Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بنو زنكي

الكاتب

أ.د/ عطية القوصي

بنو زنكي

بنو زنكي كانوا قوة مؤثرة في تاريخ الشرق الإسلامي خلال القرن الثاني عشر، حيث أسسوا دولة قوية أسهمت في مقاومة الصليبيين وتوحيد الشام، وقد لعب عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود دورًا بارزًا في تأسيس مشروع جهادي سياسي استطاع إحياء الروح الإسلامية وتحقيق إنجازات مهمة.

تمهيد

شهدت منطقة الشرق الأدنى، أواخر العصر الفاطمي، تحولًا خطيرًا نتيجة لنجاح الصليبيين في الاستقرار في قلب تلك المنطقة، ولقد كانت الدولة الفاطمية آنذاك في خريف عمرها عندما ظهر الخطر الصليبي، وفشلت تلك الدولة في صد هذا الخطر وفي حماية نفسها منه.

وكان عليها أن تتنحى عن قيادة تلك المنطقة وتفسح المجال لقوة فتية أخرى تحل محلها وتستطيع أن تنهض بأمانة الجهاد ضد هذا الخطر العدواني السافر، ولقد ازداد الموقف سوءًا بالنسبة للمسلمين في الشرق الأدنى في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي بتفكك دولة الأتراك السلاجقة بعد وفاة آخر أقوى سلاطينهم السلطان ملكشاه سنة (٤٨٥ هـ/ ١٠٩٢م)، وهي الدولة التي سبق أن نفخت في العالم الإسلامي في الشرق الأدنى روحًا جديدة مكنت المسلمين من الصمود في وجه الروم (البيزنطيين) بل مهاجمتهم في عقر دارهم.

وكان أكبر مظهر لانحلال سلطان السلاجقة - وخاصة في بلاد الشام والعراق ظهور عدد كبير من البيوت الحاكمة لا تجمعها رابطة إلا الانتساب إلى البيت السلجوقي الكبير، ومن تلك البيوت ظهرت وحدات سياسية أطلق عليها اسم (الأتابكيات)، وعلى أصحابها اسم أتابكة، وبعض هذه الوحدات صغيرة للغاية لا تتعدى حدودها أسوار مدينة أو قلعة واحدة.

قيام الدولة الحمادية ودور حماد بن بلقين في تأسيسها

ومن خلال الحروب مع زناتة استطاع حماد أن يبرز نفسه كقائد لا تستغني عنه دولة صنهاجة الزيرية التي نجحت في عهد المنصور في أن تستولي على فاس وسجلماسة عام ٣٦٩هـ/٩٧٩م من زناتة [دائرة المعارف، ٤/١١٤مادة بلكين]، ولذا كان حماد أبرز الأسماء التي وجدها أمامه باديس الذي تولى الأمر بعد وفاة أبيه المنصور سنة٣٨٦هـ ا٩٩٦م ليستعين بها في حروبه التي أصبحت - وكأنها ميراث تقليدي- مع زناتة البتر الموالين لبني أميه في الأندلس، على أن باديس بن المنصور قد واجه أيضًا خروج أعمام أبيه عليه زاوي وجلالة وماكسن [العبر، ٣٢٢/٦، والإحاطة ٤٣٩ ، وقد ذكر ابن الخطيب في أعمال الأعلام ٧٨/٣ أن هؤلاء أعمام المنصور وأنهم خالفوا عليه، والحق أنهم- كما ذكر ابن الخطيب نفسه في الإحاطة- أنهم إخوة للمنصور ولحماد، وأنهم إنما خرجوا على باديس بن المنصور]، وتكدست الأطماع فيه لصغر سنه، فذهب بعض أعمام أبيه إلى استضعافه.

