Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الجراكسة

الكاتب

أ.د/ عطية القوصي

الجراكسة

المماليك الجَرَاكسة أو البُرْجِيَّة هم الذين ورثوا عرش دولة المماليك البحرية، وقد جلبهم السلطان قلاوون من إقليم القوقاز لبناء قوة عسكرية جديدة ومخلصة، قبل أن ينجح قائدهم برقوق في إنهاء حكم أسرة قلاوون وتأسيس سلالة جديدة حكمت مصر والشام حتى السقوط الأخير.

فرقة المماليك الجراكسة

قصد السلطان المنصور قلاوون (٦٧٨- ٦٨٩هـ/١٢٧٩- ١٢٩٠م) إلى بناء فرقة جديدة من المماليك، ليضمن أن يكون ولاؤها له ولأبنائه من بعده، أو ليكونوا بعبارة قلاوون نفسه أسوارًا وحصونًا مانعة له ولأولاده وللمسلمين.

وقد رأى قلاوون أن تكون تلك الفرقة من غير الأجناس المعروفة آنذاك (كالأتراك والمغول والتركمان)، فوقع اختياره على الجراكسة [المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق: أيمن فؤاد سيد، الطبعة الأولى، لندن، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي،١٤٢٢هـ/ ٢٠٠٢م، ٣/٦٩٢].

وكان الجراكسة يقطنون المناطق الشمالية الغربية من إقليم القوقاز المطلة على البحر الأسود [راجع: القلقشندي، صبح الأعشى، القاهرة، الهيئة العامة لقصور التفافة، سلسلة الذخائر، ٢٠٠٤م، ٤/٤٦٢، حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، القاهرة، وزارة الثقافة، ١٩٦٦، ص ١٢، محمد صادق أبه زاو، موسوعة تاريخ الفقاس والجركس، منشورات علاء الدين بدون تاريخ، ص ٤٣].

مختلطين ببعض القبائل التركية النازحة إلى تلك المناطق، وبمرور الوقت صار للأتراك الغلبة العددية والسياسية، وهو الأمر الذي ترتب عليه صبغ القسم الأكبر  من الجراكسة بصبغة تركية، ونشأ لدى الباقين ميل إلى الاعتقاد بأنهم أتراك. [محمد جمال صادق أبه زاو، موسوعة تاريخ الفقاس والجركس، ٤٥،٤٤].

ومن هنا فقد قرر بعض المؤرخين العرب أن الجراكسة جنس من الترك، وأصلهم أربع قبائل كبرى: جركس - ويقال: شركس - وأذكش، والآص، وكسا، وتتفرغ منهم بطون كثيرة. [العيني، الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر، تحقيق: هانس أرنست، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي

الحلبي)، ١٩٦٢م، السيف المهند في سيرة الملك المؤيد شيخ، تحقيق: فهيم شلتوت، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ٠٠٣ ٢م، ص٢٦].

ويبدو أنَّ غلبة الطبيعة الجبلية على شمال القوقاز قد حالت دون قيام حكومة مركزية تنضوي تحت لوائها تلك القبائل التي كانت تعيش حياة أقرب إلى البداوة، وتعاني شظف العيش. [صبح الأعشى ٥/٤١٦]، وهو الأمر الذي يسَّر لمغول القبيلة الذهبية الاستيلاء على بلادهم أواخر القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، فكانوا من جملة رعايا صاحب مدينة سراي، فإنْ دارُوه وهادُوه كفَّ عنهم، وإلا غزاهم وحاصرهم، وكم مرة قتلت عساكره منهم خلائق، وسبتْ نساءهم وأولادهم، وجلبتهم رقيقًا إلى الأقطار. [المواعظ والاعتبار ٣/٧٨٠،٧٧٩، وراجع كذلك: حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية،١٢].

وقد نشأ عن غارات المغول المتوالية على إقليم القوقاز أن امتلأت أسواق الرقيق بأعداد غفيرة من الجراكسة، ويبدو أن رخص أسعارهم بالقياس إلى الرقيق التركي، وما اشتُهروا به من القوة والشجاعة والفروسية وجمال الخلقة - قد شجع السلطان المنصور قلاوون على اختيارهم ليكونوا نواة فرقته الجديدة. [حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية،١٢].

وقد بلغ عدد المماليك الجراكسة أواخر عهد المنصور قلاوون ثلاثة آلاف وسبعمائة مملوك، أسكنهم بجواره في أبراج القلعة، ولذا عرفوا بالمماليك البُرجية، وأسبغ عليهم رعايته وحباهم بعطفه، وباشر الإشراف على تدريباتهم العسكرية بنفسه، واختصهم بالوظائف المرموقة في الدولة. [ابن دقماق، الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين، تحقيق: محمد كمال الدين عز الدين، الطبعة الأولى، بيروت، عالم الكتب١٤٢٨هـ/ ٢٠٠٧م، ص ٣٢٥، المواعظ والاعتبار ٣/٧٨٠، وراجع كذلك: سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي في مصر والشام، الطبعة الثالثة، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٩٤م، ص ١٤٣، حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية ١٢].

سياسة المنصور قلاوون تجاه الجراكسة

وكانت سياسة المنصور قلاوون تجاه الجراكسة تقوم على منعهم من الاختلاط بغيرهم من طوائف المماليك التي تقاسمتها الميول وتنازعتها الولاءات السياسية، وإبعادهم عن المشاركة في الحياة العامة؛ ومن هنا فقد ألزمهم بالإقامة في أبراج القلعة، وحظر عليهم مغادرتها، بيد أن هذه السياسة لم تدم طويلًا؛ إذ سرعان ما سمح لهم الأشرف خليل (٦٨٩ - ٦٩٣ هـ/١٢٩٠ - ١٢٩٣م) بمغادرة القلعة نهارًا مع العودة إليها ليلًا [المواعظ والاعتبار ٣/٦٩٢] فزاد اختلاطهم بالمجتمع واتسعت خبرتهم بدقائق الحياة السياسية.

