Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أهل الذمة

الكاتب

أ.د/ عبد اللطيف محمد عامر

أهل الذمة

أهل الذمّة مصطلح يطلق على غير المسلمين الذين يعيشون في (ذمة) المسلمين ورعايتهم، والعلاقة بينهم قائمة على مبدأ التعايش والتسامح مع احترام الحقوق والواجبات، وأن لهم حقوقهم التي يحترمها الإسلام. فهم في ذمة الله أوًلا، وفي ذمة رسوله ثانيًا، وفي ذمة المسلمين ثالثًا ما داموا مسالمين لا يعتدون ولا يحاربون. 

مفهوم أهل الذمة

الذمة لغة [المعجم الوسيط. مجمع اللغة العربية. مادة (ذم)]:

الذمة: العهد والأمان والكفالة، وفي الحديث: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ». [أخرجه البخاري. كتاب الحرية. باب ذمة المسلمين وجوارهم، جامع المسانيد ٤/٤٩١].

و(أهل الذمة): هم المستوطنون في الأقطار الإسلامية من غير المسلمين، وكان هذا المصطلح يشمل -أيضًا- من لا كتاب سماويّ لهم كالمجوس والسامرية والصابئة. [الماوردي: الأحكام السلطانية /١٢٨، جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، ٤ /١٥٣]

أهل الذمة اصطلاحًا [جواهر الإكليل ١/١٠٥، كشاف القناع ١/٧٠٤]: أهل الذمة - في الاصطلاح- هم غير المسلمين الذين أقرِّوا على دينهم وهم في دار الإسلام، ولكن فرضت عليهم الجزية، وكانوا تحت أحكام الإسلام.

ويتضح من هذا التعريف أن هؤلاء الناس يعيشون في (ذمة) المسلمين ورعايتهم ما لم يحاربوا، وأن لهم حقوقهم التي يحترمها الإسلام.

ومن ثَم فإن هذا المصطلح (أهل الذمة) لم تكن له الأبعاد النفسية المعاصرة، بل إن إيحاءه كان يلقي على المسلمين واجبات تقابل ما يمنح للذميين من حقوق، فأهل الذمة هم في ذمة الله أوًلا، وفي ذمة رسوله ثانيًا، وفي ذمة المسلمين ثالثًا ما داموا مسالمين لا يعتدون ولا يحاربون.

فإذا لحقوا بدار الحرب، وانضموا إلى المحاربين فحملوا السلاح، ونقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين، فقد انقلبوا محاربين، وخرجوا من (ذمة) المسلمين وعهدهم ورعايتهم). [الدر المختار ورد المحتار ٣/٢٧٥- ٣٠٣، الشرح الصغير ٢/ ٣١٦، المغني٨/٤٥٨]

تاريخية المصطلح: لم يكن مصطلح (أهل الذمة) من المصطلحات (التوقيفية) التي لا مجال لتغييرها أو التصرف فيها، وإنما كان مصطلحًا صكه المجاهدون المسلمون حينما أرادوا أن يفرقوا بين المقاتلين وغير المقاتلين ممن لم يدخلوا الإسلام.

وكان هذا المصطلح - كما رأينا- يدور مع المسالمة والقتال: فمن سالم المسلمين فهو في ذمتهم ورعايتهم، ومن حمل عليهم السلاح أُذِن لهم بقتالهم.

وإن العقيدة الجديدة التي نشأت في الجزيرة العربية لم يكن يحرسها ويدافع عنها إلا المؤمنون بها، وحين بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوته بدأ بأهله المحيطين به وبذوي قرباه مصداقًا لقوله تعالى: {وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ} [الشعراء: ٢١٤] وكانت القوى الأساسية في الجزيرة العربية ثلاثًا هي:

  • المشركون الذين يعبدون الأصنام.
  • اليهود الذين هربوا من ظلم الرومان والبيزنطيين بالشام إلى يثرب (المدينة).
  • والنصارى الذين كانوا يشكلون قوة في الجزيرة، والذين لجأ بعضهم - أيضًا - إلى الجزيرة فرارًا من ظلم الرومان.

أما في خارج الجزيرة فقد كانت هناك قوتان كبيرتان هما الروم والفرس، وكانت بينهما حلقات من الصراع المتصل [انظر: أحمد أمين، فجر الإسلام، ١٢٥].

 في الوقت الذي كان الصراع في داخل الجزيرة العربية قد نشأ بين حملة الدعوة الجديدة من جهة، والمشركين واليهود من جهة أخرى.