وقد كان حماد [أعمال الأعمال، ج٣، ص٦٩- ٧٠، وانظر: العبر، ج٦، ص٣٤٩]، داهية فاستثمر كل هذه الظروف لحسابه، وعندما أراد باديس- إنهاضه لحرب زناتة اشترط عليه شروطًا كثيرة تشطط فيها حماد [أعمال الأعمال، ج٣، ص٦٩- ٧٠، وانظر: العبر، ج٦، ص٣٤٩] تتلخص في:

السماح له بإقامة دولة شبه مستقلة في المغرب الأوسط (الجزائر) وتم الاتفاق بينهما على ذلك، وبهذا العقد السياسي بين باديس وعمه حماد.. تم التوصل إلى البناء القانوني النظري للدولة الحمادية (٣٩٥- ٥٤٧هـ)، (١٠٠٤- ١١٥٢ م)، وتغيرت الوضعية السياسية للمغرب العربي- في هذه الفترة من تاريخه- على هذا النحو المذكور، ويُعَدُّ التاريخ الرسمي والعملي لقيام الدولة الحمادية هو عام ٤٠٥هـ/١٠١٤م. لكن الفترة الممتدة من سنة ٣٩٥ إلى ٤٠٥هـ (١٠٠١- ١٠١٥م) كانت الفترة الحاسمة التي تمخض عنها قيام الدولة.

عماد الدين زنكي: توحيد الجبهة الإسلامية ضد الصليبيين

ولقد تولى عماد الدين زنكي حكم الموصل في عام (٥٢١هـ/ ١١٢٧م) وسرعان ما تزايد نفوذه فاستولى على حلب عام (٥٢٢هـ/ ١١٢٨م)، ثم استولى على حمص وبعلبك إلى جانب الموصل، ومن موقعه هذا بدأ يشعر بخطورة الوجود الصليبي في بلاد الشام؛ لذلك بدأ حركة الجهاد ضدهم، ونجح بالفعل في إسقاط إمارة الرها، إحدى الإمارات الصليبية التي أسسها الصليبيون في بلاد الشام وذلك في عام (٥٣٩هـ/ ١١٤٤م).

وعماد الدين زنكي، هو أبو المظفر عماد الدين زنكي، ابن الأتابك آقسنقر البروسلي، وكان أبوه يُكنى (بقسيم الدولة)، وكان آقسنقر من خواص السلطان ملكشاه السلجوقي، وكان قد ولاه حلب وحمص وبعلبك وغيرها من البلاد الشامية، ولما توفي آقسنقر ورث ابنه عماد الدين زنكي جميع هذه البلاد، وزاد مملكته حتى ملك الشام كله من (محمد بن يورى بن طغتكين) بعد حروب.

وفي سنة (٥٢٤هـ/ ١١٣٠م) لما فرغ عماد الدين زنكي من أمر البلاد الشامية، حلب وأعمالها وما ملكه وقرر قواعده.

عاد إلى الموصل وديار الجزيرة؛ ليستريح عسكره ثم أمرهم بالتجهيز للغزاة فتجهزوا وأعدوا واستعدوا، وعاد إلى الشام فقصد حلب وقوي عزمه على قصد (حصن الأتارب) ومحاصرته؛ لشدة ضرره على المسلمين، ويبعد هذا الحصن عن حلب تسعة كيلو مترات وكان بيد الصليبيين.

ونجح زنكي في هزيمة الصليبيين هزيمة ساحقة، ووقع كثير من فرسانهم في الأسر وقُتل منهم خلق كثير، وتسلم المسلمون الحصن عنوة، وقام عماد الدين بتخريبه، وسار عماد الدين بعد ذلك إلى (قلعة حارم) الواقعة بالقرب من أنطاكية، وكانت للفرنج أيضًا وقام بحصارها، ولما طال حصاره لها بذل أهلها نصف دخل بلدة حارم وهادنوه فأجابهم إلى ذلك ثم ملك زنكي، بعد ذلك، بلدتي (سرجي) و (دارا).

وفي سنة (٥٢٨ هـ/ ١١٣٤ م) استولى زنكي على مدينتي (آمد) و(صور)، وقلاع الأكراد الحميدية، وهي: قلعة العقر، وقاعة شوش وغيرهما، وفي سنة (٥٢٩هـ/ ١١٣٥م) قام زنكي بحصار دمشق دون أن يستولي عليها.