وكان أول تدخل للجراكسة في شئون السياسة ومسائل الحكم عقب اغتيال أستاذهم الأشراف خليل سنة ٦٩٣هـ/١٢٩٣م، حيث ثأروا له ممن تواطأ على قتله من أمراء الترك، وعلى رأسهم الأمير بيدرا، ثم نصَّبوا الناصر محمد بن قلاوون سلطانًا للبلاد خلفًا لأخيه، وهذه هي سلطنته الأولى (٦٩٣ - ٦٩٤هـ/١٢٩٣ - ١٢٩٤م). [المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد مصطفى زيادة، سعيد عبد الفتاح عاشور، دار الكتب، بدون تاريخ، ١/٣/٧٩١/٧٩٤] وحين احتدم الصراع بين الأميرين كتبغا وسنجر الشجاعي إبان السلطنة الأولى للناصر محمد، انحاز الترك إلى كتبغا في حين مال الجراكسة إلى  سنجر، ولكنهم سرعان ما انفضوا من حوله حين ساورتهم الشكوك في ولائه للناصر محمد، فرجحت كفة الأمير كتبغا الذي لم يجد صعوبة في التخلص من غريمه سنة ٦٩٣هـ/١٢٩٣م، بعد أن تخلى عنه الجراكسة [السلوك ١/٣/٨٥٥/٨٧٢، حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية ١٤-١٦] .

وكان الأمير كتبغا - ذو الأصل المغولي - يشفق من تضخم نفوذ الجراكسة. [حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية ١٧، ١٨]، ويعتقد أنهم بولائهم لبيت قلاوون يمثلون عقبة كبيرة في سبيل وصوله إلى كرسي السلطنة، فاجتهد في كسر شوكتهم وتفتيت عصبيتهم؛ حيث شتتهم في أنحاء متفرقة من القاهرة، وأخضع من سمح له بالمكوث في القلعة لرقابة صارمة؛ فناصبوه العداء هو ومن معه من المماليك الترك، وقد ضاعف حقدهم عليه اغتصابه للسلطنة من الناصر محمد سنة٦٩٤هـ/١٢٩٤م [السلوك ١/٣/٨٥٥/٨٧٢]، وقد واصل السلطان لاجين (٦٩٦-٦٩٨هـ/١٢٩٦- ١٢٩٨م) سياسة سلفه كتبغا في إضعاف قوة الجراكسة وتقليص نفوذهم، فلم يجد الأمير الجركسي سيف الدين كرجي بدًا من اغتياله سنة ٦٩٨هـ/ ١٢٩٨م، وإعادة الناصر محمد إلى السلطنة مرة ثانية (٦٩٨- ٧٠٨هـ/١٢٩٨ - ١٣٠٨م) [السابق ١/٨٧٥/٨٧٦].

ولا شك أن إخلاص الجراكسة لأسرة قلاوون التي أحبها المصريون وتعلقوا بها قد أكسبهم تعاطف الناس وتقديرهم؛ إذ بدوا في صورة المدافع عن السلطان الشرعي للبلاد، وهو الأمر الذي أورثهم في ظل السلطنة الثانية للناصر محمد نفوذًا واسعًا عبر عنه المقريزي قائلًا: وقويت شوكة البرجية بديار مصر، وصارت لهم الحمايات الكبيرة، وتردد الناس إليهم في الأشغال، وقام بأمرهم الأمير" بيبرس الجاشنكير" وأمَّر منهم عدة [السابق نفسه]، وفى المقابل كان الأمير سلار - ذو الأصل المغولي - يتزعم المماليك الترك، وينازع الأمير بيبرس الجاشنكير رأس الجراكسة النفوذ والسيادة. [الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين، ٣٥٥، ٣٥٦، السلوك ٢/١/٤١/٤٧].

وحين أعلن الناصر محمد بن قلاوون تنازله عن منصب السلطنة [الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين ٣٥٦-٣٦٠] بسبب ضيقه بتسلط كبار الأمراء، واستئثارهم بالسلطة الفعلية من دونه، حل محله الأمير بيبرس الجاشنكير الجركسى، فكان أول جركسي يصل إلى منصب السلطنة غير أنه لم يحتفظ بهذا أكثر من تسعة أشهر لم يستطع خلالها أن يمكن للعنصر الجركسي، وعاد الناصر محمد بن قلاوون إلى الحكم للمرة الثالثة (٧٠٩-٧٤١هـ/١٣٠٩- ١٣٤١م) [حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية ٢٦ ،٢٧]، فانتهج سياسة معادية للجراكسة، فكسر شوكتهم، وعزف عن شرائهم لتقليص أعدادهم.

سقوط دولة المماليك البحرية وقيام دولة الجراكسة (البرجية)

استقبلت دولة المماليك بوفاة الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٤١هـ/ ١٣٤١م مرحلة من الفوضى والاضطراب السياسي؛ حيث تراجع نفوذ خلفائه، وتقلصت سلطاتهم لصالح طائفة من الأمراء الكبار، سيطروا على مقاليد الحكم، وانفردوا بتدبير شئون البلاد، وقد حكم الدولة خلال تلك الحقبة المضطربة التي تمتد ثلاثة وأربعين عامًا (٧٤١ - ٧٨٤هـ/١٣٤١- ١٣٨٢م) ثمانية من أبناء الناصر محمد وأربعة من أحفاده [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي في مصر والشام، ص١٣٥]، كانوا- نظرًا لحداثة أسنانهم - ألعوبة في أيدي كبار الأمراء يحركونها وفق أهوائهم ومصالحهم، ويتدخلون في مصائرهم عزلًا وتعيينًا.

