراء
من مكانة سامية، وازدياد نفوذهم، وتنافسهم على هذا اللقب غرقت البلاد في حالة من الفوضى،
كما أدى ذلك إلى استعانة الطامعين في هذا المنصب بالقوى الخارجية، مما ترتب عليه
تطلع هذه القوى بدورها؛ لبسط سلطانها على مصر.
وفي عام (٥٥٨هـ/ ١١٦٢م) حدث أن نشب صراع بين كل من (شاور)،
والى الصعيد، الذي نجح في انتزاع منصب الوزارة من (العادل بن طلائع بن رزيك)
وبين (أبي الأشبال ضرغام بن عامر)، أحد قادة الجيش الفاطمي، حول منصب الوزارة،
وذلك بعد تسعة أشهر فقط من توليه هذا المنصب.
وتمكن ضرغام من هزيمة شاور،
وأجبره على الفرار من بلاد الشام وتولى الوزارة بدلًا منه، وفي بلاد الشام حاول
شاور الاستعانة بنور الدين محمود، صاحب دمشق وطلب إمداده بحملة أو
بجيش يستعين به على استعادة منصبه المغتصب وتعهد شاور لنور الدين محمود
في مقابل ذلك أن يدفع تكاليف الحملة كاملة، وأن يدفع لنور الدين ثلث دخل مصر كجزية
سنوية، وأن يدين لنور الدين محمود بالطاعة والولاء ويحكم مصر باسمه.
وفي الوقت الذي اشتد فيه
الصراع على الوزارة بين شاور وضرغام، كان ملك بيت المقدس الصليبي عموري
الأول أمالريك، يستعد لغزو مصر، وقام بالفعل بغزوها في ذلك العام (٥٥٨هـ / ١١٦٢م)
فوصل إلى مدينة (بلبيس)، وقام بحصارها.
ولكن قوات ضرغام أرغمته على الانسحاب في الوقت الذي هرب فيه شاور
إلى الشام مستنجدًا بنور الدين، ووجد نور الدين الفرصة التي كان
يترقبها؛ لتحقيق حلمه بالاستيلاء على مصر وضمها إلى حكمه وبذلك يكون حاكمًا لمصر
والشام من أجل إتمام مشروعه في حصر الصليبيين بين هاتين الجبهتين.
ولقد قام نور الدين زنكي
بتجهيز جيش يخرج مع شاور؛ لمساعدته في استعادة الوزارة، وقد جعل نور الدين
قيادة هذا الجيش لأحد قواده الشجعان وهو أسد الدين شيركوه، الذي اصطحب معه
ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب الذي كان في السابعة والعشرين من عمره.
والتقى جيش شيركوه بجيش ضرغام
على مقربة من القاهرة، ووقعت معركة بينهما انتهت لصالح شيركوه بهزيمة جيش ضرغام
ومقتله عند محاولته للهرب من ميدان المعركة سنة (٥٥٩ هـ / ١١٦٤م) وعاد شاور
يتولى الوزارة، وأقام شيركوه بجنده خارج مدينة القاهرة وانتظر شاور؛ للوفاء
بتعهداته للسلطان نور الدين، لكن شاور نكث بعهده للسلطان وأرسل لشيركوه يطلب منه
الجلاء بقواته عن أرض مصر، فرفض شيركوه طلبه وامتنع، ورد على إخلاله بعهده،
باحتلاله مدينة بلبيس بالشرقية.
فما كان من شاور إلا أن استنجد بالملك عموري ودعا الصليبيين
بأن يأتوا بقواتهم إلى دمياط برًا وبحرًا؛ لتخليص البلاد من قوات نور
الدين، وما كان من ملك بيت المقدس إلا أن سارع بالمجيء إلى مصر، بناء
على طلب شاور، حتى لا تفوته مثل هذه الفرصة الذهبية التي لم يكن يتوقعها، وعند بلبيس
وقف الجيشان النوري والصليبي وجهًا لوجه، وانتهى الأمر بينهما بالاتفاق على أن
يغادر الطرفان مصر.
وكانت تلك مؤامرة من الملك عموري
يتم له من خلالها انسحاب قوات نور الدين، ومتى تأكد هو من ذلك سارع بالعودة
بقواته؛ لاحتلال مصر بحجة نجدة شاور، لكن عموري قبل أن يتم مؤامرته سارع بالعودة
إلى بلاده بسبب ما قام به نور الدين من إرسال جيش يهدد مملكته في القدس، ولقد أرسل
الخليفة الفاطمي العاضد إلى نور الدين يشكو إليه استبداد شاور
وتعسفه، فما كان من نور الدين إلا أن أمر شيركوه بالتوجه ثانيةً إلى
مصر على رأس حملة كبرى بصحبة صلاح الدين، ووصلت هذه الحملة إلى مصر سنة (٥٦٢هـ/
١١٦٧م) واستقرت تلك القوات خارج الفسطاط، ولمجيء هذه القوات النورية استنجد
شاور بالملك الصليبي عموري الذي سارع وللمرة الثالثة بالمجيء بقواته إلى
مصر، ووقعت بين الفريقين النوري والصليبي معركة حاسمة عند (البابين) قرب مدينة
المنيا بصعيد مصر، وانتهت بانتصار جيش نور الدين.
وعلى أثر الهزيمة ارتحلت القوات الصليبية إلى مدينة الإسكندرية،
وقامت بحصار صلاح الدين الذي كان نائبًا عن عمه بها، ولما اشتد الحصار على صلاح
الدين سارع عمه شيركوه بقواته؛ لنجدته وفك ذلك الحصار وانتهى الأمر بين المسلمين
والصليبيين بالصلح على أن يغادر الطرفان مصر وعلى أن يتبادلا الأسرى فيما بينهما،
لكن عموري، كعادته في نقض تعهداته، نقض الصلح مع شيركوه، وقام بالهجوم على مصر سنة
(٥٦٤هـ/ ١١٦٩م).
وقد قام الخليفة الفاطمي
العاضد بطلب النجدة من نور الدين، فبعث إليه بملابس نسائه مستغيثًا؛ لحماية شرف
الخليفة من دنس الصليبيين، فما كان من نور الدين إلا أن كلف شيركوه وصلاح الدين
بالقيام بحملة ثالثة على مصر، وطلب منهما أن تكون حملة فاصلة تقضي على خطر شاور
وعلى دابر الصليبيين، فوصلت الحملة إلى مصر ولما رأى عموري كثرة أعداد جيش شيركوه
آثر العودة إلى بلاده ودخل شيركوه القاهرة، واستقبله الناس والخليفة الفاطمي
استقبال الفاتحين، واستدعى الخليفة الفاطمي شيركوه وخلع عليه خلعة الوزارة ولقبه
(بالمنصور).
وأرسل شاور للصليبيين،
مرة أخرى، يطلب منهم مساعدته عن طريق دمياط، ودبر مؤامرة كان هدفها اغتيال شيركوه
ورجاله، ولما انكشف أمره اجتمع رأي أعيان مصر لدى شيركوه أن يقتل شاور؛ لأنه رأس
كل المصائب والنكبات التي حلت بالبلاد، فقام شيركوه بقتل شاور هو وابنه (الكامل) سنة
(٥٦٤هـ / ١١٦٩م)، ولقد توفي شيركوه بعد خمسين يومًا من توليه الوزارة (٢٢ جمادى
الثاني ٥٦٤هـ/ ١١٦٩م) فخلفه فيها ابن أخيه صلاح الدين، الذي لقب بلقب الملك
الناصر.