وفي سنة (٥٣١هـ/ ١١٣٧م) حاصر مدينة (حمص) واستولى عليها، كذلك استولى على قلعة (بعرين)، وكانت للفرنج، وكانت من أمنع حصونهم، وقتل عددًا كبيرًا من الفرنج المتحصنين بها، وفي سنة (٥٣٢هـ/ ١١٣٨م) استولى زنكي على (حماة) و (بعلبك)، وفي سنة (٥٣٤هـ / ١١٤٠م) استولى على دمشق، ثم توجه زنكي إلى (قلعة جعبر)، على الفرات بين بالس والرقة قرب صفين، فقاتل صاحبها (شهاب   الدين سالم بن فاتك العقيلي)، ونصب عليها المجانيق، ونجح في الاستيلاء عليها.

وامتلك زنكي قلعة (الحديثة) على الفرات سنة (٥٣٧هـ / ١١٤٢م) ونقل من كان من (أهل مهارش) إلى الموصل، ورتب فيها نوابه، وفي هذه السنة خطب لزنكي بمدينة (آمد)، وصار صاحبها في طاعته.

وتوفي عماد الدين زنكي مقتولًا في ربيع الآخر سنة (٥٤١هـ/ ١١٤٦م) وعن وفاة زنكي يحدثنا (ابن الأثير)، في كتابه الكامل وهو يتعرض لسيرته قائلًا:" قُتل في هذه السنة الأتابك الشهيد عماد الدين زنكي، ابن آقسنقر صاحب الموصل والشام، وهو يحاصر قلعة جعبر، قتله جماعة من مماليكه ليلًا، غيلة، وهربوا إلى قلعة جعبر فصاحوا على من بها من أهلها من العسكر يعلمونهم بقتله، وأظهروا الفرح فدخل أصحابه فأدركوه وبه رمق".

ويواصل ابن الأثير حديثه بقوله: "حدثني والدي عن بعض خواصه قال: دخلت إليه في الحال، وهو حي، فحين رآني ظن أني أريد قتله، فأشار إلىَّ بإصبعه السبابة يستعطفني، فوقعت من هيبته، فقلت: يا مولاي مَنْ فعل هذا؟ فلم يقدر على الكلام وفاضت نفسه رحمه الله".

قال: "وكان حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، قد وخطه الشيب وكان قد زاد عمره على ستين سنة، وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابًا من الظلم، وتنقل الولاة، ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلًا وسكانًا.

ولما قتل عماد الدين زنكي، انقسمت مملكته بين ولديه (سيف الدين غازي)، الذي اتخذ من الموصل مقرًا له، (ونور الدين محمود)، الذي اتخذ من حلب مقرًا له، وقد أخذ نور الدين خاتم أبيه من يده، وكان حاضرًا معه، وكان نور الدين قد ولد في مدينة حلب سنة (٥١١ هـ/ ١١١٧م) أيام حكم والده لها.

نور الدين محمود: الدولة العادلة واستكمال مشروع التحرير

ولقد اشتهر السلطان نور الدين بحسن سيرته وعدله، وقد امتدحه المؤرخ الشهير ابن الأثير في كتابه الكامل بقوله عنه ما نصه:" لقد طالعت سيرة الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحريًا منه للعدل".

وقد تميز هذا السلطان بالزهد والعبادة والعلم، وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا فيما يخصه ويمتلكه من الغنيمة، ولقد شكت له زوجته من الضائقة المالية يومًا فأعطاها أجر ثلاث دكاكين في حمص كانت له، يحصل له منها في السنة عشرون دينارًا، فلما استقلتها، قال لها: ليس لي إلا هذا وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه ولا أخوض نار جهنم لأجلك، وكان كثير الصلاة والتهجد بالليل، وكان عارفًا بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة.

