حكمت دولة المماليك الجراكسة مصر
والشام ١٣٤ سنة (٧٨٤- ٩٢٣هـ/١٣٨٢- ١٥١٧م)، تعاقب خلالها على كرسي السلطنة (٢٣)
سلطانًا، كانوا جميعًا من الجراكسة، باستثناء خشقدم وتمربغا اللذين ينحدران
إلى أصول رومية، ومن هؤلاء تسعة سلاطين حكموا (١٠٣) سنة، في حين حكم السلاطين
الأربعة عشر الآخرون (٩) سنوات فقط.
ومن هنا فقد ارتبط تاريخ تلك الدولة بأولئك
السلاطين التسعة وهم: الظاهر برقوق، والناصر فرج، والمؤيَّد شيخ، والأشرف بِرِسْباي،
والظاهر جقمق، والأشرف إينال، والظاهر خشقدم، والأشرف قايتباي، وقانصُوَه الغوري
[سعيد عبد الفتاح عاشور،
الأيوبيون والمماليك في مصر والشام، القاهرة، دار النهضة العربية ١٩٩٨م، ص٢٦٧].
ولم يؤمن سلاطين الجراكسة بمبدأ
الحكم الوراثي الذي حاول سلاطين المماليك البحرية تطبيقه، وكان مثله البارز حكم
أسرة المنصور قلاوون الذي امتد لنحو تسعة عقود.
ويمكن القول: إن حكام دولة المماليك الجراكسة
كانوا زعماء أو أمراء كبارًا أكثر من كونهم سلاطين؛ إذ كان نجاح الواحد منهم في
الوصول إلى الحكم والبقاء فيه يتوقف على مدى نجاحه في توجيه كبار الأمراء وضرب
طوائف المماليك بعضها ببعض، فإذا استطاع
السلطان الاحتفاظ بمنصبه حتى الوفاة، فإن ابنه كان يخلفه عادة، ولكن لبضعة أشهر
فقط، حتى ينجلي الموقف بين كبار الأمراء، ويستطيع أحدهم أن ينفرد بالحكم. [المواعظ
والاعتبار ٣/٧٨١].
وقد اتسم الحكم الجركسي منذ اللحظة
الأولى بنزعة عنصرية واضحة؛ فالظاهر برقوق على سبيل المثال عمل منذ جلوسه
على كرسي السلطنة سنة ٧٨٤هـ/١٣٨٢م على إفناء رجال الدولة من الأتراك وغيرهم، وتوسع
جدًا في جلب الجراكسة. [السيد الباز العريني،
المماليك، بيروت دار النهضة العربية، بدون تاريخ، ص٢٦٠، حكيم عبد السيد، قيام دولة
المماليك الثانية ١١٦، أنطوان خليل ضومط، الدولة المملوكية: التاريخ السياسي والاقتصادي
والعسكري، الطبعة الأولى، بيروت، دار الحداثة،١٩٨٠م، ص ٣٤].
ومن ناحية
أخرى، فقد تراجع المستوى الأخلاقي والتدريبي للمماليك؛ ذلك أن سلاطين الجراكسة
لم يحفلوا كثيرًا بتربيتهم وتدريبهم ذلك التدريب الراقي الذي كانوا يحظون به في
دولة المماليك الأولى، فكانوا لا يقيمون بالطباق غير فترة قصيرة لا يكتسبون خلالها
ما يلزم توافره من الصفات الضرورية - عسكريًا وأخلاقيًا - في الفارس المملوكي المثالي. [المواعظ والاعتبار ٣/٦٩٤] ومما زاد الأوضاع سوءًا؛ شراء مماليك بالغين، كانوا يُجلبون
إلى مصر، وقد تبلورت أخلاقهم واكتملت شخصياتهم؛ وإلى ذلك يشير المقريزي
قائلًا: "وبقي الجلب من المماليك إنما هم الرجال الذين كانوا في بلادهم ما بين
ملاح سفينة، ووقاد في تنور خباز، ومحول ماء في غيط أشجار ونحو ذلك" [السلوك٤/٢/٨٠٢ - ٨٠٥]، ولا معرفة لهم بفنون القتال وآداب الفروسية. [السيد الباز العريني، المماليك، ص٢٦٠، سعيد عبد الفتاح عاشور،
المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، القاهرة، دار النهضة العربية، بدون تاريخ،
ص٢٥]، فلا عجب كان وجودهم مصدرًا للفوضى والاضطراب، وسببًا من
أسباب فساد النظام المملوكي وتهاوي أركانه. [ابن دقماق، الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين ٤٦٥- ٤٧٧].