أما النصارى فقد كان لهم وجود غير مؤثر في الجزيرة العربية؛ حيث تعلم بعضهم اللغة العربية؛ وحيث العتق بعضهم مذاهب اللخميين أو اليعاقبة. [السابق]

ولا بد أن ينتج هذا الصراع الذي نشأ في الجزيرة خصومًا يناصبون الدعوة الجديدة العداء، ويحملون في وجوه أتباعها السلاح و(محايدين) لا يحملون سلاحًا، ولا يجاهرون بالعداوة، فكان لا بد لهؤلاء وهؤلاء من مبدأ للتعامل محكوم بمثل قوله تعالى: {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} [البقرة: ١٩٠].

 فالمقاتلون المناوئون يواجَهون بالقتال، والذين كفوا أيديهم عن القتال لا بد أن ينشأ أسلوب آخر للتعامل معهم، حيث لا هم مسلمون، ولا هم أعداء محاربون، فلا بد أن يحتويهم عهد للموادعة و(ذمة) للرعاية والاحترام، ونشأ عن هذا الاتجاه ما سمي (عقد الذمة).

عقد الذمة: وهو ما يصير به غير المسلم (ذميًّا)، وتتعلق به المصالح العامة، كما يجوز عقده لكل من هم في (ذمة) المسلمين من أهل الكتاب والمجوس؛ لقوله تعالى: {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} [التوبة: ٢٩]، ولقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المجوس: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» [أخرجه البخاري. كتاب الجزية والموادعة. باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب.]

كما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ الجزية من مجوس هجر [السابق]، ويعد عقد الذمة إقرارًا لغير المسلم على دينه بشرط قبوله دفع الجزية، والتزامه بعدم رفع السلاح على المسلمين.

ويختلف عقد الذمة - في طبيعته- عن (عقد الأمان)؛ حيث إن المستأمن هو: (من دخل دار الإسلام على أمان مؤقت من قبل الإمام أو أحد المسلمين).

وبناء على ذلك فإن عقد الذمة مؤبد لأهل الذمة، وعقد الأمان مؤقت للمستأمنين. [حاشية ابن عابدين ٣/٢٤٨، جواهر الإكليل ١/٢٥٨، المغني١٠/٤٣٢]

وإذا كان عقد الذمة لا يصح من غير الإمام أو نائبه، فإن عقد الأمان يصح من كل مسلم بالغ ذكر أو أنثى عاقل مختار [مغني المحتاج للشربيني٤/٢١٦]

نشأة العلاقة بين المسلمين وأهل الذمة

بعد أن فتح المسلمون بلاد الشام وقعوا معاهدة مع (أهل الكتاب) تقضي باحترام عقيدتهم والمحافظة على طقوسهم وصلواتهم، ويأتيهم قساوستهم وأساقفتهم من القسطنطينية وأنطاكية، بينما يحرسهم الفاتحون المسلمون الذين كانت لهم (ذمة) وعهد في المحافظة على غير المحاربين حتى عبر المستشرق الألماني (ميتز) عن إعجابه بالتزام المسلمين بعهدهم نحو هؤلاء (الذميين) بقوله: "كان النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام [انظر: فهمي هويدي. مواطنون لا ذميون. ط. ثالثة ٢٤]

ولقد تبلورت العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب منذ بدء الدعوة الإسلامية؛ فكان للرسول - صلى الله عليه وسلم - جيران من أهل الكتاب، وأنزل نصارى نجران بالمسجد وسمح لهم بإقامة صلاتهم فيه.

وسار على هَدْيه عمر - رضي الله عنه - فدخل بيت المقدس وأجاب السكان المسيحيين إلى ما اشترطوه.

وكانت للنصارى - في العصر الأموي- احتفالاتهم العامة يتقدمها رجال الدين بالصلبان، كما جرت العادة -أيام الرشيد- بأن يخرج النصارى- يوم عيد الفصح- في موكب كبير وبين أيديهم الصليب.

وإلى جانب هذه الصور من التعايش والتسامح، فإننا نلاحظ أن كثيرًا من (أهل الذمة) قد أسهموا في مختلف مواقع المسئولية، فقد روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاتل معه قوم من اليهود في بعض حروبه، فأسهم لهم مع المسلمين- واستعان بهم في غزوة خيبر، كما استعان بصفوان بن أمية في غزوة حنين.

وامتد هذا التعاون في العصور الإسلامية المختلفة [توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ٨١، ٨٢، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ٨٧ (مواطنون لا ذميون. فهمي هويدي ٦٦- ٧٣].