كما اشتد الصراع بين أمراء المماليك، واشتعلت العداوة بين أحزابهم المختلفة، وغدت شوارع المدن المملوكية مسرحًا لقتال لا يكاد يهدأ بين أصحاب المصالح المتنافرة، وغرقت البلاد في حالة عظيمة من الفوضى والاضطراب. [السلوك ٢/٣/٧٧٢/٧٩١، أندريه ريمون، القاهرة: تاريخ حاضرة، ترجمة: لطيف فرج، الطبعة الأولى القاهرة، دار الفكر للدراسات والنشر، ١٩٩٤م، ص١٢٩، ١٣٢].

وقد اقترن بتلك الحالة: انتشار الوباء الأسود سنة ٧٤٩هـ/١٣٤٨م، الذي ظلت الدولة تعاني آثاره المدمرة فترة طويلة [الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين ٤٢٦، السلوك ٣/١/١٠٤/١٠٨/١٤٩/١٥٠]، وتشديد الصليبيين هجماتهم على السفن والموانئ الإسلامية في مصر والشام [لمزيد من التفاصيل عن الدور السياسي للجراكسة في عهد أبناء الناصر محمد، راجع: حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية ٢٧-٣٥]، وقد استغل الجراكسة تلك الفوضى فاستردوا كثيرًا من نفوذهم، وكان لهم دور ملموس في توجيه مسار الحياة السياسية [السلوك ٢/٣/٤٦٧/٤٧٧، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة،

٠٠٧ ٢م، ١١/٢٢٣/٢٢٤، ابن حجر العسقلاني، إنباء الغمر بأنباء العمر، تحقيق: حسن حبشي، القاهرة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية،١٤١٨هـ/١٩٩٨م، ٢/٦٦، حكيم أمين عبد السيد، قيام دلة المماليك الثانية، ص٣٧، ما بعدها] إلى أن برز اسم الأمير برقوق، ذلك المملوك الجركسي الذي جلبه الخواجا "فخر الدين عثمان بن مسافر (ت٧٨٣هـ/١٣٨١م) أحد كبار تجار الرقيق آنذاك، سنة ٧٦٤هـ/١٣٦٢م، فاشتراه الأمير الكبير "يَلْبُغا العمري الخاصكي" (ت٧٦٨هـ/١٣٦٦م).

وقد مرَّ برقوق بما يمر به المماليك المجلوبون من مراحل التربية والإعداد له، فأعتقه يلبغا بعد نحو أربع سنوات، وألحقه بجملة مماليكه (اليلبغاوية).

وكان لبرقوق مكانة مرموقة لدى أستاذه يلبغا؛ نظرًا لما كان يمتاز به من جمال الخلقة، والتفوق في فنون الحرب والفروسية.  

وجعل برقوق يترقى بفضل طموحه وذكائه النادر إلى أن وصل إلى رتبة "أمير مائة مقدم ألف"، وهي أعلى رتب الإمارة، ثم ولي منصب أتابك العسكر سنة ٧٨٠هـ/١٣٧٨م، وأصبح في عهد السلطان المنصور علاء الدين علي (٧٧٨- ٧٨٣هـ/١٣٧٦- ١٣٨١ م) واحدًا من أقوى الأمراء وأوسعهم نفوذًا. [النجوم الزاهرة ١١/١٨٨].

فلما توفي السلطان المنصور علي سنة ٧٨٣هـ ١٣٨١م، تظاهر برقوق بالزهد في كرسي الحكم، وأعلن مبايعة أمير حاجي بن الأشرف شعبان بالسلطنة، ولقَّبه بالملك الصالح، وكان غلامًا في الحادية عشرة من عمره، وظل برقوق على حاله، إليه حلُ المملكة وعَقْدُها، ولم يجسر على السلطنة [السلوك ٣/٣٨٥، إنباء الغمر١/٢٥٧]، وإذا كان برقوق قد رأى ألا يتعجل الوثوب على الحكم، فقد عمل على إضعاف شوكة الترك وتفتيت عصبيتهم، فتعقبهم قتلًا وسجنًا وتشريدًا ونفيًا، وفى المقابل فقد استغل وصايته على السلطان حاجي وهيمنته على شئون الحكم، فأنعم بوظائف الدولة الكبرى على مماليكه وأمرائه [المواعظ والاعتبار ١/٢٨٧، النجوم ١١/ ٢١١، ٢١٠. سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي في مصر والشام، ١٥٦].

وتقرَّب إلى الرعية بإلغاء بعض الضرائب، والعمل على النهوض باقتصاد البلاد وتحسين النقد. [السلوك ٣/٣٧٧،٤٤٠، إنباء الغمر ١/١٢٣٥، ٢٣٧، سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي في مصر والشام، ١٥٦، ١٥٧]، وكذلك فقد بذل برقوق جهدًا طيبًا في صد خطر التركمان، والتصدي لغاراتهم على حلب سنة ٧٨٣هـ/١٣٨١م، فبدا في صورة الأمير القوي القادر على حماية حدود الدولة وتوفير الأمان والاستقرار للرعية [السلوك ٣/٢/٤٧٤] ،وحين وجد برقوق أن الظروف باتت مواتية لإعلان نفسه سلطانًا للبلاد، بادر إلى عقد اجتماع بالقلعة حضره الخليفة العباسي المتوكل على الله والأمراء والقضاة الأربعة وكبار العلماء، وانتهى ذلك الاجتماع إلى أن الأمور مضطربة لصغر سن السلطان وقلة خبرته، وأن الوقت محتاج لملك عاقل يستبد بأحوال الدولة، ويقوم بأمور الناس، وينهض بأعباء الحروب والتدبير ونحو ذلك[السلوك ٣/٢/٤٧٥، الجوهر الثمين ٤٥٩، ٤٦٠، المواعظ والاعتبار ٣/٧٨١، النجوم الزاهرة ١١/٢٢١]، وتقرر خلع الصالح حاجي، ومبايعة برقوق سلطانًا للبلاد حيث لقب بالملك الظاهر، وكان ذلك في رمضان سنة٧٨٤هـ/١٣٨٢م، وبذلك انقرضت دولة الأتراك في مصر، وزالت دولة بني قلاوون[راجع: القائمة الخاصة بسلاطين الجراكسة في الملحق] وقامت على أنقاضها دولة المماليك الجراكسة(أو البرجية).

