Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الجراجمة

الكاتب

أ.د/ عبد المقصود عبد الحميد باشا

الجراجمة

الجراجمة هم قوم من نصارى العرب سكنوا شمال سوريا، وكانوا معروفين بتذبذب ولائهم بين الروم والمسلمين، وتعاونوا مع الطرفين حسب المصلحة حتى اندمجوا في الدولة الإسلامية بعد فترة من الصراع.

التعريف بالجراجمة ومكانتهم

الجراجمة: قوم من نصارى العرب، سكنوا المنطقة الجبلية من شمال سوريا [انظر: تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، د/ فيليب حتى، ص٢، وص ٥٣، دار الثقافة، بيروت] نسبة إلى مدينتهم (جرجومة)، كما عرفوا كذلك في التاريخ العربي (بالمردة) [يعلل الأستاذ كرد على هذه التسمية: بعصيانهم أمر ملك الروم في عدم التعرض للعرب (خطط الشام، ص٢٩، ط دار النوري، دمشق)، وإن كنا نرجح أن التسمية كانت لشدة عداوتهم للمسلمين في بعض الأوقات، إذ كثيرًا ما قطعوا السبيل وأخافوا المارة].

الجراجمة في الفتح الإسلامي

ويبدو أنهم لم يثيروا مشاكل أثناء الفتح الإسلامي؛ لذا لم ينتبه إليهم أبو عبيدة - رضي الله عنه - في فتحه للشام أول الأمر فلزموا مدينتهم، وهمَّوا باللحاق بالروم غير أنهم استمروا في بلادهم، وعندما غزا حبيب بن مسلمة الفهري جرجومة، لم يقاتله أهلها، وبادروا بطلب الصلح، فصالحهم على أن يكونوا أعوانًا للمسلمين، وعيونًا ومسالح في جبل اللكَّام، وذلك في مقابل عدم أداء الجزية من ناحية، وأن يُنفَّلُوا أسلاب من يقاتلون من الروم إذا ما شهدوا قتالهم [انظر فتوح البلدان للبلاذري، ط. دار الهلال، بيروت، ص١٥٩- ١٦٣].

التذبذب في المواقف

وقد اختلفت مواقفهم تجاه كل من الروم والمسلمين، فمرة يكونون للمسلمين على الروم، وأخرى يعكسون أدوارهم، فهم كما يقول د/ فيليب حتى: "ثائرون، مقامرون، محاربون، فقد أدوا خدماتهم لأقوى مساوم" [تاريخ سوريا، مصدر سابق]، ويعتبرهم الأستاذ / كرد علي مذبذبين، حيث كانوا يستقيمون للولاة مرة، ويعوجون أخرى، فيكاتبون الروم، ويمالئونهم على المسلمين [خطط الشام مرجع سابق، وانظر أيضًا معجم البلدان، لياقوت]، فقد صالح الجراجمة المسلمين على أن يكونوا أعوانًا لهم، كما قاموا كذلك بإمداد الروم بالرجال والجنود غير النظاميين، مستفيدين من موطنهم على الحدود العربية البيزنطية، خاصةً وقت الفتن ونشوب الأزمات، ففي بداية العصر الأموي، اضطر معاوية في أثناء حربه للإمام علي - رضي الله عنهما - إلى مهادنة الروم، ودفع ضريبة سنوية كبيرة، في مقابل كف الروم عن غزو الشام من ناحية، وإقناعهم بالامتناع عن مطالبة الجراجمة بإثارة الفتن والقلاقل للمسلمين، على نحو ما حدث عندما أوعز قسطنطين الثاني - قنسطانز- عام ٦٦٦م إلى الجراجمة بإثارة القلاقل والمتاعب للمسلمين، فضلًا عن إعانتهم بأعداد كبيرة من الروم [القوى البحرية والتجارية، أرشيبالد لويس، ص ٩٥].

ويرى "أرشيبالد لويس" أن أثرهم كان قويًا لدرجة أن معاوية رغب في السلام، ولو بدفع إتاوة للقسطنطينية. [تاريخ سوريا، مصدر سابق، وهو ما أيده أيضًا (ارشيبالد لويس) ص٩٥].

وإن كان قد تدارك الأمر بعد عام الجماعة (٤١هـ - ٦٦١م) فعمل كما يقول أرشيبالد لويس على السيطرة على شواطئ المتوسط، حتى يمكنه القضاء على العراقيل المترتبة على مساعدة الروم أرشيبالد للجراجمة في إثارة القلاقل والفتن [انظر: الحدود الإسلامية البيزنطية، د/ محمد فتحي عثمان، ج٢ ص ٦٧ ط، دار الكاتب العربي]، وكان من نتيجة ذلك قيام معاوية - رضي الله عنه - بعد ذلك بنقل جماعة من العراق إلى الساحل البحري وأنطاكيا عام (٩ ٤هـ - ٦٦٩م) حتى يقلل من خطر الجراجمة ويصدع جبهتهم.