ومن هنا نستطيع القول بأن مصطلح (أهل الذمة) لم يكن إلا وضعًا تنظيميًّا للعلاقة السائدة بين المسلمين وغير المسلمين، وأن تلك العلاقة قائمة على أساس صفة المسالمة والمحاربة.

ومن هنا عرف الشيخ الجليل عبد الوهاب خلاف دار الإسلام بقوله: "هي الدار التي تجري عليها أحكام الإسلام، ويؤمن فيها بأمان المسلمين سواء أكانوا مسلمين أم ذميين. [عبد الوهاب خلاف: السياسة الشرعية، ٧١]

نشأة عقد الذمة في مصر

سار عمرو بن العاص إلى مصر ليفتحها، وحين أحسَّ المقوقس (عظيم القبط) أن جيش عمرو يتقدم بنجاح، كتب إليه معبرًا عن استعداده لعقد الصلح بين الطرفين، ومن ثَم فقد تم الصلح بينهما بشروط أوجبت على كل طرف واجبات، كما حددت لكل منهما حقوقًا، ولقد اشترط المقوقس على عمرو أن يترك للروم حرية الموافقة على هذه الشروط أو رفضها. [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ٦١- ٦٢]

وكان هذا الاتفاق نواة لعقد الذمة في مصر، ولقد تم توقيع عقد آخر بين المقوقس وعمرو حين نجح العرب في فتح الإسكندرية، وسمي هذا العقد (صلح الإسكندرية)، وكان أول شرط في هذا الصلح أن يدفع الجزية كل من دخل في العقد من أهالي الإسكندرية، وهذا الشرط جعل أهالي الإسكندرية (أهل ذمة)، يؤدون الجزية في مقابل الدفاع عنهم وتأمينهم على أنفسهم ومصالحهم وممتلكاتهم، ولكن هذا الصلح لم يُرضِ الأهالي الذين ثاروا على المقوقس وحاولوا رجمه بالحجارة لعقده الصلح مع المسلمين، غير أنه أقنعهم أن هذا الصلح يحميهم ويحافظ على مصالحهم، فسلموا الجزية المتفق عليها إلى المقوقس، وحملها المقوقس بنفسه إلي عمرو بن العاص. [انظر: د /فاطمة مصطفى عامر: تاريخ أهل الذمة في مصر الإسلامية، ١ /٩٢- ٩٦. (اللويثة المصرية العامة للكتاب)]

ونود أن نشير هنا إلى أن الجزية ليست من ابتداع المسلمين أو العرب وأن أول من سن الجزية هو كسرى ملك الفرس بناء على ما ذكره الطبري في تاريخه، وقد كانت الحيرة ومنازل آل النعمان في الجزيرة العربية تدين للعجم وتؤدى إليهم الإتاوة والخراج. [تاريخ الطبري١ /٤٥١]

وأما بالنسبة لتاريخ تشريع هذا المبدأ في الإسلام، فقد قيل إنه سنة ثمان للهجرة، ولقد رُوي أن نصارى بني تغلب قد أنفوا من اسم (الجزية) وقالوا لعمر بن الخطاب: نحن عرب، فخذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة، فقال له النعمان بن زرعة: خذ منهم الجزية باسم الصدقة، فقبل عمر ذلك وضعف عليهم، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فكان إجماعًا. [الكافي في الفقه على مذهب ابن حنبل. موفق الدين ابن قدامة المقدسي، ٤/٢٣٧]

وإذا أردنا أن نعقد موازنة بين رغبة (الاتجاه الإسلامي) في تحصيل الجزية من غير المسلمين، ورغبته في دخول هؤلاء في الإسلام مع إعفائهم من الجزية فإننا نجد أن الاتجاه الثاني أرجح.

فحين ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رغب في تشجيع الذميين على الإسلام، وذلك عن طريق إعفائهم من بعض الأعباء المالية، فكتب إلى عماله: من شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا... فلا تأخذوا منه جزية.[الأموال للقاسم بن سلام صـ٦- برقم ١٢٥].

وقد نتج عن ذلك ضعف إيرادات مصر، فكتب إليه واليها (حيان بن سريح): "إن الإسلام قد أضر بالجزية"، وطلب منه أن يأمر بأخذ الجزية حتى ممن أسلموا من أهل الجزية، فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمدًا هاديًا، ولم يبعثه جابيًا، ولعمري لعمر أحقر من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على يديه. [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها ١٥٦].