الخصائص العامة لتاريخ دولة المماليك الجراكسة

حكمت دولة المماليك الجراكسة مصر والشام ١٣٤ سنة (٧٨٤- ٩٢٣هـ/١٣٨٢- ١٥١٧م)، تعاقب خلالها على كرسي السلطنة (٢٣) سلطانًا، كانوا جميعًا من الجراكسة، باستثناء خشقدم وتمربغا اللذين ينحدران إلى أصول رومية، ومن هؤلاء تسعة سلاطين حكموا (١٠٣) سنة، في حين حكم السلاطين الأربعة عشر الآخرون (٩) سنوات فقط.

ومن هنا فقد ارتبط تاريخ تلك الدولة بأولئك السلاطين التسعة وهم: الظاهر برقوق، والناصر فرج، والمؤيَّد شيخ، والأشرف بِرِسْباي، والظاهر جقمق، والأشرف إينال، والظاهر خشقدم، والأشرف قايتباي، وقانصُوَه الغوري [سعيد عبد الفتاح عاشور، الأيوبيون والمماليك في مصر والشام، القاهرة، دار النهضة العربية ١٩٩٨م، ص٢٦٧].

ولم يؤمن سلاطين الجراكسة بمبدأ الحكم الوراثي الذي حاول سلاطين المماليك البحرية تطبيقه، وكان مثله البارز حكم أسرة المنصور قلاوون الذي امتد لنحو تسعة عقود.

ويمكن القول: إن حكام دولة المماليك الجراكسة كانوا زعماء أو أمراء كبارًا أكثر من كونهم سلاطين؛ إذ كان نجاح الواحد منهم في الوصول إلى الحكم والبقاء فيه يتوقف على مدى نجاحه في توجيه كبار الأمراء وضرب طوائف المماليك بعضها ببعض، فإذا استطاع السلطان الاحتفاظ بمنصبه حتى الوفاة، فإن ابنه كان يخلفه عادة، ولكن لبضعة أشهر فقط، حتى ينجلي الموقف بين كبار الأمراء، ويستطيع أحدهم أن ينفرد بالحكم. [المواعظ والاعتبار ٣/٧٨١].

وقد اتسم الحكم الجركسي منذ اللحظة الأولى بنزعة عنصرية واضحة؛ فالظاهر برقوق على سبيل المثال عمل منذ جلوسه على كرسي السلطنة سنة ٧٨٤هـ/١٣٨٢م على إفناء رجال الدولة من الأتراك وغيرهم، وتوسع جدًا في جلب الجراكسة. [السيد الباز العريني، المماليك، بيروت دار النهضة العربية، بدون تاريخ، ص٢٦٠، حكيم عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية ١١٦، أنطوان خليل ضومط، الدولة المملوكية: التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، الطبعة الأولى، بيروت، دار الحداثة،١٩٨٠م، ص ٣٤].

ومن ناحية أخرى، فقد تراجع المستوى الأخلاقي والتدريبي للمماليك؛ ذلك أن سلاطين الجراكسة لم يحفلوا كثيرًا بتربيتهم وتدريبهم ذلك التدريب الراقي الذي كانوا يحظون به في دولة المماليك الأولى، فكانوا لا يقيمون بالطباق غير فترة قصيرة لا يكتسبون خلالها ما يلزم توافره من الصفات الضرورية - عسكريًا وأخلاقيًا - في الفارس المملوكي المثالي. [المواعظ والاعتبار ٣/٦٩٤] ومما زاد الأوضاع سوءًا؛ شراء مماليك بالغين، كانوا يُجلبون إلى مصر، وقد تبلورت أخلاقهم واكتملت شخصياتهم؛ وإلى ذلك يشير المقريزي قائلًا: "وبقي الجلب من المماليك إنما هم الرجال الذين كانوا في بلادهم ما بين ملاح سفينة، ووقاد في تنور خباز، ومحول ماء في غيط أشجار ونحو ذلك" [السلوك٤/٢/٨٠٢ - ٨٠٥]، ولا معرفة لهم بفنون القتال وآداب الفروسية. [السيد الباز العريني، المماليك، ص٢٦٠، سعيد عبد الفتاح عاشور، المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، القاهرة، دار النهضة العربية، بدون تاريخ، ص٢٥]، فلا عجب كان وجودهم مصدرًا للفوضى والاضطراب، وسببًا من أسباب فساد النظام المملوكي وتهاوي أركانه. [ابن دقماق، الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين ٤٦٥- ٤٧٧].