وكان يعظم الشريعة ويقف عند أحكامها، وبنى دار العدل في بلاده، وكان يجلس هو والقاضي فيها ينصف المظلوم حتى ولو كان يهوديًا من الظالم، وحتى لو أنه ولده أو أكبر أمير عنده، وأما شجاعته فإليها النهاية، وكان في الحرب يأخذ بسيفين فيقاتل بهما، وقد قال له أحد الفقهاء: بالله عليك، لا تخاطر بنفسك وبالإسلام، فإن أصبت في معركة لا يبقى بعدك من المسلمين أحد إلا أخذه السيف، فقال له نور الدين: ومن محمود حتى يُقال له هذا؟ مِن قبْلي من حفظ البلاد والإسلام؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو والله هو الحي القيوم.

وقد كان نور الدين يُكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويقوم إليهم إجلالًا واحترامًا لهم ولا يرد لهم قولًا. وكان وقورًا مهيبًا مع تواضعه، وبالجملة فإن حسناته كثيرة ومناقبه غزيره.

ولقد حمل نور الدين محمود لواء الجهاد بعد وفاة أبيه، وقضى حياته من أجل تحقيق هدف أسمى وهو تطهير بلاد الشام من أيدي الصليبيين، فقام من أجل تحقيق ذلك سنة (٥٤٢هـ/ ١١٤٧م) قام بالإغارة على عدة حصون للفرنج فأسر وقتل عددًا كبيرًا ممن كانوا يتحصنون فيها وكان أكبر تلك الحصون التي استولى عليها حصن (أرتاح)، وهو من أعمال حلب.

وفي سنة (٥٤٤هـ / ١١٤٩م) واقع نور الدين الفرنج وكسرهم الكسرة المشهورة عند (كفر لاثا)، بالقرب من حلب، وقتل منهم ألفًا وخمسمائة وأسر مثلهم، وعاد إلى حلب بالغنائم العظيمة والأسارى، وقد بعث ببعضها إلى أخيه (مودود).

وفي نفس هذا العام افتتح نور الدين حصن (فامية)، وبلدة (سنجار)، وفي سنة (٥٤٩هـ/ ١١٥٤م) ملك نور الدين دمشق من الأمير (مجير الدين أنر) وساعده في ذلك بعض أهل دمشق ضد مجير الدين؛ لزيادة ظلمه ومصادراته للناس، فلما تحرك نور الدين لطلب دمشق وافقه أهلها لما في نفوسهم من مجير الدين.

وفي هذه السنة أيضًا تملك نور الدين (تل باشر) شمالي حلب، وهي من أمنع القلاع، وكانت بيد الفرنج، وفي سنة (٥٥١هـ/ ١١٥٦م) حاصر نور الدين (قلعة حارم)، وتقع شرق أنطاكية، وهي للفرنج أيضًا.

وقد طلب أهلها الصلح فصالحهم على أن يعطوه نصف أعمال حارم، وفي السنة التالية ملك نور الدين (حصن شيزر)، بالقرب من حماه، كذلك مَلك بعلبك وقلعتها.

مشروع التوسّع إلى مصر: إسقاط الخلافة الفاطمية

ولقد أيقن نور الدين محمود بأن مشروعه لتطهير بلاد الشام من الصليبيين لن يتم وأن حلمه لن يتحقق إلا بالاستيلاء على مصر، والقضاء على الخلافة الفاطمية الشيعية فيها، والتي أتاح ضعفها الفرصة للصليبيين بالتواجد والتمركز في بلاد الشام وإقامة أربع إمارات صليبية فيها هي: أنطاكية، والرها، وطرابلس، وبيت المقدس.

واستيلاء نور الدين على مصر يجعل له الإطباق على الصليبيين من الشمال والجنوب الشرقي، ووضعهم بين شقي الرحى الأمر الذي يسهل القضاء عليهم ومحو وجودهم من بلاد الشام، ولقد أدت الأحداث التي وقعت في مصر في العصر الفاطمي الثاني إلى ضعف البلاد، هذا العصر الذي عُرف بعصر نفوذ الوزراء؛ ذلك لأن الوزراء أصبحوا أصحاب السلطة الفعلية في البلاد دون الخلفاء، بل أصبحوا يتدخلون في تعيين الخلفاء وفي عزلهم.

