الديلم شعب من الشعوب الإيرانية التي عاشت منذ
أقدم العصور في المنطقة المحيطة ببحر قزوين شمالي إيران، وقد سمي
هذا الإقليم باسمهم فقيل: بلاد الديلم أو الديلمان.
وبحر
قزوين
يسمى أيضا بحر الخزر وبحر طبرستان، وهو عبارة عن بحيرة كبيرة منخفضة عن سطح
البحر بحوالي ٨٥ قدمًا، يضم أكبر كمية مياه محبوسة في العالم، وهو ينكمش تدريجيًا
على مدى القرون، ويضمحل نسبيًا، ودرجة ملوحته أقل بكثير من مياه المحيطات، ويحتوي
على ثروة سمكية كبيرة، ولا تصلح شواطئه للمرافئ والسفن، وتصب فيه بعض الأنهار
العذبة، مثل نهر أورال، ونهر الفولجا في الشمال، ونهري أترك وجرجان في
الجنوب الشرقي [دونالد ولبر: إيران: ماضيها وحاضرها ص ١٤، ١٥-
القاهرة سنة ١٩٥٨م ودولت أحمد صادق: جغرافية العالم-آسيا وأوروبا- مكتبة الأنجلو بالقاهرة.
سنة ١٩٧٠م ص ٩ ٣].
ويشمل إقليم الديلم خمس كور هي من ناحية الشرق إلى الغرب: جُرْجَان
وطبرستان والديلمان والخزر وقُومِس، وتقع كلها على بحر قزوين مباشرة من
ناحية الجنوب ما عدا قومس التي تبتعد عنه جنوبًا، وتفصلها عن البحر كورة
طبرستان، والخزر تقع خلف البحر في الشمال [المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم - طبعة ليدن سنة ٩٠٩ ١م- ص ٥٣ ٣].
ويتميز
الإقليم بطبيعته الجبلية القاسية، وأمطاره الغزيرة التي تسقط على ساحل بحر قزوين
طوال العام، ويتراوح متوسط سقوطها بين٠ ٤ و٠ ٦ بوصة، وتتراكم الثلوج فوق قمم
الجبال العالية، فتظل تعلوها حتى أواخر الصيف [المقدسي:
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم - طبعة ليدن سنة ١٩٠٩م – ص٣٥٣]
وتجمع
جرجان بين الطبيعة السهلية والطبيعية الجبلية، وهي غزيرة الأنهار، كثيرة البساتين،
وأشهر مدنها: أستراباذ وآبسكون، وأما طبرستان فهي سهلية بحرية، وفيها جبال أيضًا،
لكن جوها أقل نقاءً من جرجان، وأشهر مدنها سالوس وميلة ومامطير وسارية.
وإلى الجنوب من طبرستان بعيدًا عن بحر الخزر
تقع قومس وهي كورة رحبة نزهة حسنة الفواكه، كثيرة الأنعام، قليلة السكان
وقصبتها الدامغان ومن مدنها بسطام [ولبر:
إيران ماضيها وحاضرها [مرجع سبق ذكره] ص ١٨].
وتقع
كورة الديلم أو الديلمان في منطقة الجبال إلى الغرب من طبرستان،
وتعرف أيضًا ببلاد جيلان أو كيلان، وإذا أردت النسب إلى البلاد قلت:
جيلاني، وإذا أردت النسب إلى شخص منهم قلت: جيلي [ابن حوقل: صورة الأرض- الطبعة الثانية- ليدن
١٩٦٧م ص ٣٨١]، وليس في هذه الكورة مدن كبيرة، وإنما
هي مدن صغيرة وقرى، وقصبتها بروان" ومن مدنها شكيز وتارم ولامر"
[المقدسي
ص ٣٥٣].
وكورة
الخزر تقع خلف بحر قزوين من الشمال، وهي بلاد واسعة المساحة، قليلة المدن والسكان،
ولها نهران يصبان في بحر قزوين توجد عليهما معظم مدنها، ويصبان في بحر
قزوين، وتكثر فيها الأغنام والعسل، وقصبتها أثل ومدنها بلغاري وسمندر.
سكان
الإقليم:
هم
شعب فارسي عرف باسم الديلم، وهم عنصران الجيل والديلم، وأكثر الناس
لا يكادون يفرقون بينهما، ويغلب عليهم التخلف والعزلة والتأخر الحضاري وبخاصة سكان
كورة الديلمان؛ نظرًا لنأي بلادهم ووعورتها وقسوة مناخها، ويقول عنهم المقدسي:
لا ترى لهم لباقة ولا علم ولا ديانة [المصدر
السابق ٣٥٥].
وكانت
للديلم عادات غريبة؛ إذ لا يسمح بخروج امرأة نهارًا، وإنما تخرج النساء ليلًا في
أكسية سود، ولا يجوز أن تتزوج امرأة مات عنها زوجها، وإلا شهروا بها، وضربوا على
أبوابها بالخزف.
وسكان الإقليم بعامة حسان الوجوه واللحى،
وأحسنهم أهل طبرستان، وأكثرهم نحافة أهل جرجان، وأهم الحرف في
الإقليم الرعي، وصيد السمك في المناطق الساحلية، وزراعة الكتان والأشجار
المثمرة كالزيتون.
ويرى
بعض المستشرقين أن الديلم في الأصل ليسوا من الشعوب الإيرانية؛ لاختلاف
لهجتهم عن لهجة سائر الفرس، لكنهم بمرور الزمن أصبحوا من الإيرانيين، والبعض يزعم
أن لهم نسبًا عربيًا وهذا الرأي ليس له سند أو دليل.
وكان
الديلم -لقرب عهدهم بالبداوة- يتصفون بالجَلَد وتحمل المشاق، والصبر على
الجوع ويستبسلون في الحرب والقتال، وقد عرفت جرجان وطبرستان نوعًا من
التحضر السياسي، فكان لهم ملوك وحكام، وكان حاكم طبرستان يلقب بالإصبهبذ،
كما يقول ابن الفقيه واليعقوبي.
وبدأ
الإسلام يغزو هذه البلاد في وقت مبكر، زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان
رضي الله عنه سنة ٢٩هـ/٦٤٩م، ولكن طبيعة البلاد الوعرة حالت دون تقدم المسلمين في داخلها،
وبسط سيادتهم عليها، وتكررت المحاولات في خلافة معاوية بن أبى سفيان، لكن
الجيش الإسلامي مُنِى بهزيمة ساحقة في مضايق طبرستان، وهلك قائده: مصقلة بن
هبيرة، حتى صار مضرب المثل للشيء المستحيل فقيل: حتى يرجع مصقلة من طبرستان.
[الإصطخرى:
المسالك والممالك ص ٧٢].
واستمرت
محاولات المسلمين في العصر الأموي لفتح طبرستان، وأهلها يراوغون، فيؤدون الجزية
مرة، ويمتنعون عنها مرة أخرى، ثم اتصلت الغزوات في العصر العباسي في عهود السفاح
والمنصور، والرشيد، ولم يتم إخضاع طبرستان إلا في سنة ٢٥٥هـ/٨٦٨م أثناء
ولاية الطاهريين على خراسان [البلاذري: فتوح البلدان- دار صادر بيروت
سنة ١٩٥- ص ٤٦٧، ٤٦٨].
وقد
تمكن الإسلام من غزو طبرستان وحدها، أما باقي الإقليم، فقد ظل على جاهليته
الأولى، حتى دخله أفراد من الزيديين والعلويين فنشروا مذهبهم بين أهله.