ويمكن تقسيم تاريخ دولة المماليك الجراكسة إلى ثلاث مراحل متعاقبة على النحو الآتي:

  • المرحلة الأولى: الاضطراب ومحاولة تثبيت دعائم الحكم الجركسي (٧٨٤- ٨١٥هـ/١٣٨٢- ٤١٢ ١م):

كانت تلك المرحلة امتدادًا للمرحلة السابقة التي حكم فيها أبناء الناصر محمد بن قلاوون وأحفاده، من حيث انتشار الفوضى وكثرة الاضطرابات الداخلية التي أدى تزايدها إلى خلع الظاهر برقوق نفسه، ونفيه إلى الكرك سنة ٧٩١هـ/١٣٨٩م قبل أن يعود بمساعدة أمراء الشام إلى السلطنة مرة أخرى سنة (٧٩٢هـ/١٣٩٠م)، مستغلًا اندلاع الصراع بين الأميرين منطاش (ت٧٩٥هـ/ ١٣٩٣م) ويبلغا الناصري (ت٧٩٣هـ/١٣٩١م) [حكيم أمين عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، ٩٣ وما بعدها].

وقد لبث برقوق في الحكم هذه المرة تسع سنوات قضاها في إرساء قواعد دولة الجراكسة، فتخلص من خصومه، وقضى على نفوذ المماليك الترك بإبعادهم عن وظائفهم، ومصادرة إقطاعاتهم، كما نجح في كسر شوكة العربان، وقمع تمردهم ومحاولاتهم الخروج عليه). [اندريه ريمون، القاهرة: تاريخ حاضرة ١٣٤].

  • الناصر فرج بن برقوق (٨٠١- ٨١٥هـ/١٣٩٨- ١٤١٢م):

توفي الظاهر برقوق سنة ٨٠١هـ/ ١٣٩٨م، فخلفه في الحكم ابنه الناصر فرج الذي اتسمت شخصيته بالعجز وعدم الاتزان. [الخطط ٣/ ٧٨٣، ويصف المقريزي سنة ٨٠٦ بأنها " أول سنين الحوادث والمحن التي خربت فيها ديار مصر، وفني معظم أهلها واتضعت بهما الأحوال، واختلت الأمور خللًا آذن بدمار إقليم مصر". السلوك ٣/٣/١١٢٧].

ويصف المقريزي سنوات حكمه بأنها كانت كثيرة الفتن والشرور والغلاء والوباء، وطرق بلاد الشام فيها تيمور لنك، فخربها كلها وحرقها، وعمها بالقتل والنهب والسبي والأسر...، وتمزق أهلها في جميع أقطار الأرض، ثم دهمها بعد رحيله عنها جراد لم يترك بها خضراء، فاشتد بها الغلاء على من تراجع إليها من أهلها وشنع موتهم...، وقصر مد النيل بمصر حتى شرقت الأراضي إلا قليلًا، وعظم الغلاء والفناء، وشمل الخراب الشنيع عامة أهل مصر وبلاد الشام من النيل إلى مجرى الفرات.

وابتلي مع ذلك بكثرة فتن الأميرين نوروز الحافظي وشيخ المحمودي وخروجهما ببلاد الشام عن طاعته، فتردد مرارًا لمحاربتهما حتى هزماه، ثم قتلاه بدمشق سنة خمس عشرة وثمانمائة. [Ira M. Lapidus, Muslim Cities in The Later Middle Ages, ٢Nd ed, Cambridge University Press, (١١)١٩٨٤, P. ٤٠].

وكان من الطبيعي أن تستنزف تلك الاضطرابات موارد الدولة، وتؤثر بالسلب على الإنتاج الزراعي والصناعي، وتحدّ من نشاط المعاهد الدينية والمدنية [Ira M. lapidus, Muslim Cities in The Later Middle Ages, P. ٣٢].

  • المرحلة الثانية: محاولة إعادة النظام والنهضة النسبية (٨١٥- ٨٧٢هـ/١٤١٢- ١٤٦٨م)

شهدت الفترة التي أعقبت مقتل الناصر فرج بن برقوق سنة ٨١٥هـ/١٤١٢م جهودًا طيبة بذلها سلاطين المماليك؛ بغية إعادة النظام والاستقرار إلى ربوع الدولة، ومحاولة إحياء مجدها القديم، فأدركوا قدرًا لا بأس به من النجاح، حمل بعض الباحثين على نعت هذه الفترة بأنها تمثل نهضة القرن الخامس عشر. [ibid. p. ٣٢].

لقد أنهى السلطان المؤيد شيخ (٨١٥ – هـ٦٢٤- ١٤١٢-١٤٢١م) الحروب الداخلية، وأخمد ثورات المماليك التي كانت أحد الملامح البارزة في عهد النا صر فرج، وقمع ثورات العربان، فلم تظهر بعد ذلك إلا في ظروف استثنائية ومتقطعة [إنباء الغمر ٣/١٥٩، ١٧٣، ١٨٩، ١٩٨،١٩٧]، وكذلك فقد نجح المؤيد شيخ في إعادة توطيد الأمن على الحدود الشرقية والشمالية للدولة بعد أن أخضع القبائل التركمانية، وقضى على محاولاتهم الرامية إلى الخروج عن التبعية للمماليك، وامتدت أعماله الحربية في آسيا الصغرى إلى قونية (٨٢١-٨٢٢هـ/١٤١٨-١٤١٩م) [المنهل الصافي ٢/٢٥٥].

أما الأشرف برسباي (٨٢٥- ٨٤١هـ/١٤٢٢- ١٤٣٨م) الذي نَعَتَهُ ابن تغري بردي بأنه أعظم ملوك الجراكسة بعد الملك الظاهر برقوق فقد امتد عصره نحو ١٦ عامًا امتازت في الجملة بالهدوء والاستقرار وقلة الاضطرابات الداخلية، باستثناء بعض الثورات المحدودة التي لم يجد صعوبة في إخمادها.