ولقد تلقب الوزراء كذلك بألقاب الخلفاء، فاتخذ الوزير (طلائع بن رزيك) على سبيل المثال، لقب (الملك الصالح)، ونظرًا لأهمية منصب الوزير في العصر الفاطمي الثاني، وما تمتع به الوزراء من مكانة سامية، وازدياد نفوذهم، وتنافسهم على هذا اللقب غرقت البلاد في حالة من الفوضى، كما أدى ذلك إلى استعانة الطامعين في هذا المنصب بالقوى الخارجية، مما ترتب عليه تطلع هذه القوى بدورها؛ لبسط سلطانها على مصر.

وفي عام (٥٥٨هـ/ ١١٦٢م) حدث أن نشب صراع بين كل من (شاور)، والى الصعيد، الذي نجح في انتزاع منصب الوزارة من (العادل بن طلائع بن رزيك) وبين (أبي الأشبال ضرغام بن عامر)، أحد قادة الجيش الفاطمي، حول منصب الوزارة، وذلك بعد تسعة أشهر فقط من توليه هذا المنصب.

وتمكن ضرغام من هزيمة شاور، وأجبره على الفرار من بلاد الشام وتولى الوزارة بدلًا منه، وفي بلاد الشام حاول شاور الاستعانة بنور الدين محمود، صاحب دمشق وطلب إمداده بحملة أو بجيش يستعين به على استعادة منصبه المغتصب وتعهد شاور لنور الدين محمود في مقابل ذلك أن يدفع تكاليف الحملة كاملة، وأن يدفع لنور الدين ثلث دخل مصر كجزية سنوية، وأن يدين لنور الدين محمود بالطاعة والولاء ويحكم مصر باسمه.

وفي الوقت الذي اشتد فيه الصراع على الوزارة بين شاور وضرغام، كان ملك بيت المقدس الصليبي عموري الأول أمالريك، يستعد لغزو مصر، وقام بالفعل بغزوها في ذلك العام (٥٥٨هـ / ١١٦٢م) فوصل إلى مدينة (بلبيس)، وقام بحصارها.

ولكن قوات ضرغام أرغمته على الانسحاب في الوقت الذي هرب فيه شاور إلى الشام مستنجدًا بنور الدين، ووجد نور الدين الفرصة التي كان يترقبها؛ لتحقيق حلمه بالاستيلاء على مصر وضمها إلى حكمه وبذلك يكون حاكمًا لمصر والشام من أجل إتمام مشروعه في حصر الصليبيين بين هاتين الجبهتين.

ولقد قام نور الدين زنكي بتجهيز جيش يخرج مع شاور؛ لمساعدته في استعادة الوزارة، وقد جعل نور الدين قيادة هذا الجيش لأحد قواده الشجعان وهو أسد الدين شيركوه، الذي اصطحب معه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب الذي كان في السابعة والعشرين من عمره.

والتقى جيش شيركوه بجيش ضرغام على مقربة من القاهرة، ووقعت معركة بينهما انتهت لصالح شيركوه بهزيمة جيش ضرغام ومقتله عند محاولته للهرب من ميدان المعركة سنة (٥٥٩ هـ / ١١٦٤م) وعاد شاور يتولى الوزارة، وأقام شيركوه بجنده خارج مدينة القاهرة وانتظر شاور؛ للوفاء بتعهداته للسلطان نور الدين، لكن شاور نكث بعهده للسلطان وأرسل لشيركوه يطلب منه الجلاء بقواته عن أرض مصر، فرفض شيركوه طلبه وامتنع، ورد على إخلاله بعهده، باحتلاله مدينة بلبيس بالشرقية.

فما كان من شاور إلا أن استنجد بالملك عموري ودعا الصليبيين بأن يأتوا بقواتهم إلى دمياط برًا وبحرًا؛ لتخليص البلاد من قوات نور الدين، وما كان من ملك بيت المقدس إلا أن سارع بالمجيء إلى مصر، بناء على طلب شاور، حتى لا تفوته مثل هذه الفرصة الذهبية التي لم يكن يتوقعها، وعند بلبيس وقف الجيشان النوري والصليبي وجهًا لوجه، وانتهى الأمر بينهما بالاتفاق على أن يغادر الطرفان مصر.