ويمكن تقسيم تاريخ دولة المماليك الجراكسة
إلى ثلاث مراحل متعاقبة على النحو الآتي:
- المرحلة الأولى: الاضطراب ومحاولة تثبيت دعائم الحكم الجركسي (٧٨٤-
٨١٥هـ/١٣٨٢- ٤١٢ ١م):
كانت تلك المرحلة
امتدادًا للمرحلة السابقة التي حكم فيها أبناء الناصر محمد بن قلاوون
وأحفاده، من حيث انتشار الفوضى وكثرة الاضطرابات الداخلية التي أدى تزايدها إلى
خلع الظاهر برقوق نفسه، ونفيه إلى الكرك سنة ٧٩١هـ/١٣٨٩م قبل أن يعود
بمساعدة أمراء الشام إلى السلطنة مرة أخرى سنة (٧٩٢هـ/١٣٩٠م)، مستغلًا اندلاع
الصراع بين الأميرين منطاش (ت٧٩٥هـ/ ١٣٩٣م) ويبلغا الناصري (ت٧٩٣هـ/١٣٩١م) [حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، ٩٣ وما بعدها].
وقد لبث برقوق
في الحكم هذه المرة تسع سنوات قضاها في إرساء قواعد دولة الجراكسة، فتخلص
من خصومه، وقضى على نفوذ المماليك الترك بإبعادهم عن وظائفهم، ومصادرة إقطاعاتهم،
كما نجح في كسر شوكة العربان، وقمع تمردهم ومحاولاتهم الخروج عليه). [اندريه ريمون، القاهرة: تاريخ حاضرة ١٣٤].
- الناصر فرج بن برقوق (٨٠١- ٨١٥هـ/١٣٩٨- ١٤١٢م):
توفي الظاهر برقوق
سنة ٨٠١هـ/ ١٣٩٨م، فخلفه في الحكم ابنه الناصر فرج الذي اتسمت شخصيته
بالعجز وعدم الاتزان.
[الخطط ٣/ ٧٨٣، ويصف المقريزي سنة ٨٠٦ بأنها " أول سنين
الحوادث والمحن التي خربت فيها ديار مصر، وفني معظم أهلها واتضعت بهما الأحوال،
واختلت الأمور خللًا آذن بدمار إقليم مصر". السلوك ٣/٣/١١٢٧].
ويصف المقريزي
سنوات حكمه بأنها كانت كثيرة الفتن والشرور والغلاء والوباء، وطرق بلاد الشام فيها
تيمور لنك، فخربها كلها وحرقها، وعمها بالقتل والنهب والسبي والأسر...،
وتمزق أهلها في جميع أقطار الأرض، ثم دهمها بعد رحيله عنها جراد لم يترك بها خضراء،
فاشتد بها الغلاء على من تراجع إليها من أهلها وشنع موتهم...، وقصر مد النيل بمصر
حتى شرقت الأراضي إلا قليلًا، وعظم الغلاء والفناء، وشمل الخراب الشنيع عامة أهل
مصر وبلاد الشام من النيل إلى مجرى الفرات.
وابتلي مع ذلك بكثرة
فتن الأميرين نوروز الحافظي وشيخ المحمودي وخروجهما ببلاد الشام عن
طاعته، فتردد مرارًا لمحاربتهما حتى هزماه، ثم قتلاه بدمشق سنة خمس عشرة وثمانمائة. [Ira M. Lapidus, Muslim
Cities in The Later Middle Ages, ٢Nd ed, Cambridge University Press,
(١١)١٩٨٤, P. ٤٠].
وكان من الطبيعي أن
تستنزف تلك الاضطرابات موارد الدولة، وتؤثر بالسلب على الإنتاج الزراعي والصناعي،
وتحدّ من نشاط المعاهد الدينية والمدنية [Ira M. lapidus, Muslim Cities in The Later Middle Ages, P. ٣٢].
- المرحلة الثانية: محاولة إعادة النظام
والنهضة النسبية (٨١٥- ٨٧٢هـ/١٤١٢- ١٤٦٨م)
شهدت الفترة التي أعقبت مقتل الناصر فرج بن
برقوق سنة ٨١٥هـ/١٤١٢م جهودًا طيبة بذلها سلاطين المماليك؛ بغية إعادة النظام
والاستقرار إلى ربوع الدولة، ومحاولة إحياء مجدها القديم، فأدركوا قدرًا لا بأس به
من النجاح، حمل بعض الباحثين على نعت هذه الفترة بأنها تمثل نهضة القرن الخامس عشر.