ووجه برسباي جانبًا من جهوده لإعادة الهيبة التي فقدها المماليك في البحر المتوسط، فأرسل عدة حملات لغزو جزيرة قبرص التي كانت مركز القرصنة الصليبية - ضد النشاط البحري الإسلامي عامة والمملوكي خاصة - في البحر المتوسط انتهت بإخضاعها سنة (٨٢٩هـ/١٤٢٥م) [السلوك ٤/٢/٦٩٤، ٧٢٠،٦٩٥- ٧٢٦]. وقد حذا الظاهر جقمق (٨٤٢- ٨٥٧هـ/١٤٣٨- ١٤٥٣م) حذو سلفه، فجرَّد ثلاث حملات ضد رودس في الأعوام (٨٤٤هـ/٨٤٧، ٨٤٨ هـ/١٤٤٠م)، وإن لم تحقق ما حققته الحملات الموجهة ضد قبرص من نجاح، وانتهى الأمر بعقد صلح مع الإسبتارية في رودس، تعهدوا فيه بوقف أعمال القرصنة ضد السفن والموانئ الإسلامية [النجوم الزاهرة ١٥/ ٣٤٣، ٣٥١، ٣٥٢، ٠ ٣٦- ٣٦٣، سعيد عاشور، الأيوبيون والمماليك ٢٨٣- ٢٨٥].

وقد شهدت تلك الفترة من تاريخ دولة الجراكسة عدة محاولات ترمي إلى تقوية الاقتصاد المحلى، وإضفاء شيء من الاستقرار على النظام المالي، ولا سيما في عهد شيخ وبرسباي؛ حيث ضرب الأول عملة جديدة من الدراهم الفضية، وأصدر الثاني الدينار الأشرفي؛ ليكون العملة الذهبية القياسية للدولة، فاستقرت الأسعار نسبيًّا نتيجة ثبات العملة بعد فترة طويلة من التقلب والاضطراب، وانتعش النشاط الاقتصادي في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة [Ira M. Lapidus, Muslim Cities in The Later Middle Ages, PP. ٣٢-٣٤].

على أن استمرار الضغوط العسكرية واستنزافها جزءًا كبيرًا من ميزانية الدولة؛ لصيانة الأسطول وجلب عناصر جديدة من المماليك لتدارك النقص في صفوف الجيش التي أبادها الوباء، وآفتها الحروب، تطلبت وجود مصادر جديد ة للدخل في وقت تراجعت فيه موارد مصر والشام [ibid. p. ٣٤]. فكانت النتيجة إرهاق الرعية بنظام ضريبي مجحف، وتدخل السلاطين في النشاط التجاري تدخلًا مباشرًا للتغلب على مشكلة نقص الموارد، وتوفير الأموال اللازمة لتغطية نفقات الجيش.

وقد تجلى ذلك التدخل في انتهاج سياسة الاحتكار التي مست أهم جزء في الاقتصاد التجاري وهو تجارة التوابل، وسياسة فرض المشتريات؛ حيث أجبر التجار والعامة على شراء كميات معينة من السلع بأسعار يحددها السلطان أو ممثلوه. [ibid. p. ٣٥.٣٦].

بيد أن تلك السياسة الاقتصادية المعتلة لم تنقذ الدولة من أزمتها، بل ظلت مواردها في تراجع مستمر، وزادت معاناة الناس وارتفعت أصواتهم بالشكوى وخاصة في أواخر أيام برسباي.

ولا ريب أن التدهور الاقتصادي الذي بدت آثاره واضحة في نهاية هذه المرحلة وانتشار المظالم الاقتصادية وزيادة معاناة الناس قد نالت من الاستقرار الداخلي للمدن المملوكية، نتيجة كثرة ثورات الجلبان؛ لقلة رواتبهم أو تأخر تقاضيهم لها، حتى لقد ثاروا في عهد الأشرف إينال (٨٥٧- ٨٦٥ هـ/ ١٤٥٣- ١٤٦٠م) [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي ١٨٥] وحده سبع مرات.

وكان من الطبيعي في ظل هذا التراجع الاقتصادي أن يتقلص النشاط العمراني؛ حيث قلَّ الاهتمام بصيانة المباني والمؤسسات الدينية والمدنية، وتراجعت أعمال الطرق وإنشاء شبكات الري، واقتصرت أعمال التشييد والبناء على بعض المدارس والزوايا الصغيرة. [Ira M. lapidus, Muslim. Cities in The Later Middle Ages, P. ٣٧].

  • المرحلة الثالثة: سقوط دولة المماليك (٨٧٢- ٩٢٣ هـ/١٤٦٨- ١٥١٧م)

ربما يكون من المفارقات العجيبة أن يؤرَخ لبداية تلك المرحلة التي شهدت سقوط دولة المماليك بسلطنة واحد من أهم سلاطين الجراكسة وأطولهم حكمًا وهو الأشرف قايتباي، الذي يصفه ابن إياس قائلًا: كان كفؤا للسلطنة، وافر العقل سديد الرأي عارفًا بأحوال المملكة، يضع الأشياء في محلها، ولم يكن عجولًا في الأمور، بطيء العزل لأرباب الوظائف، يتروى في الأمور أيامًا قبل وقوعها، وكان موصوفًا بالشجاعة عارفًا بأنواع الفروسية، [ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق: محمد مصطفى، القاهرة، الهيئة العامة القصور الثقافة، سلسلة الذخائر ٥/٣٢٣] ورغم تلك الصفات المحمودة التي تحلى بها قايتباي، ورغم كثرة ما تركه من آثار ومنشآت دينية ومدنية خلدت اسمه [Ira M. lapidus, Muslim Cities in The Later Middle Ages, P, ٤٠] ، ورغم الهدوء النسبي الذي ساد عهده، فقد عجز عن إصلاح الاقتصاد المتداعي، والارتقاء بالنظام المالي الذي اعتراه الخلل والاضطراب، بل إن السياسات الاقتصادية التي انتهجها أفضت إلى مزيد من تدهور المؤسسات المملوكية؛ حيث توسع جدًّا في فرض الضرائب ومصادرة أرباب الأموال من التجار وغيرهم، وأضحى نظام الشراء القسري سياسة اقتصادية تبنتها الدولة من خلال الأمراء والحكام المحليين والموظفين في المدن المملوكية المختلفة.