وكانت تلك مؤامرة من الملك عموري يتم له من خلالها انسحاب قوات نور الدين، ومتى تأكد هو من ذلك سارع بالعودة بقواته؛ لاحتلال مصر بحجة نجدة شاور، لكن عموري قبل أن يتم مؤامرته سارع بالعودة إلى بلاده بسبب ما قام به نور الدين من إرسال جيش يهدد مملكته في القدس، ولقد أرسل الخليفة الفاطمي العاضد إلى نور الدين يشكو إليه استبداد شاور وتعسفه، فما كان من نور الدين إلا أن أمر شيركوه بالتوجه ثانيةً إلى مصر على رأس حملة كبرى بصحبة صلاح الدين، ووصلت هذه الحملة إلى مصر سنة (٥٦٢هـ/ ١١٦٧م) واستقرت تلك القوات خارج الفسطاط، ولمجيء هذه القوات النورية استنجد شاور بالملك الصليبي عموري الذي سارع وللمرة الثالثة بالمجيء بقواته إلى مصر، ووقعت بين الفريقين النوري والصليبي معركة حاسمة عند (البابين) قرب مدينة المنيا بصعيد مصر، وانتهت بانتصار جيش نور الدين.

وعلى أثر الهزيمة ارتحلت القوات الصليبية إلى مدينة الإسكندرية، وقامت بحصار صلاح الدين الذي كان نائبًا عن عمه بها، ولما اشتد الحصار على صلاح الدين سارع عمه شيركوه بقواته؛ لنجدته وفك ذلك الحصار وانتهى الأمر بين المسلمين والصليبيين بالصلح على أن يغادر الطرفان مصر وعلى أن يتبادلا الأسرى فيما بينهما، لكن عموري، كعادته في نقض تعهداته، نقض الصلح مع شيركوه، وقام بالهجوم على مصر سنة (٥٦٤هـ/ ١١٦٩م).

وقد قام الخليفة الفاطمي العاضد بطلب النجدة من نور الدين، فبعث إليه بملابس نسائه مستغيثًا؛ لحماية شرف الخليفة من دنس الصليبيين، فما كان من نور الدين إلا أن كلف شيركوه وصلاح الدين بالقيام بحملة ثالثة على مصر، وطلب منهما أن تكون حملة فاصلة تقضي على خطر شاور وعلى دابر الصليبيين، فوصلت الحملة إلى مصر ولما رأى عموري كثرة أعداد جيش شيركوه آثر العودة إلى بلاده ودخل شيركوه القاهرة، واستقبله الناس والخليفة الفاطمي استقبال الفاتحين، واستدعى الخليفة الفاطمي شيركوه وخلع عليه خلعة الوزارة ولقبه (بالمنصور).

وأرسل شاور للصليبيين، مرة أخرى، يطلب منهم مساعدته عن طريق دمياط، ودبر مؤامرة كان هدفها اغتيال شيركوه ورجاله، ولما انكشف أمره اجتمع رأي أعيان مصر لدى شيركوه أن يقتل شاور؛ لأنه رأس كل المصائب والنكبات التي حلت بالبلاد، فقام شيركوه بقتل شاور هو وابنه (الكامل) سنة (٥٦٤هـ / ١١٦٩م)، ولقد توفي شيركوه بعد خمسين يومًا من توليه الوزارة (٢٢ جمادى الثاني ٥٦٤هـ/ ١١٦٩م) فخلفه فيها ابن أخيه صلاح الدين، الذي لقب بلقب الملك الناصر.

التوتر بين صلاح الدين ونور الدين: طموح الاستقلال

ولقد أرسل السلطان نور الدين إلى صلاح الدين يأمره بإلغاء الخلافة الفاطمية من مصر وإعادة تبعية مصر إلى الخلافة العباسية والمذهب السني، ولقد تم هذا الأمر حين ألقيت أول خطبة جمعة دُعي فيها للخليفة العباسي (المستضئ بالله) فوق منابر مصر، وكان ذلك يوم أول جمعة من شهر المحرم سنة (٥٦٧هـ/ ١٠ سبتمبر ١١٧١م)، وكان الخليفة الفاطمي العاضد قد اشتد به المرض فلم يدر بشيء عما حدث، وتوفي بعد هذا الإعلان بثلاثة أيام وانقضت بذلك أيام دولة الفاطميين بمصر، وكان العاضد آخرهم بعد أن حكموا مائتين وثمان سنوات.