[ibid. p. ٣٢].
لقد أنهى السلطان المؤيد شيخ (٨١٥ – هـ٦٢٤-
١٤١٢-١٤٢١م) الحروب الداخلية، وأخمد ثورات المماليك التي كانت أحد الملامح البارزة
في عهد النا صر فرج، وقمع ثورات العربان، فلم تظهر بعد ذلك إلا في ظروف
استثنائية ومتقطعة [إنباء الغمر ٣/١٥٩،
١٧٣، ١٨٩، ١٩٨،١٩٧]، وكذلك فقد نجح المؤيد شيخ في إعادة
توطيد الأمن على الحدود الشرقية والشمالية للدولة بعد أن أخضع القبائل التركمانية، وقضى على محاولاتهم
الرامية إلى الخروج عن التبعية للمماليك، وامتدت أعماله الحربية في آسيا الصغرى
إلى قونية (٨٢١-٨٢٢هـ/١٤١٨-١٤١٩م)
[المنهل الصافي ٢/٢٥٥].
أما الأشرف برسباي (٨٢٥- ٨٤١هـ/١٤٢٢- ١٤٣٨م)
الذي نَعَتَهُ ابن تغري بردي بأنه أعظم ملوك الجراكسة بعد الملك
الظاهر برقوق فقد امتد عصره نحو ١٦ عامًا امتازت في الجملة بالهدوء والاستقرار
وقلة الاضطرابات الداخلية، باستثناء بعض الثورات المحدودة التي لم يجد صعوبة في
إخمادها.
ووجه برسباي جانبًا من جهوده
لإعادة الهيبة التي فقدها المماليك في البحر المتوسط، فأرسل عدة حملات لغزو جزيرة
قبرص التي كانت مركز القرصنة الصليبية - ضد النشاط البحري الإسلامي عامة والمملوكي
خاصة - في البحر المتوسط انتهت بإخضاعها سنة (٨٢٩هـ/١٤٢٥م) [السلوك ٤/٢/٦٩٤، ٧٢٠،٦٩٥-
٧٢٦]. وقد حذا الظاهر
جقمق (٨٤٢- ٨٥٧هـ/١٤٣٨- ١٤٥٣م) حذو سلفه، فجرَّد ثلاث حملات ضد رودس في
الأعوام (٨٤٤هـ/٨٤٧، ٨٤٨ هـ/١٤٤٠م)، وإن لم تحقق ما حققته الحملات الموجهة ضد قبرص
من نجاح، وانتهى الأمر بعقد صلح مع الإسبتارية في رودس، تعهدوا فيه بوقف أعمال
القرصنة ضد السفن والموانئ الإسلامية [النجوم الزاهرة ١٥/ ٣٤٣، ٣٥١، ٣٥٢، ٠ ٣٦- ٣٦٣، سعيد عاشور،
الأيوبيون والمماليك ٢٨٣- ٢٨٥].
وقد
شهدت تلك الفترة من تاريخ دولة الجراكسة عدة محاولات ترمي إلى تقوية
الاقتصاد المحلى، وإضفاء شيء من الاستقرار على النظام المالي، ولا سيما في عهد شيخ
وبرسباي؛ حيث ضرب الأول عملة جديدة من الدراهم الفضية، وأصدر الثاني
الدينار الأشرفي؛ ليكون العملة الذهبية القياسية للدولة، فاستقرت الأسعار نسبيًّا
نتيجة ثبات العملة بعد فترة طويلة من التقلب والاضطراب، وانتعش النشاط الاقتصادي في
مجالات الزراعة والصناعة والتجارة [Ira M. Lapidus, Muslim Cities in The Later Middle
Ages, PP. ٣٢-٣٤].
على
أن استمرار الضغوط العسكرية واستنزافها جزءًا كبيرًا من ميزانية الدولة؛ لصيانة
الأسطول وجلب عناصر جديدة من المماليك لتدارك النقص في صفوف الجيش التي أبادها
الوباء، وآفتها الحروب، تطلبت وجود مصادر جديد ة للدخل في وقت تراجعت فيه موارد
مصر والشام [ibid. p. ٣٤]. فكانت
النتيجة إرهاق الرعية بنظام ضريبي مجحف، وتدخل السلاطين في النشاط التجاري تدخلًا
مباشرًا للتغلب على مشكلة نقص الموارد، وتوفير الأموال اللازمة لتغطية نفقات الجيش.