على أن خطر الجراجمة سرعان ما عاد مع بداية خلافة عبد الملك بن مروان ونشوب الحرب الأهلية بينة وبين عبد الله بن الزبير في مكة؛ حيث تعاونت الجراجمة مع الروم القادمين إليهم من الإسكندرونة ورودس عن طريق البحر تحت إمرة بطريق لهم، واجتمعوا معًا حتى توغلوا بأنطاكيا في الجبل اللبناني عام ٦٨هـ - ٦٨٧م فأعظم ذلك المسلمون بالساحل، حتى لم يكن أحدٌ يخرج من ناحية الساحل إلا بالسلاح، فغلب الجراجمة على الجبال كلها، الأمر الذي جعل عبد الملك بن مروان يهادنهم مقابل إتاوة كبيرة حتى يتفرغ لهم، وقد استطاع قائده على طرابلس سُحيم بن المهاجر أن يعمل الحيلة في القضاء على هذا الجيش المكون من الروم الجراجمة حتى استطاع القضاء عليهم، فهرب الروم إلى بلادهم ورجعت الجراجمة إلى قراهم) [انظر: هذه المكيدة في فتوح البلدان، مصدر سابق، وانظر أيضًا: خطط الشام، مرجع سابق].

ويبدو أن بعضًا من هؤلاء الجراجمة قد لحق بالروم، وهو ما يظهر من خلال المعارك التي دارت بين المسلمين بقيادة مسلمة بن عبد الملك وبين الروم في إحدى غزواته لهم؛ حيث قتل عددًا كبيرًا منهم، وكان عدد المستعربين منهم ألفًا غير السبايا [انظر: الكامل لابن الأثير، ص١٠٧، ط دار الفكر، سوريا]، وكان ذلك عام (٨٧هـ - ٧٠٦م) خاصة وقد كان اللحاق بأرض الروم يدور في أذهانهم منذ فتح أبي عبيدة بن الجراح للشام، وهو الأمر الذي تحقق لكثير منهم عندما كان إبعادهم إلى الروم أحد المطالب التي اشترطها عبد الملك بن مروان على جستنيان على ما سيأتي.

والحقيقة أن أمر الجراجمة مع المسلمين كان يغلب عليه في أحيان كثيرة المراوغة والذبذبة بين هاتين القوتين: المسلمين والروم.

فعندما نقضت الروم الهدنة مع المسلمين في عام (٦٩هـ - ٦٨٩م) نتيجة لغفلة المسلمين من ناحية، ولانشغالهم بحروبهم الداخلية من ناحية أخرى، عمل عبد الملك على عقد هدنة جديدة، وبشروط أكثر إجحافًا مما كانت عليه في عهد معاوية، إلا أنه أصر على أن يقوم الروم بمنع غارات الجراجمة، وذلك مقابل إتاوة ضخمة، وبالفعل أمر ملك الروم بإبعاد اثني عشر ألفًا من الجراجمة من الشام إلى بلاده.

ويعلق (ثيوفانيس) المؤرخ البيزنطي على هذه الخطوة وما ترتب عليها من آثار سيئة على الروم بقوله: "وقد أضعفت بذلك قوة المملكة الرومانية؛ لأن جميع المدن المجاورة للبنان كانت ضعيفة وخالية من السكان بسبب غارات المردة - الجراجمة - الذين عينهم الملك، وقد توالت منذ ذلك اليوم المحن والمصائب في المملكة الرومانية بسبب العرب" [انظر: الحدود الإسلامية البيزنطية، مرجع سابق ص٦٩].

إبعاد الجراجمة الي بلاد الروم

أما عن الطريقة التي أُبعدت بها الجراجمة عن الشام والتي قامت أيضًا على الحيلة، وإن كانت هذه المرة من جانب الروم، فقد ذكرت مصادرنا أن ملك الروم جهز جيشًا وسيَّره إلى سوريا، وأشاع أنه حامل على العرب، فقابل الأمير يوحنا قائد الجيش بالترحاب، فاحتال عليه القائد حتى قتله، وقد علل القائد فعلته هذه بتقديم المصلحة البيزنطية العامة على مصلحة حلفائه، مبينًا أن القسطنطينية محفوفة بالمخاطر الشديدة من جراء حملات العرب... وأنه يلزم تقديم المصلحة العامة على الخاصة، ثم حمل الجراجمة على أن يقيموا سمعان ابن أخت الأمير يوحنا قائدًا لهم، ثم مضى بهم إلى أرمينيا" [نفس المرجع].

مكانة الجراجمة في بلاد الروم

وهناك في بلاد الروم حظي الجراجمة بمكانة خاصة؛ حيث كانت المرتبة السابعة عشرة بعد الملك لكبير الجراجمة؛ [أنظر: المرجع السابق ص٧٠] كما كان لهم والٍ وقاضٍ يختصان بهم. [نفسه، وانظر أيضًا: القوى البحرية، مصدر سابق، ص٩٩].