 وإن جاء بعض الولاة بعد ذلك فمالوا إلى إعادة الجزية على أهل الذمة الذين أسلموا، أو تحصيل الضرائب منهم، وعمل كل والٍ من هؤلاء الولاة برأيه وبصورة تقوم على التعسف وعدم النظام. [انظر: د/ فاطمة مصطفى عامر: تاريخ أهل الذمة في مصر، ٢/٧- ٥٢].

ولقد كان من ملامح عقد الذمة في مصر -كما في سائر الأمصار- حسن التعامل وصدق الوفاء من الحكام، والشعور بالأمان ودقة الالتزام من أهل الذمة.

فلقد أقر عمر أهل الذمة في مصر على أراضيهم، وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وحرية عقائدهم، وترك لهم الحرية في الإقامة بمصر أو الخروج منها. [توفيق الطويل: قصه الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام، ١٦٨]

 واتبع الخليفة عثمان بن عفان سياسة التسامح مع أهل الذمة في جميع أرجاء الدولة الإسلامية، وأوصى عماله برعاية شئونهم.

وكذلك أحسن علي بن أبي طالب معاملة الذميين، وأمر بمراعاة عهودهم والدفاع عنهم، وقد أوصى عامله محمد بن أبي بكر بأهل الذمة حين قدم مصر واليًا عليها من قبله سنة ٣٦هـ/٦٥٦م [ابن الأثير: الكامل،٣ /١٠٩، الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ٣/٥٥٦].

وكان من نتائج ذلك أن قام أهل الذمة بدور إيجابي في الحياة السياسية في عصر ولاة الخلفاء الراشدين، وقد استمروا في أداء هذا الدور في عصر الولاة الأمويين والعباسيين.

وكان للعوامل السياسية أكبر الأثر في حمل العرب على ترك مقاليد الأمور في أيدي أهل مصر من القبط خاصة، أي أن القبط صاروا يتمتعون بحريتهم الدينية إلى جانب قيامهم بنصيب كبير في إدارة بلادهم.

وبذلك حل القبط محل الروم الذين غادروا مصر والذين كانوا يتولون إدارة البلاد. [سيدة كاشف: مصر في فجر الإسلام١٨٩]

وإلى جانب الدور الإيجابي الذي لعبه أهل الذمة في إدارة البلاد، فقد كان لهم دور آخر في الحياة الفكرية والثقافية.

فقد وجد الإسلام طريقه إلى قلوب المصريين بعد الفتح، وكان انتشار اللغة العربية مصاحبًا لهذا الفتح، ولكن بعض الأقباط ظلوا محافظين على لغتهم القبطية دون محاولة لمعرفة غيرها، مما ينفي ما روَّجه بعض الكُتَّاب المعاصرين من محاولة حكام مصر الجدد منع الأقباط من التحدث بلغتهم القبطية.

ولقد كان النشاط الفكري للقبط بلغتهم يتركز في الأديرة حيث توجد المكتبات الغنية، وحيث يوجد عدد من الرهبان المثقفين الذين يقومون بترجمة الكتب اليونانية إلى اللغة القبطية.

وترتب على دخول بعض الذميين في الإسلام عنايتهم بالدراسات الإسلامية والأدبية منذ أواخر عهد الأمراء الإخشيدين وطوال عصر الخلفاء الفاطميين بصفة خاصة. [انظر: د/فاطمة مصطفى عامر: تاريخ أهل الذمة في مصر، جـ٢. الباب الرابع. دور أهل الذمة في الحياة الفكرية١٧٩- ٢٣٥]

حقوق أهل الذمة وواجباتهم

الأصل في إطلاق اصطلاح (أهل الذمة) على قوم بعينهم: أن الإسلام يعني بالحقوق التي يرتبها لهم في (ذمة) المسلمين أكثر مما يعني بالواجبات التي يقررها عليهم.

والأصل أنه يجب على (إمام المسلمين) أن ينصرهم وأن ينصفهم ممن يظلمهم؛ لأنهم تحت ولايته ما داموا في دار الإسلام. [انظر السير الكبير للشيباني. باب ما يحب من النصرة للمستأمنين وأهل الذمة، ٥ / ١٨٥٣].

وإذا رأينا أن الفقهاء المسلمين يكادون يجمعون على حقوق الذميين [انظر بدائع الصنائع، ٦/١١١، المهذب للشيرازي ٢٥٦/٢، المغني لابن قدامة، ٨/٤٤٥]، وأن (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، وأنه رُوي عن علي بن أبي طالب قوله: "إنما قبلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا".