وهكذا بلغت الضرائب غير الشرعية درجة الانهيار الاقتصادي، وعرضت بنيةَ الحياة الاجتماعية المدنية بأسرها للخطر، وقد انعكست تلك السياسة على مستوى المعيشة؛ فارتفعت الأسعار وقلت السلع والمواد الغذائية، وزاد الطين بلة التلاعب في أسعار العملة؛ للاستفادة من فروق سعر الصرف في إنعاش الخزانة. [بدائع الزهور ٣/٣٢٥].

ولعل السبب الرئيس الذي دفعه إلى انتهاج تلك السياسة المالية الجائرة كثرة ما خاضه من حروب دفاعًا عن حدود الدولة المملوكية من ناحية الشمال، بعد أن تزايدت أخطار التركمان والعثمانيين. وقد أرسل قايتباي لمواجهة تلك الأخطار [السابق ٣/٢٨٧، ٢٨٩] حملة عسكرية، بلغ مجموع ما أنفقه عليها نحو سبعة ملايين دينار. [السابق ٤/ ٣،٤].

وقد اقترن بذلك التدهور الاقتصادي انتشار الوباء (٨٩٧ هـ/١٤٩٢م) الذي حصد أرواح ثلث المماليك، وذهب ضحيته في مصر وحدها نحو ٠ ٢٠ ألف شخص، وهو الأمر الذي كان له تأثير ضار على النمو السكاني والاقتصادي للبلاد [السابق ٥/٨٩]، وقد زادت الفوضى وعمَّ الاضطراب بعد وفاة قايتباي سنة ٩٠١هـ/ ١٤٩٦م، وحسبنا دليلًا على ذلك أنه تعاقب على كرسي السلطنة خمسة سلاطين في خمس سنوات انتهى أمرهم بالسجن أو القتل؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن يزهد الغوري في منصب السلطنة، ولا يقبله إلا بعد ضغط وإلحاح من الأمراء. [السابق ٥/٨٩-٩١].

وقد استقبل السلطان الغوري (٩٠٦- ٩٢٢هـ/١٥٠٠- ١٥١٦م) حكمه بالعمل على زيادة موارد الدولة، ومحاولة إنعاش الخزانة الخاوية، فاتخذ سياسة مالية لا تقل جورًا وتعسفًا عن سياسة أسلافه، فتوسع في الضرائب، وابتدع من المكوس ما لم يسبقه إليه أحد [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي ١٩٠، ١٩١].

وقد جمع ضرائب عشرة أشهر مقدمًا لا تقتصر على الأراضي والحوانيت والعقارات فحسب، بل تجاوزت إلى المعديات والسفن ودواب النقل وخدم القصور والأوقاف الخيرية، وتلاعب في أسعار العملة؛ لتحقيق فائض تستفيد منه خزانة الدولة، فضلًا عن انتشار تزييف العملات والتلاعب بوزنها ونقائها، وكان يستولي على أموال التركات ويغتصب أموال الأيتام، وشاعت ظاهرة بيع الوظائف، وانتشرت المصادرات التي لم يسلم منها حتى الخليفة العباسي. [سعيد عاشور، مصر في العصور الوسطى من الفتح العربي حتى الغزو العثماني، القاهرة، دار النهضة العربية، ١٩٢٢م، ص٥٣١، وقد ثار بين المماليك والعثمانيين خلاف في مناطق الحدود بين الدولتين في طرسوس، وهي المنطقة الواقعة بين الطرف الجنوبي الشرقي وبين شمال الشام، حين حاولت الدولة العثمانية بسط نفوذها على بقية الإمارات التركمانية في آسيا الصغرى، وكانت أهم هذه الإمارات قرمان ولغادر، وهما الإمارتان اللتان أسبغت عليهما الدولة المملوكية حمايتها، وحاولت الدفاع عنهما ضد أطماع العثمانيين، واتكأت عليهما في شئون الأمن والدفاع عن مصالحها في شمال العراق والشام. Lone poole, A History of Egypt, PP ٣٤٦, ٣٤٧].

وفضلًا عما أدى إليه التدهور الاقتصادي والاستغلال المالي من تكدير صفو الاستقرار الداخلي للمدن المملوكية، فقد خسرت مصر مركزها الاقتصادي كطريق رئيسي للتجارة بين الشرق الأقصى والغرب الأوربي؛ باكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح، فكان ذلك إيذانًا بتحول زمام التجارة من أيدي المماليك إلى أيدي البرتغاليين؛ فتفاقمت الأزمة الاقتصادية نتيجة ما خسرته مصر من عوائد تجارة العبور. [د/ إسماعيل أحمد ياغي، الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث، الرياض، مكتبة العبيكان ٢٠٠٢م، ٢٦ وما بعدها].

المواجهة بين المماليك والعثمانيين

تحولت العلاقة بين الدولة العثمانية ودولة المماليك منذ سلطنة الظاهر خشقدم٨٧٢هـ/ ١٤٦٧م من طور المودة وحسن الجوار إلى طور الصراع والتنازع الذي بلغ حد الصدام العسكري على الحدود في بعض الأحيان. [ابن إياس، بدائع الزهور (٤/٤٣٥) وما بعدها].