ولقد استطاع صلاح الدين أن يتخلص من المصاعب والمؤامرات التي واجهها بعد إلغائه الخلافة الفاطمية من مصر، الأمر الذي أدى إلى تثبيت مركزه في مصر كتابع الخليفة العباسي ولسيده نور الدين محمود، لكن صلاح الدين طمع في الاستقلال بحكم مصر وعدم تبعيته للسلطان نور الدين، ولقد أحس السلطان نور الدين برغبة صلاح الدين في الاستقلال بحكم مصر حين أرسل صلاح الدين رسولًا من طرفه إلى الخليفة العباسي يحمل له البشارة بإلغاء الخلافة الفاطمية دون أخذ الإذن في ذلك من سيده نور الدين.

كذلك حين أمر نور الدين صلاح الدين بملاقاته عند حصن (الكرك)؛ لمقابلة الصليبيين بجيشهما معًا ونكوص صلاح الدين عن ذلك خوفًا من أن يغدر به نور الدين هناك والقبض عليه أو قتله، وعندما ازدادت شكوك نور الدين في تصرفات صلاح الدين صمم على أن يخرج بجيشه لمصر؛ لإزاحة صلاح الدين عنها، وأرسل نور الدين في سنة (٥٦٩هـ / ١١٧٣م) موظفًا من عنده؛ ليحاسب صلاح الدين بأن يقدم له كشف حساب عن إيرادات مصر ومصروفاتها.

وكادت الحرب أن تقع بين العاهلين الكبيرين لولا أن القدر كان رحيمًا بصلاح الدين ففاجأ الموت نور الدين بغتة يوم الأربعاء (١١شوال عام ٥٦٩هـ / ١١٧٣ م عن عمر ٥٨ سنة) فأنقذه من خطر محقق هدد وجوده في مصر.

وقد دفن نور الدين بقلعة دمشق، ثم نقل جثمانه إلى مدرسته التي أنشأها بجوار الخواصين وكانت سلطنته ثمانية وعشرين عامًا وستة أشهر، ومن أجل وحدة الصف الإسلامي، كان لزامًا على صلاح الدين حكم الشام والاستيلاء على ممتلكات نور الدين في الشام بعد أن آلت إلى ابنه الطفل (الصالح إسماعيل)، فخرج في نفس العام لفتح الشام، وصفت له كل بلاد الشام بعد معركة (تل السلطان) (سنة ٥٧٢هـ/ ١١٧٦م).


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • ابن الأثير: عز الدين على بن أحمد أبي الكرم: الكامل في التاريخ، دار صادر- بيروت، ٠١٩٨٢
  • حسن حبشي: نور الدين والصليبيون- القاهرة ١٩٤٨م.
  • سعيد عاشور: الحركة الصليبية صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى - القاهرة ٩٩٧ ١م.
  • ليلى عبد الجواد: تاريخ الأيوبيين والمماليك في مصر والشام- القاهرة بدون بيان نشر.

الخلاصة

بنو زنكي كانوا من أبرز الحكام الذين أسهموا في مقاومة الحملات الصليبية وتوحيد مناطق الشام في القرن الثاني عشر بقيادة عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود، نجحوا في تعزيز القوة السياسية والعسكرية والإسلامية في المنطقة وتركوا إرثًا تاريخيًا مهمًا ساهم في تمهيد الطريق لظهور الدولة الأيوبية.

موضوعات ذات صلة

في قلب المغرب الإسلامي، برزت الدولة الحفصية كقوة حاكمة.

أسرة أندلسية شهيرة تميزت بريادتها في الطب والكيمياء والصيدلة.

فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).

موضوعات مختارة