إذا رأينا ذلك علمنا مدى العناية التي وجهها الإسلام إلى حقوق الذميين وأهمها ما يأتي:

 - تأمينهم على حياتهم وأموالهم، وفي هذا المعنى يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ حَقَّهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [أخرجه أبوداود ٣/ ٤٣٧حديث ٣٠٥٢]

- يتساوى الذمي بالمسلم في وجوب الدية في القتل الخطأ وشبه العمد وشبه الخطأ، وسواء أكان القتيل مسلمًا أم كان من أهل الذمة. [بدائع الصنائع ٧/٢٥٢، الخرشي ٨/٤٩، مغني المحتاج ٤/١٠٧، المغني لابن قدامة ٨/٩.]

- يجب على الإمام مناصرة أهل الذمة كما يناصر المسلمين؛ لأن العقد الذي بينه وبينهم يشترط ذلك و«المُؤْمِنُونَ عِندَ شُرُوطِهِمْ» [البخاري. كتاب الإجارة، أبو داود. كتاب الأقضية، وانظر السير الكبير (السابق)]

-إذا تحاكم مسلم وذمي إلى الحاكم، فإن هذا الحاكم يلزمه الحكم بينهما دون تحيز، لأن إنصاف المسلم والانتصاف منه واجب.

ولقد تقررت هذه الحقوق لأهل مصر بعد الفتح؛ حيث تحول المصريون من القبط واليهود ومن في حكمهم (من غير أهل الكتاب) كالمجوس والسامرية والصابئة إلى (أهل ذمة)، وأصبحوا في ذمة المسلمين بعد إعطائهم العهد والأمان على أنفسهم وأملاكهم وحرياتهم الدينية والمدنية.

وقد نشأت واجبات على أهل الذمة في مقابلة الحقوق التي تمتعوا بها - وعلى رأس هذه الواجبات:

- أن من عقدت له الذمة فتمتع بالحقوق السابقة، أخذت منه الجزية، ولم يكن هذا المبدأ من مبتكرات الإسلام. - إذا كان من حق الذميين أن نتركهم وما يدينون، وأن نقرهم على عقائدهم وأعمالهم التي يعدونها من أمور دينهم كضرب الناقوس وقراءة التوراة والإنجيل، فإن ذلك الحق يشكل واجبًا هو ألا يجاهروا بأعمالهم التي تعد معصية في الإسلام كشرب الخمر علانية.

وإذا كان هذا الواجب مما يلتزم به الذميون، فإنما يلتزمون به في أمصار المسلمين، أما القرى العامة، والقرى التي ينفرد بها أهل الذمة فلا يمنعون فيها من إظهار عباداتهم [المهذب ٢/٢٥٦، ابن عابدين ٣/٢٧٢، حاشية الدسوقي ٢/٢٠٤، مغني المحتاج ٤/٢٥٧، كشاف القناع ٣/١٣٣].

وتظل هذه الحقوق والواجبات محل اعتبار واحترام من الجانبين ما دامت شروط عقد الذمة قائمة، فإذا اختلت هذه الشروط انتقض العهد، وهو ينتقض بثلاثة أشياء:

١-    الامتناع عن بذل الجزية.

 ٢- التعدي على أحكام الإسلام.

 ٣- العودة إلى حمل السلاح على المسلمين، وإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد.

الخلاصة

أهل الذمة هم غير المسلمين الذين أقروا بدينهم وقدموا الجزية في مقابل الحماية والرعاية داخل الدولة الإسلامية، نشأت هذه العلاقة تاريخيًّا مع توسع الفتح الإسلامي، وكانت قائمة على مبدأ التعايش والتسامح مع احترام الحقوق والواجبات؛ وعقد الذمة يشكل إقرارًا قانونيًّا دائمًا يميزهم عن المحاربين، ويضمن لهم حرية العقيدة والأمان على أرواحهم وأموالهم، مقابل التزامهم بعدم الاعتداء وتحمل مسؤوليات مثل دفع الجزية، وقد لعب أهل الذمة دورًا مهمًا في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في مختلف الأقطار الإسلامية، مع احترام متبادل بين الطرفين ما دام العهد محفوظًا.

موضوعات ذات صلة

هي كل بلد صالح الإمام أهلها بترك القتال.

كانت نظامًا ماليًّا معروفًا قبل الإسلام، وقد نظّمه الإسلام في السنة الثامنة أو التاسعة للهجرة.

حزب -بالكسر- الطائفة، وجمعه الأحزاب، وله عدة معان.

موضوعات مختارة