سار عمرو بن العاص إلى مصر ليفتحها،
وحين أحسَّ المقوقس (عظيم القبط) أن جيش عمرو يتقدم بنجاح، كتب إليه معبرًا عن
استعداده لعقد الصلح بين الطرفين، ومن ثَم فقد تم الصلح بينهما بشروط أوجبت على كل
طرف واجبات، كما حددت لكل منهما حقوقًا، ولقد اشترط المقوقس على عمرو أن يترك
للروم حرية الموافقة على هذه الشروط أو رفضها. [ابن
عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ٦١- ٦٢]
وكان هذا الاتفاق نواة لعقد الذمة في
مصر، ولقد تم توقيع عقد آخر بين المقوقس وعمرو حين نجح العرب في فتح الإسكندرية،
وسمي هذا العقد (صلح الإسكندرية)، وكان أول شرط في هذا الصلح أن يدفع الجزية كل من
دخل في العقد من أهالي الإسكندرية، وهذا الشرط جعل أهالي الإسكندرية (أهل ذمة)،
يؤدون الجزية في مقابل الدفاع عنهم وتأمينهم على أنفسهم ومصالحهم وممتلكاتهم، ولكن
هذا الصلح لم يُرضِ الأهالي الذين ثاروا على المقوقس وحاولوا رجمه بالحجارة لعقده
الصلح مع المسلمين، غير أنه أقنعهم أن هذا الصلح يحميهم ويحافظ على مصالحهم،
فسلموا الجزية المتفق عليها إلى المقوقس، وحملها المقوقس بنفسه إلي عمرو بن العاص. [انظر: د /فاطمة مصطفى عامر: تاريخ أهل الذمة في مصر الإسلامية، ١
/٩٢- ٩٦. (اللويثة المصرية العامة للكتاب)]
ونود أن نشير هنا إلى أن الجزية ليست
من ابتداع المسلمين أو العرب وأن أول من سن الجزية هو كسرى ملك الفرس بناء على ما
ذكره الطبري في تاريخه، وقد كانت الحيرة ومنازل آل النعمان في الجزيرة العربية
تدين للعجم وتؤدى إليهم الإتاوة والخراج. [تاريخ
الطبري١ /٤٥١]
وأما بالنسبة لتاريخ تشريع هذا المبدأ في
الإسلام، فقد قيل إنه سنة ثمان للهجرة، ولقد رُوي أن نصارى بني تغلب قد أنفوا من
اسم (الجزية) وقالوا لعمر بن الخطاب: نحن عرب، فخذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم
الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة، فقال له النعمان بن زرعة: خذ منهم الجزية
باسم الصدقة، فقبل عمر ذلك وضعف عليهم، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فكان إجماعًا. [الكافي في الفقه على مذهب ابن حنبل. موفق الدين ابن قدامة المقدسي، ٤/٢٣٧]
وإذا أردنا أن نعقد موازنة بين رغبة
(الاتجاه الإسلامي) في تحصيل الجزية من غير المسلمين، ورغبته في دخول هؤلاء في
الإسلام مع إعفائهم من الجزية فإننا نجد أن الاتجاه الثاني أرجح.
فحين ولي عمر بن عبد العزيز
الخلافة رغب في تشجيع الذميين على الإسلام، وذلك عن طريق إعفائهم من بعض الأعباء
المالية، فكتب إلى عماله: من شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا... فلا تأخذوا منه جزية.[الأموال
للقاسم بن سلام صـ٦- برقم ١٢٥].
وقد نتج عن ذلك ضعف إيرادات مصر، فكتب
إليه واليها (حيان بن سريح): "إن الإسلام قد أضر بالجزية"، وطلب منه أن
يأمر بأخذ الجزية حتى ممن أسلموا من أهل الجزية، فكتب إليه عمر: إن الله
إنما بعث محمدًا هاديًا، ولم يبعثه جابيًا، ولعمري لعمر أحقر من أن يدخل الناس
كلهم الإسلام على يديه. [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها ١٥٦].
وإن جاء بعض الولاة بعد ذلك فمالوا إلى
إعادة الجزية على أهل الذمة الذين أسلموا، أو تحصيل الضرائب منهم، وعمل كل والٍ من
هؤلاء الولاة برأيه وبصورة تقوم على التعسف وعدم النظام. [انظر:
د/ فاطمة مصطفى عامر: تاريخ أهل الذمة في مصر، ٢/٧- ٥٢].
ولقد كان من ملامح عقد الذمة في مصر
-كما في سائر الأمصار- حسن التعامل وصدق الوفاء من الحكام، والشعور بالأمان ودقة
الالتزام من أهل الذمة.
فلقد أقر عمر أهل الذمة في مصر
على أراضيهم، وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وحرية عقائدهم، وترك لهم الحرية في
الإقامة بمصر أو الخروج منها. [توفيق الطويل: قصه الاضطهاد الديني في
المسيحية والإسلام، ١٦٨]
واتبع الخليفة عثمان بن عفان سياسة
التسامح مع أهل الذمة في جميع أرجاء الدولة الإسلامية، وأوصى عماله برعاية شئونهم.
وكذلك أحسن علي بن أبي طالب
معاملة الذميين، وأمر بمراعاة عهودهم والدفاع عنهم، وقد أوصى عامله محمد بن أبي
بكر بأهل الذمة حين قدم مصر واليًا عليها من قبله سنة ٣٦هـ/٦٥٦م [ابن الأثير: الكامل،٣ /١٠٩، الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ٣/٥٥٦].
وكان من نتائج ذلك أن قام أهل الذمة
بدور إيجابي في الحياة السياسية في عصر ولاة الخلفاء الراشدين، وقد استمروا في
أداء هذا الدور في عصر الولاة الأمويين والعباسيين.
وكان للعوامل السياسية أكبر الأثر في
حمل العرب على ترك مقاليد الأمور في أيدي أهل مصر من القبط خاصة، أي أن القبط
صاروا يتمتعون بحريتهم الدينية إلى جانب قيامهم بنصيب كبير في إدارة بلادهم.
وبذلك حل القبط محل الروم الذين غادروا
مصر والذين كانوا يتولون إدارة البلاد. [سيدة كاشف: مصر
في فجر الإسلام١٨٩]
وإلى جانب الدور الإيجابي الذي لعبه
أهل الذمة في إدارة البلاد، فقد كان لهم دور آخر في الحياة الفكرية والثقافية.
فقد وجد الإسلام طريقه إلى قلوب
المصريين بعد الفتح، وكان انتشار اللغة العربية مصاحبًا لهذا الفتح، ولكن بعض
الأقباط ظلوا محافظين على لغتهم القبطية دون محاولة لمعرفة غيرها، مما ينفي ما روَّجه
بعض الكُتَّاب المعاصرين من محاولة حكام مصر الجدد منع الأقباط من التحدث بلغتهم
القبطية.
ولقد كان النشاط الفكري للقبط بلغتهم
يتركز في الأديرة حيث توجد المكتبات الغنية، وحيث يوجد عدد من الرهبان المثقفين
الذين يقومون بترجمة الكتب اليونانية إلى اللغة القبطية.
وترتب على دخول بعض الذميين في الإسلام
عنايتهم بالدراسات الإسلامية والأدبية منذ أواخر عهد الأمراء الإخشيدين وطوال عصر
الخلفاء الفاطميين بصفة خاصة. [انظر: د/فاطمة مصطفى عامر: تاريخ أهل
الذمة في مصر، جـ٢. الباب الرابع. دور أهل الذمة في الحياة الفكرية١٧٩- ٢٣٥]