ولم يكن هذا الإبعاد هو نهاية الجراجمة؛ فقد ظلوا مصدر فساد وإرهاب للأهلين، فكانت الجراجمة إذا غزت الصوائف قطعوا على المتخلف واللاحق أو من قدروا عليه [فتوح البلدان، ص١٦٣، مصدر سابق].

دور الجراجمة في العصر العباسي

وظلت مشكلة الجراجمة قائمة كمخلب قط ، كلما ضاق الأمر على الروم من جراء حملات المسلمين وفتوحاتهم أوعزوا للجراجمة بإثارة القلاقل، وإمدادهم بالحشود والمؤن على نحو ما حدث في عام ٨٩هـ/ ٧٠٨م، وكان المسلمون قد أحرزوا نصرًا كبيرًا على الروم فاجتمعت الجراجمة في مدينتهم وأتاهم مدد من الروم من قبل الإسكندرونة ورودس، فوجه إليهم الوليد بن عبد الملك أخاه مسلمة فدهمهم وانتصر عليهم، ثم خيَّرهم على أن ينزلوا بحيث أحبوا من الشام، ويجري على كل امرئ منهم ثمانية دنانير، فضلًا عن مؤنتهم من الأطعمة  [الحدود الإسلامية، مرجع سابق، ص٧٩، وانظر أيضًا: خطط الشام، ص١٢]، مع عدم إكراههم على ترك ديانتهم، كما قدم لهم بعض الإغراءات  التي سبق أن قدمت لهم، مثل: عدم دفع الجزية، كما أباح لهم الغزو مع المسلمين، بحيث يأخذون من الغنائم التي  يشاركون في أسبابها، مع الأخذ في الاعتبار أخذ الخراج والعشور منهم، شأنهم في ذلك شأن غيرهم.

وهكذا فرَّق الوليد شمل الجراجمة الذين توثقت صلاتهم بالروم، وكانوا شوكة في جنب المسلمين، وأبعدهم عن مراكزهم الحساسة، وصاروا جندًا يشاركون في الدفاع عن حدود الدولة الإسلامية دون أن يدخلوا في الإسلام، ويبدو أن هذا كان نهاية تعاملهم مع الروم، وأنهم اندمجوا في الدولة الإسلامية، وهو ما يظهر من قول ياقوت: "واستعان المسلمون بالجراجمة في مواطن كثيرة في أيام بني أمية وبني العباس، وأجروا عليهم الجرايات وعرفوا منهم المناصحة، وعادوا كما كانوا في أول أمرهم على ما صالحوا عليه في أول الفتح؛ حيث طلبوا الأمان فصُولحوا على أن يكونوا أعوانًا للمسلمين، وعونًا ومسالح في جبل اللكَّام، وأن لا يؤخذوا بالجزية". [فتوح البلدان للبلاذري، ص١٦٠ وما بعدها].

كما ساهموا كذلك في عهد يزيد الثاني في القضاء على الفتن التي نشأت في العراق، واستمروا في تأدية دورهم هذا حتى العصر العباسي، فقد ذكر البلاذري أنه في عهد المتوكل أمر بأخذ الجزية منهم، وأن يجري عليهم الأرزاق إذا كانوا ممن يُستعان بهم. [نفس المصدر].

من هنا يبدو أن الأمر قد انتهى بهم إلى مناصرة المسلمين والكف عن مساعدة الروم، وهو ما يظهر من قول ياقوت: "وهكذا كانت أخراهم كأُولاهم في مساندة المسلمين بعد أن كانوا في بعض أيامهم شوكة في جنبهم". [معجم البلدان، مصدر سابق].


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • الكامل لابن الأثير، ط دار الفكر، سوريا.
  • فتوح البلدان للبلاذري، ط دار الهلال، بيروت.
  • الحدود الإسلامية البيزنطية، د/ محمد فتحي عثمان، ط دار الكاتب العربي.
  • خطط الشام، محمد كرد علي، مطبعه النوري، دمشق.
  • تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، د/ فيليب حتى، ط دار الثقافة، بيروت.
  • معجم البلدان، ياقوت الحموي، ط دار الكتب العلمية، بيروت.
  • القوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط لارشيبالد لويس، ط النهضة المصرية.

الخلاصة

الجراجمة: هم قوم من نصارى العرب سكنوا المنطقة الجبلية في شمال سوريا، وكانوا معروفين بـ "المردة"، تذبذبت مواقفهم بين دعم المسلمين والروم خلال الفتوحات الإسلامية، ففي بعض الأحيان تعاونوا مع المسلمين كأعوان ومسالح، وفي أحيان أخرى، انضموا إلى الروم، وتم إبعاد بعضهم إلى بلاد الروم، لكنهم عادوا لاحقًا إلى الشام وانضموا إلى الجيش الإسلامي.

موضوعات ذات صلة

هم الذين ورثوا عرش دولة المماليك البحرية.

هم سكانُ المنطقةِ الجبليّة المطلّة على بحرِ قزوين شمال إيران.

من أبرز الحركاتِ الثوريّةِ التي ظهرتْ في العصر العباسيّ.

موضوعات مختارة