وقد تجلى ذلك التدخل في انتهاج سياسة
الاحتكار التي مست أهم جزء في الاقتصاد التجاري وهو تجارة التوابل، وسياسة فرض
المشتريات؛ حيث أجبر التجار والعامة على شراء كميات معينة من السلع بأسعار يحددها
السلطان أو ممثلوه. [ibid. p. ٣٥.٣٦].
بيد أن تلك السياسة الاقتصادية المعتلة لم
تنقذ الدولة من أزمتها، بل ظلت مواردها في تراجع مستمر، وزادت معاناة الناس
وارتفعت أصواتهم بالشكوى وخاصة في أواخر أيام برسباي.
ولا ريب أن التدهور الاقتصادي
الذي بدت آثاره واضحة في نهاية هذه المرحلة وانتشار المظالم الاقتصادية وزيادة
معاناة الناس قد نالت من الاستقرار الداخلي للمدن المملوكية، نتيجة كثرة ثورات
الجلبان؛ لقلة رواتبهم أو تأخر تقاضيهم لها، حتى لقد ثاروا في عهد الأشرف إينال
(٨٥٧- ٨٦٥ هـ/ ١٤٥٣- ١٤٦٠م) [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي ١٨٥] وحده سبع مرات.
وكان من الطبيعي في ظل هذا التراجع الاقتصادي
أن يتقلص النشاط العمراني؛ حيث قلَّ الاهتمام بصيانة المباني والمؤسسات الدينية والمدنية،
وتراجعت أعمال الطرق وإنشاء شبكات الري، واقتصرت أعمال التشييد والبناء على بعض
المدارس والزوايا الصغيرة. [Ira M. lapidus, Muslim. Cities in The Later Middle
Ages, P. ٣٧].
- المرحلة
الثالثة: سقوط دولة المماليك (٨٧٢- ٩٢٣ هـ/١٤٦٨- ١٥١٧م)
ربما
يكون من المفارقات العجيبة أن يؤرَخ لبداية تلك المرحلة التي شهدت سقوط دولة
المماليك بسلطنة واحد من أهم سلاطين الجراكسة وأطولهم حكمًا وهو الأشرف قايتباي،
الذي يصفه ابن إياس قائلًا: كان كفؤا للسلطنة، وافر العقل سديد الرأي عارفًا
بأحوال المملكة، يضع الأشياء في محلها، ولم يكن عجولًا في الأمور، بطيء العزل
لأرباب الوظائف، يتروى في الأمور أيامًا قبل وقوعها، وكان موصوفًا بالشجاعة عارفًا
بأنواع الفروسية، [ابن إياس،
بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق: محمد مصطفى، القاهرة، الهيئة العامة القصور
الثقافة، سلسلة الذخائر ٥/٣٢٣] ورغم تلك الصفات المحمودة التي تحلى بها قايتباي،
ورغم كثرة ما تركه من آثار ومنشآت دينية ومدنية خلدت اسمه [Ira M. lapidus, Muslim
Cities in The Later Middle Ages, P, ٤٠] ، ورغم الهدوء النسبي الذي ساد عهده، فقد عجز عن إصلاح
الاقتصاد المتداعي، والارتقاء بالنظام المالي الذي اعتراه الخلل والاضطراب، بل إن
السياسات الاقتصادية التي انتهجها أفضت إلى مزيد من تدهور المؤسسات المملوكية؛ حيث
توسع جدًّا في فرض الضرائب ومصادرة أرباب الأموال من التجار وغيرهم، وأضحى نظام
الشراء القسري سياسة اقتصادية تبنتها الدولة من خلال الأمراء والحكام المحليين
والموظفين في المدن المملوكية المختلفة.
وهكذا
بلغت الضرائب غير الشرعية درجة الانهيار الاقتصادي، وعرضت بنيةَ الحياة الاجتماعية
المدنية بأسرها للخطر، وقد انعكست تلك السياسة على مستوى المعيشة؛ فارتفعت الأسعار
وقلت السلع والمواد الغذائية، وزاد الطين بلة التلاعب في أسعار العملة؛ للاستفادة
من فروق سعر الصرف في إنعاش الخزانة. [بدائع الزهور ٣/٣٢٥].