ولكن العلاقة بين الدولتين - رغم المناوشات العسكرية بينهما في عهد "قايتباي - لم تأخذ شكل الحرب الفاصلة إلا في عهد السلطان سليم الأول العثماني من ناحية والسلطان قانصوه الغوري من ناحية أخرى. [السابق (٥/ ٧١)]

وقد استقر رأي المماليك في مصر على ضرورة تجهيز حملة عسكرية تخرج إلى حلب، ويكون السلطان الغوري نفسه على رأسها؛ لوضع حد للتهديدات العثمانية المتزايدة. [ابن إياس، بدائع الزهور (٥/١١٨)، وما بعدها. د/ سعيد عاشور، مصر في العصور الوسطى (٥٣٦، ٥٣٧) العصر المماليكي في مصر والشام ص (٢٠٠) وما بعدها].

وفي صباح يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر رجب سنة٩٢٢هـ/١٥١٦م وقعت المعركة الفاصلة بين المماليك والعثمانيين عند مرج دابق شمالي حلب، فتمكن العثمانيون من إلحاق الهزيمة بالجيش المملوكي، رغم الشجاعة النادرة التي أبداها المماليك، وسقط الغوري صريعًا من فوق صهوة جواده، وضاعت جثته بين آلاف الجثث.

ثم تقدَّم السلطان سليم العثماني إلى مصر، واستطاع القضاء على المقاومة المملوكة الباسلة بقيادة طومان باي، الذي قُبض عليه، وشُنق على باب زويلة.

وهكذا سقطت دولة المماليك لتستقبل مصر والشام عصرًا جديدًا هو العصر العثماني.

(ملحق) سلاطين دولة المماليك الجراكسة (البرجية)

١       

الظاهر سيف الدين برقوق بن آنص

٧٨٤هـ / ۱۳۸۲م

٢       

الناصر ناصر الدين فرج بن برقوق

٨٠١هـ/ ۱۳۹۹م                  

٣       

المنصور عز الدين عبد العزيز بن برقوق

۸۰۸هـ/ ١٤٠٥م

٤       

الناصر فرج (للمرة الثانية)

٨٠٨هـ/ ١٤٠٥م  

٥       

الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العباسي

٨١٥هـ/ ١٤١٢م

٦       

٦المؤيد سيف الدين شيخ المحمودي

٨١٥هـ/ ١٤١٢م

٧       

٧المظفر شهاب الدين أحمد بن المؤيد شيخ

٨٢٤هـ/ ١٤٢١م  

٨       

الظاهر سيف الدين ططر

٨٢٤هـ/ ١٤٢١م   

٩       

الصالح ناصر الدين محمد بن ططر

٨٢٤هـ/ ١٤٢١م   

١٠   

الأشرف سيف الدين برسباي

٨٢٥هـ/ ١٤٢٢م

١١   

العزيز جمال الدين يوسف بن برسباي

٨٤١هـ/ ١٤٣٨م

١٢   

الظاهر سيف الدين حقيق

٨٤٢هـ/ ١٤٣٨م

١٣   

المنصور فخر الدين عثمان بن جمقمق

٨٥٧هـ/ ١٤٥٣م

١٤   

الأشرف سيف الدين إينال العلائي الظاهري

٨٥٧هـ/ ١٤٥٣ م     

١٥   

المؤيد شهاب الدين أحمد بن إينال

٨٦٥هـ/ ١٤٦٠م

١٦   

الظاهر سيف الدين خشقدم

٨٦٥هـ/ ١٤٦٠م

١٧   

الظاهر سيف الدين يلباي

٨٧٢هـ/ ١٤٦٧م

١٨   

الظاهر تمريغا

٨٧٢هـ/ ١٤٦٧م                                       

١٩   

الأشرف سیف الدین قايتباي

٨٧٢هـ/ ١٤٦٧م

٢٠   

الناصر ناصر الدین محمد بن قايتباي

٩٠١هـ/ ١٤٩٥م

٢١   

الظاهر قانصوه

٩٠٤هـ/ ١٤٩٨م

٢٢   

الأشرف جانبلاط

٩٠٥هـ/ ١٤٩٩م

٢٣   

العادل سيف الدين طومان باي

٩٠٦هـ/ ١٥٠٠م

٢٤   

الأشرف قانصوه الغوري

٩٠٦هـ/ ١٥٠٠م

٢٥   

الأشرف طومان باي

٩٢٢هـ/ ١٥١٦م    

٢٦   

الغزو العثماني وسقوط دولة المماليك

٩٢٣هـ/ ١٥١٧م

مصادر ومراجع للاستزادة:

المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق: أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن ۲۰۰۲م.

القلقشندي: صبح الأعشى، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الذخائر ٢٠٠٤م.

حكيم أمين عبد السيد: قيام دولة المماليك الثانية، القاهرة، وزارة الثقافة ١٩٦٦م.

العيني: الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر، تحقيق هانس أرنست، القاهرة، ط. عيسى البابي الحلبي ١٩٦٢م.

سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٩٤م.

Ira M.lapidus, Musim Cities in the Later Middle Ages, Cambridge, ١٩٨٤.

الخلاصة

الجراكسة: مجموعة من المماليك ذوي الأصول غير العربية (أتراك ومغول)، جُلبوا كعبيد، ثم أصبحوا نخبة عسكرية حكمت مصر بتأسيس دولة المماليك الجراكسة (٧٨٤–٩٢٣هـ / ١٣٨٢–١٥١٧م)، لعبوا دورًا سياسيًا وثقافيًا بارزًا، وشيَّدوا معالم حضارية هامة، رغم قوتهم، وقد أدى ضعفهم الداخلي إلى سقوط دولتهم على يد العثمانيين، وانتهى حكمهم بإعدام السلطان طومان باي عام ١٥١٧م.

موضوعات ذات صلة

هي دولة إسلامية تأسست في مصر عام ١٢٥٠م بعد سقوط الدولة الأيوبية.

فرقة مشاة خاصة داخل الجيش العثماني.

ينتمون إلى قبيلة من قبائل الغز هي قبيلة (قابي).

موضوعات مختارة