ولعل
السبب الرئيس الذي دفعه إلى انتهاج تلك السياسة المالية الجائرة كثرة ما خاضه من
حروب دفاعًا عن حدود الدولة المملوكية من ناحية الشمال، بعد أن تزايدت أخطار
التركمان والعثمانيين. وقد أرسل قايتباي لمواجهة تلك الأخطار [السابق ٣/٢٨٧، ٢٨٩] حملة عسكرية، بلغ مجموع ما أنفقه عليها نحو سبعة
ملايين دينار. [السابق ٤/ ٣،٤].
وقد
اقترن بذلك التدهور الاقتصادي انتشار الوباء (٨٩٧ هـ/١٤٩٢م) الذي حصد أرواح ثلث
المماليك، وذهب ضحيته في مصر وحدها نحو ٠ ٢٠ ألف شخص، وهو الأمر الذي كان له تأثير
ضار على النمو السكاني والاقتصادي للبلاد [السابق ٥/٨٩]، وقد زادت الفوضى وعمَّ
الاضطراب بعد وفاة قايتباي سنة ٩٠١هـ/ ١٤٩٦م، وحسبنا دليلًا على ذلك أنه
تعاقب على كرسي السلطنة خمسة سلاطين في خمس سنوات انتهى أمرهم بالسجن أو القتل؛
ولذلك لم يكن غريبًا أن يزهد الغوري في منصب السلطنة، ولا يقبله إلا بعد
ضغط وإلحاح من الأمراء. [السابق ٥/٨٩-٩١].
وقد
استقبل السلطان الغوري (٩٠٦- ٩٢٢هـ/١٥٠٠- ١٥١٦م) حكمه بالعمل على
زيادة موارد الدولة، ومحاولة إنعاش الخزانة الخاوية، فاتخذ سياسة مالية لا تقل جورًا
وتعسفًا عن سياسة أسلافه، فتوسع في الضرائب، وابتدع من المكوس ما لم يسبقه إليه أحد
[سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي ١٩٠، ١٩١].
وقد
جمع ضرائب عشرة أشهر مقدمًا لا تقتصر على الأراضي والحوانيت والعقارات فحسب، بل
تجاوزت إلى المعديات والسفن ودواب النقل وخدم القصور والأوقاف الخيرية، وتلاعب في
أسعار العملة؛ لتحقيق فائض تستفيد منه خزانة الدولة، فضلًا عن انتشار تزييف
العملات والتلاعب بوزنها ونقائها، وكان يستولي على أموال التركات ويغتصب أموال الأيتام،
وشاعت ظاهرة بيع الوظائف، وانتشرت المصادرات التي لم يسلم منها حتى الخليفة العباسي.
[سعيد عاشور، مصر في العصور الوسطى من الفتح العربي حتى الغزو العثماني،
القاهرة، دار النهضة العربية، ١٩٢٢م، ص٥٣١، وقد ثار بين المماليك والعثمانيين خلاف
في مناطق الحدود بين الدولتين في طرسوس، وهي المنطقة الواقعة بين الطرف الجنوبي الشرقي
وبين شمال الشام، حين حاولت الدولة العثمانية بسط نفوذها على بقية الإمارات
التركمانية في آسيا الصغرى، وكانت أهم هذه الإمارات قرمان ولغادر، وهما الإمارتان
اللتان أسبغت عليهما الدولة المملوكية حمايتها، وحاولت الدفاع عنهما ضد أطماع
العثمانيين، واتكأت عليهما في شئون الأمن والدفاع عن مصالحها في شمال العراق
والشام.
Lone poole, A History of Egypt, PP ٣٤٦, ٣٤٧].
وفضلًا عما أدى إليه التدهور الاقتصادي والاستغلال
المالي من تكدير صفو الاستقرار الداخلي للمدن المملوكية، فقد خسرت مصر مركزها الاقتصادي
كطريق رئيسي للتجارة بين الشرق الأقصى والغرب الأوربي؛ باكتشاف البرتغاليين طريق
رأس الرجاء الصالح، فكان ذلك إيذانًا بتحول زمام التجارة من أيدي المماليك إلى أيدي
البرتغاليين؛ فتفاقمت الأزمة الاقتصادية نتيجة ما خسرته مصر من عوائد تجارة العبور.
[د/ إسماعيل أحمد ياغي،
الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث، الرياض، مكتبة العبيكان ٢٠٠٢م، ٢٦
وما بعدها].